العنوان جولة نيلسون مانديلا العربية.. حدود التحرك ورد الفعل العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
مشاهدات 65
نشر في العدد 1274
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 04-نوفمبر-1997
في أول جولة عربية قام بها مؤخرًا منذ توليه الحكم في جنوب إفريقيا، وشملت مصر وليبيا وتونس والمغرب، استطاع نيلسون مانديلا، أن يثير العديد من التساؤلات والنقاشات حول دور جنوب إفريقيا الجديد في القارة السمراء، وحدود علاقاتها مع العرب وخاصة فيما يتعلق بالتحرك خارج الإطار الأمريكي- الإسرائيلي في المنطقة وما تحمله الفترة القادمة من أفكار وتحركات وتفاعلات تدشن الترتيبات جديدة في القارة الإفريقية.
الاهتمام بجولة مانديلا جاء من عدة اعتبارات ومعطيات وظروف لازمتها أو سبقتها وأثرت فيها وتأثرت بها بدرجة أو بأخرى، وأهم هذه الاعتبارات هو:
أولًا: أن الجولة العربية لمانديلا جاءت بعد اعتراض الولايات المتحدة بشدة على صفقتي أسلحة كانت بروتوريا تخطط لبيعها لسورية والجزائر وأدى الضغط الأمريكي إلى توقف المباحثات بشأنهما بعد تراجع جنوب إفريقيا، هذا إضافة إلى عدم الرضا الأمريكي عما أعلن من مفاوضات حول صفقات أسلحة لبعض دول الخليج.
صفقة سلاح مع سورية
وفي هذا الإطار أشارت المصادر إلى أن الرئيس المصري حسني مبارك حث مانديلا على إتمام صفقة السلاح مع سورية، بعد أن طالبه الرئيس الأسد خلال زيارته الأخيرة للقاهرة بالتدخل لدى جنوب إفريقيا في هذا الأمر.
كما أعطى الهجوم الأمريكي على زيارة مانديلا لليبيا، ورد الأخير العنيف واصفًا منتقديه بالعنجهية والوقاحة والعنصرية لمحاولتهم إملاء الأماكن التي تجب زيارتها عليه، أعطي للجولة بعدًا آخر أكثر أهمية وهو حساسية جنوب إفريقيا الاستقلالية قرارها الوطني، حتى لو كان ذلك تجاه الولايات المتحدة التي ترتبط معها بعلاقات وثيقة وتعتبر من الدول المتلقية لمعوناتها الاقتصادية.
ثانيًا: علاقات جنوب إفريقيا القديمة بإسرائيل وخاصة في المجال النووي، وبالتالي مدى تأثير مثل هذه الجولة على العلاقة معها، وهل هي تعبير عن تحول في السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا في منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن بريتوريا قد اتخذت عدة مواقف مؤيدة للعرب مؤخرًا، أهمها إرجاء مانديلا زيارته لإسرائيل وفلسطين التي كان مقررًا لها العام الماضي استجابة للنصائح العربية التي أوضحت أن ذلك سيكون من قبيل إرسال الإشارات الخطأ.
كما هاجم وزير خارجية جنوب إفريقيا «الفريد نزو» في كلمته أمام اجتماعات الدورة الثانية والخمسين للجمعية العامة بنيويورك مؤخرًا، إسرائيل وإجراءاتها الاستيطانية مؤكدًا أن سلام الشرق الأوسط يحتاج إلى انسحاب إسرائيلي غير مشروط من كل الأراضي الفلسطينية والعربية التي تم احتلالها عام ١٩٦٧م، هذا إضافة إلى تأكيد وزير الدفاع على أن علاقات بلاده مع إسرائيل لن تكون على حساب العرب، وأن بلاده لا تتقبل ضغوطًا من أي جهة فيما يخص صادراتها من الأسلحة مشيرًا إلى أنه إذا تقدمت سورية بطلب رسمي لشراء أسلحة من جوهانسبرج فلن تتردد في توقيع عقود معها.
مواقف جنوب إفريقيا هذه دفعت السفير الإسرائيلي في بريتوريا للقول: «إن جنوب إفريقيا لا تفهم شيئًا عن حقيقة الموقف في الشرق الأوسط وعليها ألا تتدخل».
ثالثًا: تأتي الجولة بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي للقاهرة، ومباحثاته مع الرئيس مبارك، والتي وعد فيها تجميد علاقات التعاون والتطبيع التي بدأتها بلاده مع إسرائيل خلال العامين الماضيين.
وقد ربط البعض بين الزيارتين، وبين احتمال تشكيل محور جديد مصري -هندي- جنوب إفريقي لإحياء صيغة عصرية لحركة عدم الانحياز بوضع جنوب إفريقيا مكان يوغوسلافيا السابقة، يدفع إليه التغير الذي أصاب نظام القطبية الثنائية الذي دفع إلى إنشاء الحركة في باندونج عام ١٩٩٥م، من ثنائية شرق- غرب، إلى ثنائية شمال- جنوب إن الدول الثلاث مصر الهند، جنوب إفريقيا قد أصبحت قوى إقليمية واقتصادية مؤثرة وحققت في ذلك نجاحًا كبيرًا، وتسعى إلى لعب أدوار ما في إطار النظام العالمي الجديد، وأطروحات العولمة وما شابهها.
