; جولة في أرجاء غانا | مجلة المجتمع

العنوان جولة في أرجاء غانا

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003

مشاهدات 68

نشر في العدد 1546

نشر في الصفحة 44

السبت 12-أبريل-2003

كانت لنا فرصة أن نزور غانا، الدولة الإفريقية التي تتمدد عاصمتها أكرا على ساحل المحيط الأطلسي. والحديث عن غانا متعدد الجوانب، فهي مركز إحدى الحضارات الإفريقية العريقة، ونظامها الديمقراطي، وقدر الحريات التي يتمتع بها الغانيون. أضفى على الشعب مزيدًا من الانطلاق والبناء بروح سمحة وهدوء ظاهر تحول إلى أسلوب راقٍ يميزهم.

كنا على موعد مع الأخ ناصر منصور مدير معهد إعداد المعلمين والدعاة الذي تشرف عليه جمعية التربية والإصلاح الغانية.. والمعهد صرحٌ متميز يضم أعدادًا لا بأس بها من طلبة غانا ودول غرب إفريقيا.. يتخرجون في المعهد ليصبحوا دعاة معلمين في بلادهم..

التقينا طلبة المعهد وتحدثنا معهم عن هموم المسلمين.. ووجدنا التجاوب العميق مع قضايا إخوانهم، وشعورهم بالمسؤولية تجاه نشر دين الله وهديه.

في غانا حاليًا عددٌ كبير من الجمعيات والمدارس الإسلامية مثل مدرسة المدينة الإسلامية التي تضم حوالي ٧٦٠ طالبًا.. والمدرسة الثانوية في أكرا وتضم قرابة ٤٠٠ طالب.. وهناك جمعية الضياء الطبية.. وجمعية المرأة الغانية.. وفي وقت لاحق قمنا بزيارة مدارس لجنة مسلمي إفريقيا.

وهي مدارس متميزة ومستوى طلابها في غاية الجودة.. وللجنة مدارس في أدينتا من ضواحي أكرا العاصمة وفي مدينة كوماسي ومدينة تملي.. عدد الطلاب الذين تكفلهم اللجنة في أكرا في حدود ۷۰۰ طالب من مختلف المراحل.. وتكفل اللجنة أعدادًا من الطلاب في الجامعة.. كما أنها تشرف في توجو المجاورة على مدرسة للبنات المسلمات.

استقبلنا في مدخل المدرسة الأستاذ ابن حرز الله مدير اللجنة في غانا كما استقبلتنا كوكبة من طلابها ينشدون بالعربية والسواحيلية والغانية بأصوات شجية تعطي الأمل للجميع بأن غانا ستعود مرة ثانية للإسلام كما كانت من قبل. 

وفي يوم العطلة خرجنا إلى جبل أبوري.. الطريق إليه متعرج وضيق.. وكان يمكن أن يكون متعبًا لولا جمال المناظر المحيطة به والأشجار المثمرة على أنواعها على جانبيه: البابايا والكثافة واليام والأفندي والتنغارين.. وفاكهة البلانتينا التي تشبه الموز ولكنها تشوى على نار هادئة.. على قمة الجبل يوجد قصر فتحية «المصرية» زوجة الرئيس نكروما ... وجيلنا يعرف نكروما رئيس الاستقلال وصاحب کتاب الاستعمار الجديد.. والذي دفع حياته ثمناً لهذا الكتاب فالاستعمار الغربي ما زال ينظر إلى الإفريقي على أنه من الدرجة الثانية حتى ولو كان رئيسًا. 

وبسبب فتحية ما زال المصريون يدخلون غانا بدون تأشيرة دخول ويقيمون فيها بلا متاعب.. وبهذه المناسبة.. كل من يزور إفريقيا يسأل عن مصر.. لماذا غابت؟! أين أزهرها الذي يحبه الأفارقة.. أين صوتها وتلفزيونها الذي ينتظرونه؟! وكلهم حب لمصر وللغة العربية.. ماذا دهاك يا مصر.. يا أم الدنيا؟

هل نسيت واجباتك.. أم أنسيتها؟

ألا من صحوة ضمير.. تعيد مصر للجميع؟! 

