العنوان جيل النار والدم والموت في المخيمات
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987
مشاهدات 65
نشر في العدد 810
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 24-مارس-1987
•
يخطئ من يظن أن الشعب الفلسطيني يمكن أن يندثر أو أن قضيته يمكن أن
تصفى لصالح الكيان اليهودي.
إن من يتصور أن الشعب الفلسطيني يمكن أن يهزم فهو واهم، ذلك أن قوة الشعب من
قوة قضيته، وقوة القضية الفلسطينية تنبع من عدالتها وقدسيتها واستقرارها في وجدان الأمة
الإسلامية.
والزمن حين يطول، دون الوصول إلى حل لمشكلة من المشاكل، تواجه فردًا أو مجموعة
من الأفراد، ربما يولد يأسًا لدى هذا الفرد أو هؤلاء الأفراد، ولكن الزمن حين يطول،
لا يؤثر بالقطع، على شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، تتوالد وتتكاثر أضعاف ما يسقط
منها شهيدًا في ساحة القتال أو يموت موتًا عاديًا. وحين ترتبط القضية الفلسطينية بالقدس
والقداسة، وهو ما يشهد به الواقع والتاريخ، فإن هذا الارتباط يحمل في طياته زخمًا جهاديًا
هائلًا مبعثه العقيدة الإسلامية التي تمنح صاحبها الوضوح في الرؤية، والصلابة في الإرادة،
والإقدام في مضمار الجهاد دون تردد، ولا مبالاة بالعواقب ما دامت هي إحدى الحسنيين،
النصر أو الشهادة.
ومع أن وسائل الأعلام الغربية تدرك هذه الحقائق، إلا أنها تحاول جاهدة إخفاءها،
وتتناول القضية الفلسطينية بصورة مسطحة ومشوهة ومضللة في كثير من الأحيان، وحين تشير
إلى الحقيقة، أو إلى جانب من الحقيقة في بعض الأحيان فإنها تصور الإسلام والمسلمين
خطرًا داهمًا ليس فقط على مصالح الغرب ونفوذه في المنطقة، بل على الكيان المسخ الذي
غرسوه في ديارنا المقدسة وأسموه إسرائيل على اعتبار أن هذه الـ«إسرائيل» «وجدت لتبقى»
ضمن منطقة أطلقوا عليها اسم «منطقة الشرق الأوسط» بديلًا عن «الوطن العربي» الذي مزقوه،
والعالم الإسلامي الذي أذلوه.
ولكن ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
(الأنفال: ٣٠) فقد نطقوا بالحق من حيث أرادوا به الباطل، وكشفوا الغمة عن عيون الأمة
المسلمة التي لا ترى في الغرب إلا عدوًا حاقدًا لا تكون له مصلحة إلا حيث يصيبنا أذى،
ولا يكون عليه خطر إلا حيث يأتينا فرج..
فاتجه المسلمون إلى دينهم كمنقذ من الضلال، وإلى جهادهم كأسلوب وحيد لرد الاعتبار..
وهكذا يمسك الفلسطينيون في الأرض المحتلة بالحجارة يقذفون بها وجوه العدو اللدود اليهود،
بعد أن عز السلاح الفتاك بعد سلاح العقيدة.
وهكذا يمسك الفلسطينيون في مخيمات لبنان بالسلاح العصري يقذفون به وجوه المهاجمين
الأشرار من عصابات «أمل» رغم شح الزاد، وانتشار الأمراض وتهدم البيوت الهشة التي تحولت
إلى ثكنات عسكرية مستعصية على الخضوع والاستسلام مادام في خرائبها شعب مجاهد يعرف حقيقة
المسرحية وماهية الممثلين وطبيعة الأدوار.
