; جيل المأساة في لبنان | مجلة المجتمع

العنوان جيل المأساة في لبنان

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1987

مشاهدات 63

نشر في العدد 826

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-يوليو-1987

الأطفال الذين عاشوا وما زالوا يعيشون مأساة الحرب في لبنان من فلسطينيين ولبنانيين- هل يدرك العرب والمسلمون حجم مأساتهم على حقيقتها؟ وهل نهض العرب والمسلمون بمسؤولياتهم لإنهاء هذه المأساة التي مر عليها أكثر من عشر سنوات؟ أم إننا -معشر العرب والمسلمين- أصبحنا لا حول لنا ولا قوة في مواجهة المآسي الجسام التي تواجهنا مستسلمين لنتائجها الرهيبة، بل صانعين لها بشكل أو بآخر، سواء كانت هذه الصناعة داخلة ضمن إرادتنا، أو خارجة عن نطاق هذه الإرادة؟
لا شك أن المأساة اللبنانية التي هي جزء من مأساة العرب والمسلمين في القرن العشرين هي امتداد لمأساتنا في فلسطين التي مر عليها حتى الآن أربعون عامًا أو يزيد، ولا يبدو في الأفق حل مشرف لها يعيد حقوق العرب والمسلمين في فلسطين، وينهي الاحتلال الصهيوني لها؛ وذلك بسبب حالة العجز التي نعاني منها والفرقة التي تضرب أطنابها، والضياع الذي نعيشه، وترك مصيرنا لغيرنا يتحكم فيه، وانتظار الحل تأتي به الدول الكبرى ذات المصلحة في بقاء هذه المأساة وتفاقمها.
عقيدة ومنهج:
 لقد وضع لنا رب العزة عقيدة نلتزم بها، ومنهجًا نسير عليه لو التزمنا بهذه العقيدة، وسرنا على هذا المنهج؛ لأعزنا الله ونصرنا، ولو فرطنا في هذه العقيدة، وتنكبنا عن هذا المنهج؛ لأصبحت حياتنا ضنكًا، ولتكالبت علينا الأمم، كما تتكالب الأكلة على قصعتها وهذا هو حالنا اليوم.
 وإذا كنا جميعًا نعيش في مأساة، والأطفال من فلسطينيين ولبنانيين يرضعون لبن المأساة ليل نهار خوفًا، وجوعًا، ومرضًا، وتشردًا، وحرمانًا من حنان الأمومة ورعاية الأبوة، فقدوا البيت الآمن، والوطن المستقر وحتى لقمة العيش فقدوها، وشربة الماء، وربما فقدوا سيقانهم، أو أيديهم، أو عيونهم، أو عقولهم.
هدمت العمارات الشاهقة في المدن، والبيوت الهشة في القرى، والمخيمات على ساكنيها، وماتت عائلات بأكملها وربما بقي منها طفل أو طفلة تتردد أنفاسه في جوار حجر ضخم أو أسفل سقف مائل.
وتاهت بعض الأمهات عن أطفالها وسط جحيم القنابل «يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى» وكأنها القيامة قد قامت.
أطفال للبيع:
وأعلن بعض الآباء عن استعداده لبيع أبنائه لعدم قدرته على الإنفاق عليهم، وتلقفت بعض الكنائس أطفال المسلمين تربيهم على غير دين الإسلام الذي وضعه الله لعباده، وحوصرت المخيمات حتى منع عنها الزاد والدواء، فبحثوا عن القطط والكلاب والبغال والحمير ليأكلوها، وعندما شحت استفتوا المسلمين في أكل لحم الأموات والأطراف المبتورة، فأي مأساة هذه التي يعيشها الأطفال في لبنان من فلسطينيين ولبنانيين على السواء؟

لقد أعلن مدير دار لرعاية الأطفال الرضع من اللقطاء واليتامى بأن عدد هؤلاء في تزايد مستمر خلال السنوات الثلاث الماضية، مما يدل على سوء الأوضاع الأسرية والأخلاقية والاقتصادية.
 وقال: يوجد حاليًا أكثر من ثلاثة آلاف يتيم في حالة الخطر الذي يهدد نموهم إذا لم تتوفر لهم الرعاية اللازمة في المياتم، كما أن المكفوفين والمعاقين يجابهون عزوفًا واسعًا لدى أسرهم عن تحمل حتى نفقات عيشهم، وهذا هو حال المسنين؛ إذ تبين وجود (6٪) من المسنين يعيشون فرادى بعيدًا عن عناية الأسرة أو الجهات القادرة على مساعدتهم.
 وتبدو المشكلات الاجتماعية المتفاقمة بعيدة عن اهتمام الدولة التي ترفع يدها بسبب مبرر انشغالها بالأمن والسياسة وخلو الخزينة، لذلك انحسرت المساعدات المقدمة من الحكومة للمآتم ودور الرعاية من (62%) في بداية ۱۹۸۰، إلى أقل من (8%) عام ۱۹۸۷، وهذا يعني أن على هذه المؤسسات أن تقبل أيتامًا ومعاقين جددًا، وأن تؤمن موارد كافية، وأن تبذل جهودًا أفضل في هذين المجالين.
 ويضيف: تقوم بعض الدول العربية الشقيقة بتقديم العون، كما توجد منظمات دولية وأجنبية مهتمة بمساعدات الفئات غير القادرة، إلا أنه وفق موازنات العام الماضي ١٩٨٦ تبين أن هذه المساعدات لم تتعد (٢٠٪) من الموارد اللازمة لتوفير النفقات اللازمة للأيتام والمعاقين؛ لذلك اتجهت جهود القيمين على مؤسسات الرعاية في لبنان للأفراد اللبنانيين في الداخل والخارج ولبعض المواطنين العرب؛ بغرض حثهم على تكفل بعض هؤلاء اليتامى والمحتاجين، ونظرًا لمعرفة المواطن اللبناني في الداخل والخارج بطبيعة الاحتياجات ودور المؤسسات الاجتماعية في التخفيف من آثار المحنة؛ لذلك اعتمد المعنيون بالمشكلات الإنسانية على ما يوفره اللبنانيون القادرون في الداخل والخارج من أجل استمرار الخدمات الرعائية التي يحتاجها المجتمع اللبناني، خصوصًا للأطفال الصغار الذين تتخلى أسرهم الأصلية عن رعايتهم وحضانتهم.
تقول السيدة مريم الأطرش مسؤولة «بيت أطفال الصمود» الذي تأسس بعد مأساة تل الزعتر عام ١٩٧٦: «وجدنا أطفالًا رضعًا كانوا بالمهد، وأهاليهم جميعًا موتى من حولهم، كان هناك أطفال آخرون هربوا من الخوف، وكانوا لشدة خوفهم يكادون لا يستطيعون نطق أسمائهم أو أسماء عائلاتهم.
تقرير بالأرقام:
 وتقول دراسة أجراها فريق من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت بين عامي ١٩٨٤ – ١٩٨٥ عن أوضاع الأطفال في لبنان زمن الحرب: «إنه في عام ۱۹۸۳ تعاظم نسبة العائلات المهجرة قسرًا من مساكنها (54 بالمائة)، والنسبة المماثلة للعائلات التي فقدت مورد دخلها (٥١ بالمائة)؛ مما استتبع تفاقم حاجة السكان إلى المأوى والطعام والعون المادي، وإذا ما أضيف إلى ذلك تردي أوضاع البيئة والخدمات العامة؛ اتضح انعكاس ذلك سلبًا على صحة الأطفال، حيث عانى (٢٠) بالمائة منهم من الأمراض والوعكات، واشتكى طفل واحد من كل سبعة من الاضطرابات النفسية، وأفادت بالتالي الدراسات الميدانية لعام ١٩٨٥ عن تفاقم ظاهرة الأعراض العضوية ذات المنشأ النفسي (٥٨ بالمائة) لدى الأطفال من تبول وتبرز لا إرادي، وفقدان للشهية والأرق وغيره، وكان لأطفال المدارس وأطفال الضاحية الجنوبية (لاحظ عدم ذكر المخيمات الفلسطينية في هذه المنطقة) النصيب الأوفر من هذه الأعراض، وسجلت مقاييس القلق مقادير أعلى نسبيًا لدى الفتيات الأكبر سن وأطفال الملاجئ الأكبر سنًا، كما تعاظمت ظاهرة الاكتئاب لدى أطفال الملاجئ والمدارس المجانية بالمقارنة مع أطفال المدارس وشبه الخاصة، وسجلت الاضطرابات المسلكية ازديادًا لدى الأطفال الذكور في الملاجئ، وتبين من نتائج المعلومات المخبرية كثرة أطفال الملاجئ الذين يعانون من الطفيليات (۲۳ بالمائة) لدى مقارنتهم بأطفال المدارس (١٤ بالمائة) وكثرة تواجد الطفيليات لدى الأطفال في الضاحية الجنوبية (٣٦ بالمائة) لدى مقارنتهم بأطفال بيروت الغربية (٣٥ بالمائة) وبيروت الشرقية (١٤ بالمائة)، أما بالنسبة لفحوص الدم فلم يقع ضمن نطاق التعداد الطبيعي للهماتوكريت سوى (58 بالمائة) من الأطفال. ولوحظ أيضًا انخفاض نسبة الهماتوكريت لدى أطفال الملاجئ لدى مقارنتهم بأطفال المدارس، وأكدت نتائج الكشف الطبي لعينة أطفال المدارس والمآتم بأن أطفال الملاجئ هم أقصر قامة من الأطفال الذين يماثلونهم، أما نسبة الأطفال الملقحين ضد الأمراض فقد كانت منخفضة؛ إذ إن (٥٠٪) من الأطفال فقط كانوا قد حصنوا بلقاح الشلل واللقاح الثلاثي، وجدير بالذكر هنا أن (40%) فقط من المؤسسات المعنية بالأطفال تلقح ضد الأمراض.
فماذا عن المخيمات الفلسطينية وأطفالها بعد توقف إطلاق النار؟ يقول أمين سر اللجنة الشعبية بمخيم شاتيلا واسمه «أبو مجاهد» أن ما بناه الفلسطينيون خلال (٣٩) سنة تم تدميره، لقد فقد المخيم (۱۱۰) شهداء و(٥٥٠) جريحًا، وهنالك ثلاثة أجيال من أبناء المخيم فقدت تعليمها، كما تفشت الأمراض الاجتماعية وتفككت الأسرة، ويضيف الأخ «أبو مجاهد» قائلًا: ثمة من بدأ يشك في إمكانية الاستمرار في البقاء، وهناك خطر حقيقي باندثار المخيم، هناك من يموتون تحت الركام المتساقط من بقايا الأبنية الآيلة للسقوط بعد أن دمرت (85%) من المنازل، وهناك (١٠٪) من المنازل دمرت طبقاتها العليا.
والمرض الآن هو الذي يتهدد شاتيلا، فالمستشفى الوحيد يستقبل حوالي (۲۰۰) حالة مرضية يوميًا من أصل (٣٥٠٠) نسمة داخل المخيم، وهذا يعني أن المخيم تجتاحه الأمراض من شتى الأنواع.
هجرة إلى الدانمارك:
وفى الأسبوع الأول من توقف القتال غادر المخيم ما مجموعه (١١٥) عائلة، وبقي (١١٥) رب أسرة، وهؤلاء الذين خرجوا وجدوا وضعهم أكثر صعوبة خارج المخيم، وقد وصل عدد العائلات داخل المخيم (٢٠٠) أسرة من أصل (٥٠٠) أسرة.
والأمر الملفت للنظر هو تسهيل الحصول على وثيقة السفر الفلسطينية اللبنانية بعد أن كان الحصول عليها مستحيلًا، ويصبح الأمر مفهومًا حين نعرف الهدف السياسي لدى بعض الأطراف التي تريد إنهاء المخيمات وتغيير الوجود الديمغرافي للفلسطينيين في لبنان، يستطيع الفلسطيني الآن في لبنان الحصول على وثيقة السفر خلال (١٥) يومًا وأبواب «الدانمارك» مفتوحة بلا قيود للخروج من مخيم هو مكب للنفايات، والمجاري المائية مفتوحة في وسط المنازل والطرقات؛ مما أدى إلى تفشي الأمراض، ومنها: التيفوئيد، والتيار الكهربائي مقطوع مما يؤدي إلى فساد الأطعمة وتسمم الناس. أليس في كل ذلك مدعاة للهجرة وخاصة إلى «الدانمارك»؟
أما عن طرابلس المسلمة فلم يسلم أطفالها ولا نساؤها ولا شيوخها من الإجهاز عليهم بعد تعذيبهم، وسمل عيونهم، وقطع أطرافهم، وبقر بطونهم، وقتلهم بالفؤوس والحراب والخناجر والخنق، وقد جاء في إحصاء لعدد الضحايا في طرابلس يوم اقتحامها (٨٥) جثة لطفل، وأكثر من (٩٠) جثة لامرأة هذا غير الشباب والشيوخ.
الصورة مأساوية والنتائج المتوقعة رهيبة، ولكن هل يعني ذلك أن هذه الأمة في سبيلها إلى الاندثار؟ وأن الذين خططوا للفتك بهذه الأمة دون مراعاة حتى لبراءة الطفولة سيصلون إلى أهدافهم؟

الصورة الأخرى:
 إن الصورة الأخرى لأطفال لبنان وفلسطين تقول: إن هؤلاء الأطفال هم «الجنرالات الجدد» كما وصفهم الأخ ياسر عرفات أكثر من مرة، إنهم أطفال الحجارة الذين يتصدون لقوات الاحتلال وللمستوطنين الصهاينة «بالحجارة المقدسة» حول القدس الشريف، إنهم الفتيان من حملة ال (آر بي جي) الذين تصدوا للدبابات الإسرائيلية، وهي تجتاح لبنان وللدبابات (العربية) وهي تحاصر المخيمات، وتحاول اقتحامها.
حذار أيها الوالغون في دماء الأطفال من أن يكبر الأطفال في مستنقع من الدماء، لقد كبر الأطفال وقرروا المواجهة مواجهة المؤامرة متشعبة الأطراف، وقتل الخوف من العدو أيًا كان هذا العدو، وهم ببراءتهم وفطرتهم يعرفون العدو الأصيل، العدو الصهيوني فليكف العدو الوكيل، وليرتفع بمستواه إلى مستوى هؤلاء الأطفال جنرالات التصدي للتراجع العربي أمام الزحف الصهيوني.

الرابط المختصر :