كما أنها من الدول الطامحة للحصول على مقاعد دائمة في مجلس الأمن في إطار ما يطرح من أفكار واقتراحات لإصلاحه، وتسعى مصر إلى التنسيق مع جنوب إفريقيا بشأن المقعد الإفريقي وضمان عدم التنافس حوله، حيث اقترحت أن يتم تداول المقعد بالتناوب بين دول القارة بشكل مستمر.
قوة اقتصادية وسياسية
جنوب إفريقيا قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية، يجب على العرب توثيق علاقاتهم بها واستغلال توجهاتها الجديدة في هذا الشأن خاصة في ظل عدد من العوامل أهمها:
أ- ما تعاني منه شركات السلاح الجنوب إفريقية من مشاكل مالية تدفعها إلى محاولة التصدير بصرف النظر عن أي اعتبارات سياسية وقد جاءت محاولتها للتصدير إلى الدول العربية وحتى لو لم تستطع جنوب إفريقيا إتمام صفقات عسكرية مع بعض الدول العربية بسبب الرفض الأمريكي، فإن تواجدها على الساحة سوف يحسن من الموقف التفاوضي لبعض الدول العربية مع شركات السلاح العالمية، وهذا ما اتضح من رفض الولايات المتحدة الموافقة على صفقة لطائرة الأباتشي «١٦ طائرة» للكويت لعدة سنوات، ثم اضطرارها للموافقة عليها عندما حاولت الكويت الاستعاضة عن الأباتشي بطائرات هيلوكوبتر هجومية من جنوب إفريقيا، ونفس الشيء بالنسبة للإمارات التي طلبت من الولايات المتحدة نظام صاروخي جو- جو متوسط المدى، وظلت الأخيرة ترفض حتى ظهرت جنوب إفريقيا في الصورة فاضطرت إلى الموافقة.
ب- سعي جنوب إفريقيا إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية مع الدول العربية وخاصة تلك المصدرة للنفط إليها، حيث تقوم شركة سكسول، كبرى شركات جنوب إفريقيا بالتفاوض مع قطر من أجل القيام ببعض المشروعات في مجال الغاز الطبيعي، وتسعى الشركة إلى إقامة بعض المشروعات في مصر والجزائر، كما أن شركة جينكور للتعدين موجودة في السودان، وتسعى جنوب إفريقيا إلى جذب المزيد من الاستثمارات العربية إليها أي أنه هناك مصالح اقتصادية الجنوب إفريقيا مع العالم العربي.
ج- الجالية الإسلامية الكبيرة في جنوب إفريقيا، ودورها في مساندة مانديلا في كفاحه ضد التمييز العنصري، وإشادة الأخير بها وبدورها في دعمه، هذه الجالية يمكن أن تكون المعبر الثقافي بين العرب وجنوب إفريقيا، وفي الوقت الذي تعد فيه العوامل الثلاثة السابقة مهمة عند الحديث عن علاقات للعرب مع جنوب إفريقيا، فإنه يجب التأكيد على أن هناك حدودًا للتحرك الجنوب إفريقي تجاه العرب وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وهنا تجدر الإشارة إلى:
1- أن التحرك الجنوب إفريقي بعيدًا عن الفلك الأمريكي سيكون محكومًا بتلويح الولايات المتحدة بورقة المعونات الاقتصادية التي تصل إلى أكثر من ۱۰۰ مليون دولار، إضافة إلى حاجة جنوب إفريقيا إلى الاستثمارات الأمريكية.
وهذا ما أكد عليه أحد مسؤولي الخارجية في جنوب إفريقيا حينما قال: لا يتعين مقارنتنا بدولة مثل بريطانيا أو فرنسا، فنحن دولة تتلقى المعونات كما أننا نعتمد على النوايا الحسنة أو الرضا من جانب الولايات المتحدة ومن قطاعها الخاص من أجل تحقيق أهداف التنمية، وأضاف أن القطاع الخاص الأمريكي قد بدأ بالفعل يرسل مؤشرات لنا يعبر فيها عن قلقه من تزويد دول مدرجة على قائمة الإرهاب بالأسلحة.
لوبي داخلي
2- هناك ما يمكن أن يطلق عليه «لوبي» داخلي في جنوب إفريقيا يضغط في اتجاه تحجيم العلاقات مع العرب بحجة أن من شأن توثيق التعاون معهم أن يؤدي إلى الإخلال بالتوازن في الشرق الأوسط، وقد تعرض وزير شؤون المياه والغابات ورئيس لجنة مراقبة مبيعات الأسلحة التقليدية الجنوب إفريقية، قادر أسمال إلى هجوم عاصف بسبب إعطائه ترخيصًا لشركة دانيل للأسلحة للترويج لبيع السلاح السورية.
جولة نيلسون مانديلا وتصريحاته الناقدة للولايات المتحدة، وإصراره على زيارة ليبيا رغم اعتراضها الأمريكي يأتي من قبيل رد الجميل لبعض الدول التي ساندته، خاصة أنه لا ينوي الاستمرار في الحكم حتى إكمال مدته الدستورية، هذا إضافة إلى أن تصريحاته قد جاءت ردًا على استفزازات أمريكية بالأساس، ومن هنا فإنه يجب وضعها في إطارها الصحيح وعدم إعطائها أكثر من حجمها.
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية