العنوان جيوش المرتزقة شركات خاصة تحل محل الجيوش النظامية!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 181
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 20
السبت 31-مايو-2003
بدأوا خدماتهم بالحروب.. والآن يعملون في إعادة الإعمار!
الأمين العام الحالي للأمم المتحدة فكر في اللجوء لشركات المرتزقة لحفظ السلام بالقوة في بعض الدول!
جرائم بشعة ارتكبها المرتزقة الأوروبيون في كوسوفا.. حرقوا المسلمين أحياء
خلّف الاستعمار الغربي وراءه ظاهرة بغيضة تسمى «المرتزقة» أو(mercenaries) وهم عبارة عن مجموعات من العسكريين الأجانب المتقاعدين ممن يبيعون خدماتهم العسكرية لحكومات عميلة أو رؤساء دول قفزوا على السُلطة بغير رغبة من شعوبهم، حتى أصبح من الطبيعي أن نشاهد حاكمًا من دول العالم الثالث يحرسه مرتزقة أجانب أوروبيون، أو حكومة دكتاتورية تستأجر عملاء أجانب لحمايتها بقوة السلاح من شعبها!.
وساعد على انتشار خدمات هؤلاء المرتزقة في الربع الأخير من القرن الماضي، الصراع بين القوى الدولية على ثروات العالم الإسلامي وإفريقيا، وغياب وعجز الأمم المتحدة عن القيام بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين.
وقد تطورت هذه المهنة البغيضة حتى أصبحت هناك شركات عسكرية قطاع خاص للمرتزقة الأجانب منتشرة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والكيان الصهيوني وجنوب إفريقيا، وتقدم خدماتها لمن يطلب نظير المال مثل قلب نظام حكم ما «تكرر هذا السيناريو كثيرًا في إفريقيا».. أو حماية رئيس دولة لا يثق في حُراس بلاده الوطنيين.. أو القيام بحرب صغيرة من الباطن مع دولة مجاورة، وربما حماية أماكن معينة من البلاد.
وقد اشتهرت مجموعات من هؤلاء المرتزقة الأمريكيين والأوربيين كانت تتولى القيام بهذه الأعمال القذرة مقابل المال مثل: جماعة «مايك المجنون» التي يقودها شخص يسمى «هوار» الذي لعب دورًا في قلب عدة حكومات إفريقية منها جزر سيشيل عام ١٩٨١م وجماعة «السترات السوداء» بقيادة الفرنسي بوب دينار الذي شارك عدة مرات في قلب نظام الحكم في جمهورية جُزر القمر الإسلامية لصالح من يدفع له، ومجموعة «تيم سبايسر» التي لعبت دورًا في المحاولة الإنقلابية الفاشلة في بابوا «غينيا الجديدة»، وغيرها الكثير.
أما عن شركات المرتزقة فحدِث ولا حرج فأعدادها بالمئات وتنتشر خصوصًا في أمريكا «35 شركة» وفرنسا وجنوب إفريقيا والكيان الصهيوني ويقودها جنرالات عسكريون سابقون كونوا ثروات بالملايين من وراء عملياتهم المشبوهة ونشر الفساد في العالم.
الطريف.. أن شركات المرتزقة هذه أصبحت تعاني البطالة والكساد مع هدوء الصراعات في العديد من الدول الإفريقية ودول العالم، أو التحكم فيها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وترك الساحة للأمريكيين، وعزوف الكثيرين عن خدمات هؤلاء المرتزقة في عالم الألفية الثالثة، فبدأوا في «تطوير نشاطهم إلى العمل السلمي لا الحربي، عارضين خدماتهم في نزع الألغام، وإعادة الإعمار في الدول التي سبق أن خربوها، أو التي خربها المرتزقة الجدد النظاميون مثل الجيش الأمريكي أو البريطاني في افغانستان والعراق والبوسنة، وهناك شركات أخرى تقدمت بعروض لأجهزة المخابرات الأمريكية لاقتفاء أثر بن لادن والحصول على المكافأة التي رصدتها أمريكا للقبض عليه!!.
