العنوان جولة مع.. علي أحمد باكثير في ذكراه الرابعة
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 27-نوفمبر-1973
مشاهدات 114
نشر في العدد 177
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 27-نوفمبر-1973
علي أحمد باكثير الطاقة الفنية المعطاءة التي
رحلت عن دنيا الفكر العربي، تمر ذكراه الرابعة دون إشارة لذلك أو حديث عما أسداه
هذا الأديب الكبير من خدمة للفكر العربي المعاصر.
وباكثير الذي غادر دنيا البشر يوم الإثنين
10-11-1973م، كان أحد أعمدة المسرح العربي ومن أكثر المساهمين في إعلاء صرح الحياة
الفكرية المعاصرة.. إذ إنه أعطى كل ما لديه من موهبة ومقدرة على العطاء لخدمة
القضايا الهامة في المجتمع العربي والإسلامي.
وإذا كان من واجب الأدب أن يعالج مشاكل
المجتمع فإن الفقيد - رحمه الله - لم يألُ جهدًا في أن يقدم ما يستطيع تقديمه من
دراسة لحال المجتمع الإسلامي عمومًا.. لذلك رأيناه كيف يحول الفكرة الدائرة
والمشكلة القائمة إلى موضوع يتناول فيه أبعاده ويحللها.. ويربط بين ماضٍ وحاضرٍ
ليخلص إلى نتيجة مؤداها البحث عن طريقة للخلاص.. وبعد رسم دقيق وتجميع لعدة خيوط..
وبحر واسع يدرك شيئًا من باب المشكلة وينطلق مخططًا لها عارضًا بعض الحلول لما
يدور!!
ولم يتوقف باكثير عن العطاء إلا يوم أن توقفت
الحياة عنه وسكت القلب المحزون لما تعانيه أمتُه من تخبط وضيم وابتعاد عن المسلك
القويم.
مسرحياته:
منذ أن حمل المرحوم القلم وخط كتابًا.. كان
أول ما كتبه مسرحية بعنوان «في عاصمة الأحقاف»، وكان آخر ما دونه «التوراة
الضائعة» و«حرب السويس» وذلك بعد نكسة حزيران.. أي أنه بدأ حياته كاتبًا مسرحيًا
وآخر ما كتبه كان للمسرح.
ومسرحياته فاقت الأربعين عددًا وربما لا
يضارعه في ذلك إلا «توفيق الحكيم»، ويأتي باكثير حسبما يؤخذ من الاستقراء أنه
الثاني بعد الحكيم.. ومن خلال اطلاعي على مسرحياته وقراءتي لما وقع تحت يدي وهو
الأكثر تبين لي ما تناوله في مسرحياته فلم يقف عند كتابة المسرحية التاريخية وإنما
تعداها إلى المسرحية الاجتماعية.. إلى جانب استفادته من الأسطورة وصياغته منها فكرة
جديدة يعالج بها الوضع القائم.
وقد لاقت مسرحياته نجاحًا كبيرًا عندما
مُثِّلَت للمسرح وعرفت طريقها للنشر، وأعيد الطبع مرات. إذ لم يترك مجالًا في
الناحية المسرحية دون أن يعطيه حقه.
وباكثير على ما فيه من ذكاء ومهارة في صياغة
الحدث إلا أنه مواكب لما يدور في العالم.. فهو جاد مخلص إذا لمز لامزٌ شعورَ
المسلمين.. أو تعدى على العقيدة أو همز العربية فعندئذ لا يتوانى عن الرد ويسطر
رده بمسرحية سرعان ما يجذبها المسرح لتعرض هذه القضية القائمة.. فمن أساليبه
المرة.. أسلوبه الساخر الذي ينتزع الضحك انتزاعًا ويفجره في الناس.. ومن الضحك قد
يتولد البكاء.. ومن البكاء قد يكتشف الأمل.. والدنيا جراح!
قضية فلسطين في مسرحياته:
شغلت قضية فلسطين فکر الراحل فأعطاها حيزًا
كبيرًا من مسرحياته وقد أبدع في تلمس الحقائق المسجلة وأضفى عليها رونقًا تعبيريًا
رائعًا أظهرها بمظهر المناقشة الجدية التي تعرض الأمور عرضًا يكاد يكون حقيقيًا..
لأن الحقيقة غير مدركة في مثل هذه الأعمال وإن أجهد الكاتب أو اجتهد!
وقد خص القضية الفلسطينية بعدة مسرحيات منها
«شيلوك الجديد» و«شعب الله المختار» و«إله إسرائيل» و«التوراة الضائعة» وفي هذه
المسرحيات أفرغ المؤلف كل أساليب السخرية والهزء على دعاة الصهيونية وفند دعواها
الباطلة وأضحك الناس على مهازلهم وادعاءاتهم وسخفهم.