وفي أعلى جبل أبوري وفي موقع مشرف.. وأنواع الأشجار المتنوعة الأشكال تظلل الجبل.. وكنيسة ضخمة تقرع أجراسها في منطقة ليس فيها نصراني واحد ..في هذا الموقع الجميل تناولنا طعام الغداء مع ثلة من شباب إفريقيا من حوالي ١٣ دولة مجاورة.. وودعنا الجبل على موعد قادم.

وفي السطور القادمة نلقي نظرة على تاريخ هذه البلاد.. وموقع الإسلام فيها. 

غانا في التاريخ

لم يكن ارتباط المسلمين بغرب القارة الإفريقية يقل قوة عن ارتباطهم بشرق إفريقيا ووسطها، فكما اتصل المشرق والوسط بسواحل جنوب الجزيرة العربية والخليج العربي، اتصل غرب القارة

بالشمال الإفريقي عن طريق الصحراء الكبرى.

 وقد عرف العرب والأمازيغ أقاليم غرب إفريقيا، وهي الأقاليم التي تقع جنوب الصحراء، والتي تمتد من المحيط الأطلسي في الغرب حتى بحيرة تشاد في الوسط، وتقع بين المناطق الصحراوية في الشمال، ونطاق الغابات الاستوائية في الجنوب (۱).

 لقد انتشرت الدعوة الإسلامية في تلك المناطق بفعل احتكاك التجار المسلمين بسكانها، وجهود الدعاة والعلماء القادمين من شمال إفريقيا، وبفضل تفاني الإفريقيين الأوائل الذين اعتنقوا الإسلام.

 وقامت في غرب إفريقيا ممالك، لعبت دورًا مهمًا في تاريخ إفريقيا من أهمها مملكتا غانا ومالي.. 

وليس من السهولة بمكان تحديد موقع مملكة غانا جغرافيًا بشكل دقيق، إذ يظهر أنها كانت قوية وواسعة وغنية، وارتبطت بعلاقات وثيقة مع أمازيغ الصحراء الكبرى. وكانت تشتمل على جزء كبير من موريتانيا الحالية، ومناطق من غرب مالي.

إن اختلاف التجار المسلمين على بلاد غانا، والتبادل التجاري، والتسامح الذي كان يتحلى به الحكم القائم، ساعد على انتشار الإسلام بين الأهالي، وبلغ الأمر إلى أن جماعة من المسلمين تقلدوا مناصب عليا في القصر الملكي، رغم أن الملك الغاني لم يكن يعتنق الإسلام بعد، وكانت معرفة المسلمين بالكتابة والقراءة عاملًا مساعدًا في توليهم مرافق الإدارة العامة والحياة الاقتصادية في البلاد وقد سهل لهم ذلك القيام بالدعوة إلى الإسلام في مختلف المناطق المجاورة، وبمرور الأيام ازداد عدد المسلمين في غانا.. إلى درجة أن كان لهم في العاصمة «كومبي صالح» وحدها اثنا عشر مسجدًا (۲).

فالإسلام لم يدخل غرب إفريقيا ووسطها في القرن الحادي عشر الميلادي كما هو متواتر في بعض المصادر والمراجع الغربية، بل إن الإسلام وصل إلى تلك البقاع في القرن نفسه الذي ظهر فيه وهو القرن السابع الميلادي. عن طريق بعض القبائل الأمازيغية التي اعتنقت الإسلام منذ عهد فتوحات عقبة، وحسان وموسى بن نصير في المغرب. وازداد إقبال الناس عليه مع مرور الأيام والاعوام، كما انتشر الإسلام بواسطة الدول التي امتد نفوذها إلى السنغال أو عملت على نشره عن طريق القوافل والدعاة كدولة الأدارسة، ومملكة أودغست الإسلامية (۳).