فما قصة هؤلاء المرتزقة؟ وكيف تحول نشاطهم من مجرد مجموعات صغيرة تقوم بعمليات صغيرة خاطفة يطلق عليها اسم «كلاب الحرب» إلى جيوش تقودها شركات مرتزقة معتمدة، ثم إلى شركات لإعادة الإعمار تعمل من الباطن مع أجهزة المخابرات !؟.
المرتزقة.. من زحمة العمل إلى البطالة:
القصة بدأت مع انتهاء الاحتلال البريطاني والفرنسي للعديد من الدول الإفريقية والأسيوية. حيث رأت هذه الدول أن لها مصالح في بعض هذه الدول تسعى للحفاظ عليها، عبر حكام ساعدتهم في الوصول إلى السلطة أو آخرين ترغب في توليهم السلطة في هذه البلدان، فبدأت عملية محدودة لاستئجار جنرالات وعسكريين سابقين متقاعدين للقيام بهذه المهام القذرة.
ومع مرور الوقت وانتشار صيت هؤلاء المرتزقة تزايد الطلب عليهم من قبل حكام أفارقة لحمايتهم، كان أبرزهم الرئيس الليبيري السابق صمويل دو الذي كان يحرسه مرتزقة صهاينة، وتزايد الطلب عليهم للقيام بعمليات انقلاب أواضطرابات في دول أخرى لصالح معارضين طامحين في الحكم.
وتحولت هذه المجموعات الصغيرة من المرتزقة تدريجيًا إلى شركات معلنة رسميًا في العديد من الدول تقدم خدماتها في الحراسة أو الحماية أو التدريب العسكري أو الحروب، واستعان بهم العديد من الحكومات في عمليات محدودة لا ترغب في الكشف عنها أو الظهور على مسرح أحداثها، ولم يكشف النقاب عن أغلب هذه العمليات.
بل إن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان فكر في الاستعانة بهؤلاء المرتزقة في رواندا مع تصاعد أعمال الإبادة الجماعية عندما كان أمينًا عامًا مساعدًا للأمم المتحدة مكلفًا بشؤون عمليات حفظ السلام، وأصدر تصريحًا شهيرًا في ذلك الوقت قال فيه: «يوم احتجنا إلى جنود مدربين للفصل بين المقاتلين واللاجئين، فكرت في احتمال اللجوء إلى شركة خاصة، لكن العالم ليس مهيأ ربما لخصخصة السلام».
ولكن إذا كان تعامل الأمم المتحدة مع هؤلاء قد يسبب مشكلات لها ورفض من قبل بعض الأعضاء، فإن هذا لم يمنع حكومات غربية من التعامل مع هؤلاء المرتزقة، الذين تنظمهم الشركات الخاصة من أجل شن الحروب أو القيام بمهام حربية، حيث يعملون غالبًا لصالح الحكومات المحلية أو الشركات «شركات المناجم والطاقة خاصة».
فقد أصبحت هذه الشركات تلبي عددًا أوسع من الحاجات تتراوح بين تقدير الأخطار بالنسبة إلى المستثمرين في بلد محدد، وتقديم الاستشارة للحكومات في مجال التنظيم العسكري أو شراء المعدات، وحتى تدريب الجنود «في المعارك» مرورًا بالدعم اللوجستي للعمليات الإنسانية أو لقوات الأمم المتحدة، كما تقوم هذه الشركات بتقدير كلفة حفظ الأمن في المواقع التابعة للشركات، ونزع الألغام من المناطق الملغومة.
وقد دفع تزايد نشاط هذه الشركات الحكومات لمتابعة الظاهرة وبحث أخطارها، خصوصًا أنها تشبه عصابات الجريمة المنظمة ولا يحكم أعمالها أي وازع أخلاقي، وكل ما يهمها هو الربح المادي أيًا كان مصدره، حتى إن مجلس العموم البريطاني أعد تقريرًا حول الموضوع في ١٢ فبراير ٢٠٠٢م تساءل فيه عن النشاط الحقيقي لهذه «الشركات العسكرية الخاصة بعبارات لا تصنّفها بالضرورة في خانة الأشرار، بهدف طرح إطار سياسي للنقاش حول الارتزاق العسكري».