وقد كان متأثرًا أيما تأثر بما يدور حوله من
أحداث وخاصة ما يراه من موقف التعنت الصهيوني وتزايده وضياع أرض فلسطين وتشريد
أهلها.
ومن من الأدباء المعاصرين أعطى القضية ما
أعطاه لها باكثير ومات وهو يردد: «ما زالت قضية فلسطين تنتظر العمل الأدبي الذي
يتكافأ مع خطرها وأهميتها».
كفاحه الوطني:
كان الاحتلال الإنجليزي رابضًا على أرض مصر
يلعب بمقدرات الأمة ويعيث في أرض الكنانة فسادًا دونما وازع من خوف أو ضمير..
فالميدان يكاد يخلو له... وإن كانت صيحات الكفاح والجهاد تتردد بين آنٍ وآن، وحمل
الكاتب الكبير قلمه وجرده في وجه الاحتلال البغيض ليخرج للناس مسرحية «مسمار جحا»
مصورًا فيها الإنجليز وما يقومون به في قناة السويس من تحكم وتحدٍّ لمشاعر كل
الوطنيين.. وكتب مسرحيته الثانية عن الإنجليز وسماها «إمبراطورية في المزاد» سخر
فيها بأسلوبه المعروف من الدولة الإنجليزية وعراها تعرية فاضحة وأظهرها للعالمين
بصورتها المناسبة.
أعداء الفكر الإسلامي:
وبسبب مواقفه الوطنية وروحه الإسلامية تجاه كل
ما من شأنه أن يعطي ويدر شيئًا لصالح الوطن وانطلاقًا من مواقفه المعروفة إزاء
القضايا الوطنية ودفاعه العميق عن إسلامه وعقيدته وعن لغته العربية فإن المشاكسين
موجودون في كل مكان فترصدوا له وآذوه.. محاربةً.. لا نقدًا مفيدًا.. وإنما صبوا
أحقادهم صبًا في كل كلمة كانت تنزفها أقلامهم.. لكنه كان ساخرًا بهم شامتًا
لأفعالهم مزدريًا ما يقومون به من كل عمل مخجل مشين لمحاربته.
فليس مهمًا أن يتعرضوا له ما دام ينهج نهجًا
سليمًا.. ويعرف أنه بذلك يرضي ربه ويرضي ضميره.. فلم يبالِ بهم وإن ضيقوا عليه أول
الأمر.. وسكت عليهم.. حتى إذا ما اشتدت بجاحتهم وطفت كل خسيسة في نفوسهم وفاحت
روائح الدهاء والمكر والحنق عرف كيف يختار لهم أسلوب الرد المناسب.. فكتب مسرحية
«حبل الغسيل» ونشرهم عليه.. فجاءت رائعة من روائعه في دحض غرورهم ورد كيدهم إلى
صدورهم.. هؤلاء الذين كانوا يتلذذون بمحاربة كل شيء تعلن فيه كلمة التوحيد وتقتلهم
كل كلمة يرد فيها اسم الإسلام، وما دام الرجل ينطلق في كل مسرحياته من آية قرآنية
أو حديث شريف فإن ذلك أمره مضيع لما يحاولون إنشاءه من دمغ الفكر العربي بصورة
شائهة ممسوخة مما يحملون من أفكار نتنة.. ومحاولة إبعاد الفكر العربي عن منابع
الإسلام التي صنعت منه نموذجًا فريدًا يزهو على الدنيا بما أعطاه الإسلام من عمق
النظر وقوة التأمل.. وصبر الداعية ومجاهدة المشاق.
كما أنهم لم يقفوا هذا الموقف من الإسلام وحده
وإنما عمدوا إلى لغته العربية فحاولوا انتقاصها والتقليل من قيمتها في شتى أشكالهم
وأنماطهم وما ينتمون إليه من فكر دخيل مغرض.. هدفه الأول والأخير القضاء على
الإسلام وبث الصلة بين هذه الشعوب ولغاتها فإذا ضاعت لغتها العربية فقدت كل فهم
للإسلام لأنها لا يمكن أن تفهم الإسلام بغير لغته.. ويتحقق لها الهدف الذي تصبو
إليه.. لكنه - رحمه الله - كان واعيًا مدركًا فلم يترك لهم المجال مفتوحًا وإنما
سابقهم في الميدان وحقق نصرًا أفقدهم صوابهم فحجبوه عن المسرح في الفترة الأخيرة
وكانت مسرحيته «حبل الغسيل» نارًا حامية صبت عليهم شواظها صبًا، ونفذ إلى منافذ
السخرية فجعل منهم أضحوكة ما بعدها أضحوكة.
رواياته:
كتب باكثير 5 روايات تاريخية وقد التمس فيها
حوادث من التاريخ الإسلامي وصاغها صياغة فنية رائعة بأسلوبه الشائق السهل مع قوة
في التعبير ولمح الخصائص الفنية في الحركة ومدار الحوادث.