يخطئ من يظن أن الشعب الفلسطيني يمكن أن يندثر من دون الشعوب، والخطأ يكون قادحًا
حين يتصور البعض أن اندثار الشعب الفلسطيني لو تم- لا سمح الله- سيعقبه اندثار القضية
الفلسطينية، واستقرار هذا الكيان السرطان المسمى «إسرائيل» في هذه المنطقة واعتباره
جزءًا منها.
وإذا كانت العقيدة لا تكون بلا إنسان، فإن الإنسان لا يكون إنسانًا بلا عقيدة.
والعقائد حين تكون من صنع البشر تتغير وتتبدل ويجري عليها الفساد إن لم تكن فاسدة أصلًا،
أما حين تكون العقيدة رسالة السماء إلى الأرض، وخاتمة الرسالات التي تعهد الله بصونها
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)
وتعهد الله بنصر من استمسك بها ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١). فإننا نقطع
استنادًا على ذلك أن الشعب الفلسطيني شعب منتصر وإن طال الزمن، والنصر هنا مرتبط بمدى
تمسك هذا الشعب بدينه وعقيدته وبمدى عودة المسلمين بعامة إلى دينهم وعقيدتهم باعتبار
القضية الفلسطينية قضية إسلامية.
ونحن الآن نعيش عصر الصحوة الإسلامية وخاصة في صفوف الشباب، والشباب المتعلم
والمثقف خاصة، وكثير من «الشباب» جاءتهم الصحوة متأخرة أو على فراش الموت بعد أن صالوا
وجالوا وبشروا بعقائد موضوعية ظنوها لوقت من الأوقات أنها الحق وأنها يمكن أن تقف في
مواجهة الإسلام أو بديلًا عنه، وهناك من لا يزال سادرًا في غيه إلى أن يتولاه الله
بأمره.
نقول ذلك لنصل إلى حقيقة مؤكدة بعون الله، وهي أن الكيان الصهيوني مهزوم وإن
طال الزمن، وأن إرهاصات هذه الهزيمة بدأت تلوح في الأفق رغم الدخان الكثيف المصطنع
الذي يحاول به البعض إخفاء الحقيقة.
وشواهدنا على ذلك أن التيار الإسلامي في أرضنا المحتلة سواء كانت في فلسطين أو
في لبنان هو التيار السائد الآن، وأن القوى الوطنية التي لا تناصب الدين العداء أصبحت
أقرب إلى التيار الإسلامي منها إلى القوى المعادية للإسلام، ولولا هذا الحس الديني
المتنامي في أرضنا المحتلة وفي مخيمات الفلسطينيين في لبنان لأمكن تدجين الشعب الفلسطيني
ومعه الشعب اللبناني وتمرير الحلول الاستسلامية التي تصاغ في تل أبيب والبيت الأبيض
وفي أماكن أخرى.
ذلك أن هذه الأمة لا تهزم وقلبها عامر بالإيمان، ولكنها تهزم حين تعشش في النفوس
عقائد فاسدة يظن حاملوها أنها الحق وهي عين الباطل، فيوالي أعداء الله وهو يتصور أنهم
ناصروه، ويعادي أهله وعشيرته وإخوانه في الدين لعرض زائل أو مكسب آني أو رصيد مرصود
ثم يقاتلهم ويقتلهم وهو في الحقيقة المقتول. ولكن النفس المريضة أو النفس الأمارة بالسوء
حين لا تجد لها من الإيمان وازعًا ورادعًا تطغى وتخرب وهي تظن أنها تحسن صنعًا ﴿إِذَا
قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا
إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (البقرة: 11-12).
نحن نفهم طبيعة الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وإنه استعمار استيطاني عنصري إجلائي
ثقافي وحضاري، ونفهم مغزى الإرهاب الصهيوني والتعسف الصهيوني والاضطهاد الصهيوني للأهل
في الأرض المحتلة محاولة منهم لتفريغ الأرض من سكانها العرب المسلمين لتكون خالصة لليهود،
فاليهود يعتقدون أن تصفية الشعب الفلسطيني يعني تصفية القضية الفلسطينية، وتصفية الشعب
الفلسطيني تكون بقتله أو إجلائه أو إخضاعه؛ ولذلك فهم يبذلون كل جهدهم ويستخدمون كل
حيلهم ومكرهم ودهائهم، ويستعينون بكل أعداء العرب والمسلمين للوصول إلى أهدافهم الشريرة..