ومن أشهر شركات المرتزقة الأولى العاملة في هذا المجال شركة جنوب إفريقية تسمى Executive Outcomes وأخرى إسرائيلية «لفدان» والبريطانية «ساندلاين» والأمريكية (MPRI)، والبريطانية «نورث بريدج»، و «کیلوج براون آند روت»، و «داین کورب».
وهذه الشركات تدخلت في العديد من الأزمات ذات الطابع الاقتصادي المهم كالنفط في أنجولا والألماس في سيراليون، بعدما حولت نشاطها تدريجيًا من العمل العسكري البحث إلى أعمال الحماية أو تخليص الرهائن والمختطفين.
فقد تأسست شركة Executive Outcomes عام ۱۹۸۹ على أيدي عسكريين سابقين من جنوب إفريقيا وأبرمت عقدها الأول عام ١٩٩٢م مع شركات نفطية من أجل تطهير بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة منظمة يونيتا في أنجولا وحمايتها. وبعد نجاحها الأول حصلت على عقدين بقيمة ٨٠ مليون دولار مع الحكومة الأنجولية عندما اكتشفت لواندا أن مختلف نشاطات الأمم المتحدة «قوات التدخل والمراقبون» أكثر كلفة بكثير، فضلًا عن أنها عديمة الفاعلية.
وقد اكتشفت سيراليون أن العقد الذي أبرمته نظام الكابتن ستراسنر مع شركة Executive Outcomes عام ١٩٩٥ بكلفة 35 مليون دولار مقابل ۲۱ شهرًا من العمليات لحماية الألماس من عمليات المتمردين كان أقل كلفة من الـ ٢٤٧ مليون دولار التي أنفقت على عمليات نشر مراقبي الأمم المتحدة لمدة ثمانية أشهر والتي لم تكن ذات فاعلية!.
وفي أوج نشاطها كانت هذه الشركة موجودة في أكثر من ثلاثين بلداً إفريقيًا مع ٥٠٠ موظف في أنجولا وسيراليون، ولكن تمت تصفية الشركة رسميًا عام ١٩٩٨م، مع حالة الكساد في أسواق الارتزاق.
٥٠ - ٢٠٠مليار دولار حجم نشاط شركات المرتزقة!
وقد أشار تقرير مهم نشرته صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية المتخصصة في ٢٩ أبريل الماضي ٢٠٠٣م إلى أن الدخل الأساسي لشركات المرتزقة الآن لم يعد يأتي من بلدان ما وراء البحار الفقيرة كالسابق، بل من دول الشمال الغنية حيث الجيوش الغربية المحترفة التي «تخصخص» نشاطاتها أكثر فأكثر مثل: الحراسة والصيانة والتدريب والتعاون.
وقال التقرير: إن قطاع «النشاطات الأمنية الخاص الموسع» يحقق وحده حجم أعمال يبلغ نحو خمسين مليار دولار في جميع المجالات، ويعمل فيه مليون شخص من بينهم ٨٠٠ ألف في أوروبا.
ففي فرنسا وحدها -كما يقول ضابط سابق في الشرطة «بول باريل» تحول إلى الأمن الخاص- فإن هذا القطاع تقدر أعماله بـ ٥,١ مليار دولار ويوفر ٩٠ ألف وظيفة أي ما يعادل عدد الشرطة الوطنية كما يمكن إحصاء وجود حوالي 300 ألف شركة أمن ومساعدة عسكرية من مختلف الأحجام في العالم. وهناك أكثر من مائة شركة «للمرتزقة» ذات حجم دولي تعمل بموجب عقود في إفريقيا أو في بلدان مثل كولومبيا وإندونيسيا.