وقد وفق في اختيار الرواية التاريخية وإن كان
يؤخذ عليه بعض الأخطاء التاريخية في رواياته ومرد هذه الأخطاء في كثير من الأحيان
إلى تعدد الروايات مع اختلاف المصادر قوة توثيق وتضعيف مما يحمل الكاتب على التماس
الرواية المناسبة فيضل عند الناس ويتهمونه بالخطأ وجهده أنه اختار ما يمكنه أن
يكون صحيحًا ثم لا ينسى خيال المؤلف والأديب لا يلتزم الالتزام الحرفي بخط سير
التاريخ.. إذ إن متداخلات الأسلوب والتفنن في أداء الرواية وإضفاء الصور المناسبة
رسمًا.. كل ذلك يعطي المجال لأن يشط بعض الشيء.. مما لا يخل كثيرًا بالصورة
التاريخية أو الحدث التاريخي.. وإنما هي ضياع تقريبًا في سياق الرواية وتمطط
عباراتها.
وفي رواية «الثائر الأحمر» عرض للقرامطة وما
فعلوه في المجتمع الإسلامي وكان خير شاهد ومثال لما عليه الشيوعية اليوم من فساد
وإلحاد وانحلال وفجور.. وقد رسم ذلك المجتمع رسمًا يكاد القارئ يراه ماثلًا
أمامه.. لفظاعة ما كان هؤلاء القرامطة يأتونه من أعمال وقحة.
ملحمة عمر:
عندما حصل على إجازة التفرغ لمدة عامين فقد
كتب ملحمة عمر وهي تسجيل لسيرة الفاروق عمر بن الخطاب الخليفة العادل.. تناول فيها
كل أحداث عهده.. وما تم فيه من فتوحات وما بلغت به الدولة الإسلامية في عصره بفضل
الرجال الذين ربتهم عقيدة التوحيد وصنعت منهم منارات للناس وهداية للزمان إلى طريق
العزيز الحميد.. وبهذا العمل يكون علي أحمد باكثير قد توج أعماله بتاج العز.. ووضع
صورة مشرقة من أنصع صفحات التاريخ البشري.. باختياره هذه الصفحة الإسلامية من سيرة
الخليفة الذي شهدت له القرون على اختلاف امتدادها وبشرها بالحكمة والصواب وسداد
الرأي والإعلام العربي الذي يشكو من قلة المواد النافعة التي يمكن تقديمها للناس
من خلال أجهزته العديدة من إذاعة - وتلفزيون -... فهلا التفت إلى مثل هذه الأعمال
الجبارة؛ ليستغني عن الغناء الذي يذاع على الناس صباح مساء دونما فائدة وإنما هي
إنفاق للمال في غير وجهه ومن ثم إهدار للوقت وتضليل الفكر في كثير مما لا قيمة له.
إن مراجعة يسيرة لأعمال هذا الراحل الكبير
الكريم تغني الإعلام عندنا مثلًا عن كثير من التوافه التي تعرض. وبذلك تسد هذه
الأعمال نقصًا طالما اشتكت منه وطالبت بعرض النافع الذي زعمت أنه غير موجود!!
وبعد:
فهذا علي باكثير - رحمه الله - الذي عارضه بعض
النقاد حتى قال: إنه يمتاز في مسرحياته بضعف البناء وضعف في قوة الخيال، وعدم
العناية بأصول البناء المسرحي وعدم مشاكلة الحياة.. تشفيًا هذا الكلام لا نقدًا..
فما كتبه باكثير موجود بعضه وكان من أسباب الحرب عليه أن اختفت بعض كتبه ولم يعد
طبعها.. وقد لاقت النجاح الجماهيري الكبير عند عرضها فاق كثيرًا عرض المسرحيات
الأخرى التي عرضت لمؤلفين غيره.. والتسليم بكل ما يقوله النقاد خطل في الرأي فما
أكثر الذين انتقدوه وكان نقدهم تبعًا لأهوائهم أو معتقداتهم أو حتى مذاهبهم
السياسية!
والمادة مطروحة.. وما على الجاد من الدارسين
إلا أن يتثبت بنفسه مما قيل ويقال.. ولن نعطي الأهمية لحكم سريع مرتجل من ناقد
مغرض فزع من اسم الإسلام.. بل يوم تتحقق في الناقد النزاهة المطلوبة عند كل ناقد
أصيل يحترم عمله.. فإن في ذلك الأمل الذي يبرز صورة أدب باكثير على حقيقتها ويقدمه
للناس دراسة ونقدًا.. حتى يطلع عليه كل متشوق إلى مثل هذه الصورة المشرقة في أدبنا
العربي الإسلامي الحديث..