 وعندما قامت مملكة مالي في غرب إفريقيا حملت لواء الدعوة الإسلامية إلى أدغال ومجاهل

غرب إفريقيا كله... 

ولقد شملت مملكة مالي (١٢٤٠ - ١٦٧٠م). 

التي قامت على أنقاض مملكة غانا، ما وراء جاوة شرقًا، وولاته شمالًا، والسنغال غربًا، وسيكاسو جنوبًا وينتسب ملوكها إلى جماعة «الماندنج» التي تعيش حول نهر النيجر وبالأخص حول الجزء الغربي منه، وشرق السنغال وجنوبه، وعلى ضفاف نهر غامبيا وغينيا بيساو، وغينيا كوناكري، وفولتا العليا، وساحل العاج وسيراليون وليبيريا والتوجو، وقد يربو تعداد الناطقين بلغة الماندنج بغرب إفريقيا على عشرة ملايين نسمة (٤).

 لقد كان الماندنج من أكثر شعوب غرب إفريقيا تمسكًا بالإسلام وتحمسًا له، وازداد انتشاره بينهم، وأصبح دين الدولة الرسمي.. وساد المذهب المالكي غرب إفريقيا في دولة مالي وفي أغلب دول

أفريقيا الإسلامية.

ويذكر عن أشهر ملوك مالي وهو كنكن موسى، أنه كان يبني مسجدًا في كل مدينة تدركه الجمعة فيها، كما عرف منسا سليمان «المتوفى ١٣٦٠م» بنشاطه وحرصه على الإسلام ومؤسساته.

وتمتع العلماء المسلمون بمكانة سامية في مالي.. على أن دولة مالي لم تكتف باعتناق الإسلام والحرص على تطبيقه وعلومه، وإنما أخذت تدعو له بين الوثنيين في غرب إفريقيا. حتى إن الدور الذي قامت به في نشر الإسلام، يعد من أهم مراحل انتشار الإسلام في إفريقيا حيث اقترن اتساعها بالدعوة إلى الإسلام.

جاء الإسلام إلى الإفريقيين وهم سادة في بلادهم يتمتعون بكامل السيادة والقوة والاستقلال، ويمارسون إدارة شؤونهم الخاصة في حكوماتهم ومجتمعاتهم. فلم يكن لدعاة الإسلام من العرب والأمازيغ أدني قسط من السيطرة وإن كان نفوذهم الروحي عظيمًا لكنه مقبول عن رضا واقتناع. وكان الروحي الدعاة يمتزجون بالإفريقيين بالمصاهرة والاختلاط، ويذوبون في المجتمع الإفريقي بدون فوارق اجتماعية، أو عرقية، لقوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.(الحجرات:13)

إفريقيا في عهد الاستعمار الغربي

دانت القارة بالإسلام واستمرت على ذلك قرونًا عديدة حتى جاء الاستعمار الغربي خلال القرون الثلاثة الأخيرة وعزل المسلمين بإفريقيا عن العالم الإسلامي، وحارب انتشار اللغة العربية، وغير كتابة كثير من اللغات الإفريقية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني وفتح الباب على مصراعيه للبعثات التنصيرية التي دخلت إلى كل مكان في إفريقيا وشيدت الكنائس في عواصم إفريقيا ومدنها وقراها حتى يخيل إليك أحيانًا أن النصارى أغلبية وهم ليسوا كذلك.

ففي دار السلام عاصمة تنزانيا - حيث الغالبية مسلمة - تشاهد الصليب مرفوعًا على الكنائس الضخمة في معظم مداخل المدينة.

وفي زنجبار التي يدين ۹۸٪ من شعبها بالإسلام ترى الكنائس في أماكن متفرقة من الجزيرة.