ومع ذلك فإنهم حتى الآن لم يحققوا النصر الحاسم، فمازال كثير من الفلسطينيين في ديارهم،
ومازالوا يقاومون، والأهم من ذلك أن العقيدة الإسلامية تعود إلى النفوس بقوة واضطراد
وهذا هو خط الدفاع الأول عن القضية الفلسطينية.
وأما خط الدفاع الثاني فهو الصمود المذهل للفلسطينيين في لبنان رغم المأساة المتشعبة
الأطراف التي تعصف بهم، والتي ازدادت ضراوة منذ الغزو الصهيوني للبنان عام ۱۹۸۲ وما تبع ذلك من مذابح صنعها اليهود بأيديهم
الملطخة بالدماء؛ لينتزعوا من الفلسطيني روح المقاومة ويجبروه على الاستسلام، وحين
عجز الصهاينة عن إنجاز المهمة التي تصوروها سهلة فإذا هي أصعب مما تصوروا.. أطاشت العقل
من بيغن السفاح المحترف، وأحبطت مشروع شارون في الوطن البديل فأوكلوا الأمر إلى أتباعهم
لإكمال المهمة الصعبة، ولكن عصابات نبيه بري تساقطت على أبواب المخيمات الفلسطينية
التي أعادت الرشد إلى كثير من اتباع بري فانتفضوا عليه، وأعلنوا بصريح العبارة أنهم
ضد حرب المخيمات وضد تجريد الفلسطينيين من سلاحهم.
وأصبح الذين يقاتلون مع بري يقفون في وجه تصرفاته الإجرامية، وخرج وليد جنبلاط
يعلن أنه ضد قتل الفلسطينيين ونزع سلاحهم وتهجيرهم، وكذلك أعلن مصطفى سعد والشيخ فضل
الله، وهكذا وقفت معظم القوى اللبنانية مع الفلسطينيين قولًا أو فعلًا، وضاق الخناق
على المؤامرة وانتزع الفلسطينيون عطف الرأي العام ولو جزئيًا، وأصبحوا رغم مأساتهم
الناتجة عن الحصار والقصف أقوى مما كانوا، وما ذلك أساسًا إلا تمكن العقيدة من نفوسهم
ونفوس الكثيرين من أبناء لبنان المسلمين، وكان لابد من إعادة النظر في وضع هذه المأساة،
مأساة المخيمات الفلسطينية في لبنان فهي جزء لا يتجزأ من قضية أشمل وأعمق وأعقد وهي
القضية الفلسطينية.
وإذا كان أبناء فلسطين في الأرض المحتلة قد أدركوا أن قضيتهم هي قضية الإسلام
في القرن العشرين، وكذلك الأمر بالنسبة لأبناء المخيمات في لبنان مما مكن لهم في الأرض
وأمدهم بقوة إلهية، فإن على المسلمين جميعًا أن يقفوا في وجه العدوان على الفلسطينيين
لأنهم بذلك يوقفون العدوان على الإسلام والمسلمين.
وختامًا نقول: إن أبناء فلسطين الذين ولدوا في أحضان المأساة وشبوا على أنغام
الرصاص وقصف الصواريخ، واكتحلت عيونهم بمنظر البيوت المتهدمة والأجساد المقطعة والدماء
السائلة والحرائق المشتعلة، لا يمكن أن يستسلموا وفي قلوبهم بقية من إيمان، ولا ينبغي
للمسلمين أن يتركوهم يواجهون العدوان المؤامرة وحدهم وإلا فجميعنا آثمون، ولننتظر الطوفان!