ويزيد من رواج هذه الشركات أن الأيديولوجية الليبرالية تسمح للمؤسسات المالية الدولية أو التابعة للدول الأنجلوسكسونية للأخذ بصيغ الاعتماد على القطاع الخاص لاسيما في مجال التدريب العسكري أو الدعم اللوجستي، كما أن تحول الجيوش إلى الاحتراف والتكنولوجيا، وانخفاض عدد العسكريين في البلدان المتطورة بعد نهاية الحرب الباردة أدى إلى تسريح ما يقارب خمسة ملايين رجل بين 1985 و ١٩٨٦م، من دون أن ترافق هذا التسريح تدابير اقتصادية واجتماعية مناسبة، الأمر الذي وفر لشركات الأمن الخاصة يدًا عاملة واسعة.
ويكره غالبية رؤساء هذه الشركات الآن وصفهم بالمرتزقة على اعتبار أن طبيعة عملياتهم أمنية وخدمية وتستعين بهم الحكومات، ومنهم «أندر وليامز» من شركة نورث بريدج للخدمات والتي تشكلت قبل عامين بمعرفة وليامز - المظلي البريطاني السابق الذي حارب في فوكلاند ضد الأرجنتين وشارك في عمليات تمتد من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، حيث قال في حوار مع وكالة رويترز يوم 9 مايو الجاري: «لسنا مرتزقة.. نورث بريدج شركة عسكرية مشروعة تعمل فقط الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا أو وكالات معترف بها»!؟
ويقول وليامز: «إن حكومات اليوم مثل أفغانستان والبلقان والعراق تعاني جيوشها الوطنية من مشكلات ومثقلة بالأعباء، ويمكننا أن نقدم للحكومات ما تحتاجه من مساعدة لحفظ السلام، كما نستطيع بالعمل مع الأمريكيين أن نضع كتيبة من خمسة آلاف جندي على الأرض بكل معداتها في أي مكان بالعالم خلال ثلاثة أسابيع»!
ويبلغ عدد شركات المرتزقة المرخص لها للعمل في الولايات المتحدة حتى الآن 35 شركة وتسمى «شركات تعهدات عسكرية»، من بينها: شركة كيلوج راون آند روت، وداين كورب، وفينيل وسايك ولوجيكون وغيرها، أما أشهر هذه الشركات فهي شركة إم. بي. آر. آي التي تدعي أن فيها نسبة جنرالات أكبر من نسبة جنرالات البنتاجون نفسه!.
ويبدو أن سوق عمل هؤلاء المتعاقدين يتنامي بسرعة فائقة، فخلال حرب الخليج عام ١٩٩١م لم يكن نسبتهم تتجاوز واحدًا من بين كل ٥٠ عسكريًا على الأرض ولكن في عام ١٩٩٦م -مع حرب البوسنة- ارتفعت النسبة بشكل ملحوظ لتصل إلى واحد من كل عشرة، ولا يعرف أحد بالتحديد حجم هذه الصناعة السرية، ولكن بعض الخبراء العسكريين يقدرون السوق العالمية لها بمبلغ ٢٠٠ مليار دولار.
وتحقق شركات التعاقدات العسكرية هذه أرباحًا كبيرة في أمريكا، حيث يتزايد الاعتماد عليها.. فشركة إم. بي. آر. آي مثلًا تحقق دخلًا سنويًا يزيد على ۱۰۰ مليون دولار، وذلك نتيجة عقود مع البنتاجون ووزارة الخارجية الأمريكية، ويحقق العسكريون المتقاعدون العاملون في هذه الشركة -وفق إحصاءات أمريكية- ضعفي إلى ثلاثة أضعاف ما كانوا يتقاضونه من البنتاجون أثناء وجودهم بالخدمة العسكرية بالإضافة إلى ميزات أخرى كثيرة.
ويشكل استخدام المتعاقدين العسكريين جزءًا من سياسة وزارة الدفاع الأمريكية لملء الفراغ الذي يتركه إاخفاض أعداد العسكريين النظاميين. فخلال حرب الخليج، كان هناك ۷۸۰,۰۰۰ عسكري أمريكي تحت السلاح أما الآن فقد انخفض العدد إلى 48٠.٠٠٠ جندي.