وفي كثير من مدن وقرى شرق وشمال كينيا حيث سكانها مسلمون %١٠٠ فإن عدد الكنائس يفوق عدد المساجد.

ولم تقف الكنيسة عند حد صدها للدعوة الإسلامية في إفريقيا وإنما قامت وساهمت بتجهيل قبائل مسلمة وإبعادها عن الإسلام حتى أصبحت وثنية أو لا دينية.

وبالرغم من هذه الهجمة المنظمة على الإسلام في إفريقيا من قبل الاستعمار والكنيسة فإن القارة ظلت تدين بالإسلام حيث تشير إحصاءات عام ۱۹۸۸م إلى أن عدد سكان القارة الإفريقية بلغ 611 مليون نسمة، منهم 52,8% يدينون بالإسلام، والباقي تشترك فيه المسيحية والوثنية والديانات الأخرى (٥).

 وخلال الأربعين سنة الماضية تحررت معظم الدول الإفريقية من حكم الاستعمار ووصلت الصحوة الإسلامية إليها كما وصلت إلى غيرها وساهم فيها خريجو الجامعات الإسلامية ولاسيما الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة الأزهر وجامعة الكويت، وساهموا في نشر المدارس الدينية.

من أهم التحديات التي تواجه إفريقيا

1-الهجمة التنصيرية الشرسة.. المزودة بالأموال والمدارس والمستشفيات.. يقابلها عمل إسلامي ومؤسسات إسلامية متواضعة.

 ٢ - المدارس النظامية تضم أعدادًا قليلة من الطلبة المسلمين.. وخريجو هذه المدارس هم الذين يتولون الوظائف المهمة في الدولة بينما يتسكع طلبة المدارس الإسلامية في إفريقيا أو خريجو الجامعات الإسلامية في البلاد العربية.. فهم لا يتقنون لغة البلاد.. ولهذا فمن الواجب تشجيع المدارس النظامية المحلية والعمل على أن تتضمن برامجها حصصاً للغة العربية والدين. 

٣. هناك نقص خطير في المناهج الثقافية الإسلامية، وندرة في الكتاب الإسلامي المترجم إلى اللغات الإفريقية، الأمر الذي يحتاج إلى معالجة سريعة.

 ٤ - تأهيل الدعاة إلى الله في إفريقيا.. وقد يكون معهد إعداد الدعاة والمعلمين في غانا نموذجًا يحتاج إلى تطوير وإلى افتتاح فروع له في كافة الأقطار. 

5- لابد من التنسيق بين جميع العاملين للإسلام في إفريقيا وتوزيع الأعمال بينهم.. على أن تتولى الإشراف عليهم لجنة مركزية تحظى باحترام الجميع.

 ٦- إيجاد وقف للعمل الإفريقي.. بحيث يستمر العمل في عطائه ولا يتوقف.

 ٧- هناك تسيب في الحياة الاجتماعية، وفوضى في الحياة الجنسية، والتزام شديد بالقبلية.. ثالوث الطباع التي زرعها الاستعمار على قاعدة «فرق تسد» .... وليس لها علاج غير الإسلام.

 الإفريقي لا يحب المستعمر الذي يسرق ثرواته.. ويحول بلاده إلى مجرد سوق يستقبل منتجات الغرب.. ويستعبد إنسانه.. ولكنه مغلوب على أمره ويحتاج إلى من يأخذ بيده.

___________________________

الهوامش

(۱) الأصول التاريخية للعلاقات العربية الإفريقية - جمال زكريا قاسم ص - ١٥٣

(۲) انتشار الإسلام والثقافة العربية في إفريقيا - حسن أحمد محمود ص- ۲۲۷

(۳) غانا ا في العصور الوسطى - د إبراهيم علي طرخان ص - ٥٣

(٤) دولة مالي الإسلامية - د. إبراهيم على طرخان ص۵۳

(٥) الأقليات المسلمة في إفريقيا - سيد عبد المجيد بكر

الرابط المختصر :