والمشكلة أن العاملين في هذه الشركات ليسوا ملزمين بتلقي الأوامر أو اتباع التعليمات العسكرية الروتينية، وبالتالي ليس لهم قانون يردعهم، ولا يعرفون أي قيود أو شروط أخلاقية أو إنسانية أو وطنية في عملهم سوى المال الذي يتقاضونه، مما يؤدي لمشكلات كثيرة، وهناك سوابق لهذه التجاوزات.
فقد اتهم أحد موظفي شركة «داين كروب» للتعهدات العسكرية سابقًا الشركة بأنها كانت تدير شبكة دعارة في البوسنة بجانب عملها المتعلق بتوريد المعدات العسكرية والصيانة، وأن موظفي الشركة احتجزوا فتيات بوسنيات قاصرات واستخدموهن لأغراض الدعارة، وتاجروا بهن، حتى إن إحدى الفتيات تم بيعها بمبلغ ۱۰۰۰ دولار. وكانت الشركة تعلم بتصرفات موظفيها ولكنها تتغاضى عنها.
وفي بيرو في العام الماضي أطلق أحد هؤلاء المتعاقدين النار على طائرة خاصة تقل منصرة أمريكية وطفلها عن طريق الخطأ، وتم إسقاط الطائرة بعد أن اعتقد «المتعاقد» أن الطائرة تعود إلى أحد مهربي المخدرات، وقد قتل جميع من كان على الطائرة؟
المرتزقة الجدد في الجيش الأمريكي
وتشير دراسات أمريكية إلى أن ما يسمى «الحرب على الإرهاب»، وخوض جولتين حربيتين حتى الآن في أفغانستان والعراق ضاعف من تعاون الإدارة الأمريكية مع المرتزقة للقيام بأعمال من الباطن، حيث يُطلق عليهم اسم «متعاقدون عسكريون من القطاع الخاص»، وأن البنتاجون لا يستطيع خوض حرب من دونهم.. فهم يحلون محل الجنود المقاتلين في كل شيء من الدعم اللوجستي إلى التدريب الميداني والاستشارة العسكرية في الداخل والخارج.
فبعض هؤلاء المتعاقدين «المرتزقة» يساعدون في التدريبات الميدانية باستخدام الذخيرة الحية للجيش الأمريكي في الخليج، وقد تم التعاقد مع إحدى هذه المؤسسات أخيرًا لحماية الرئيس حامد قرضاي رئيس أفغانستان بعد تعرضه لمحاولة اغتيال، كما تتردد معلومات عن الاستعانة بهم أيضًا لحماية حكام العراق الجدد المفترضين الموالين لأمريكا!.
وفي هذا الصدد تؤكد صحف أمريكية أن واشنطن تفضل إرسال هؤلاء المرتزقة للقيام بأعمال ما لصالحها «في مناطق التوتر الحساسة في العالم»، حيث يتم التعاقد معهم للذهاب إلى أماكن يفضل البنتاجون عدم الظهور فيها، وأنه في السنوات القليلة الماضية تم إرسال عدد من هؤلاء إلى البوسنة ومقدونيا وكولومبيا ومناطق ساخنة أخرى.
وقد كشف خبراء عسكريون أمريكيون عن تجاوزات فيما يتعلق باستخدام وزارة الدفاع الأمريكية لهؤلاء المرتزقة بكثرة، حيث يقول الكولونيل هاكوورث الذي حصل على عدة أوسمة خلال حرب فيتنام: «هؤلاء المرتزقة الجدد يعملون في وزارة الدفاع ووزارة الخارجية، بينما يتغاضي الكونجرس عن ذلك، وهذا يسمح لنا بدخول حروب حيث تتردد في إرسال الجيش أو المخابرات المركزية.. وفي النهاية فإن دافع الضرائب الأمريكي يدفع لجيش المرتزقة التابع لنا، وهذا يناقض تعاليم آبائنا المؤسسين».
كذلك فإن وجود مثل هذه الشركات يسمح للإدارة الأمريكية بتنفيذ أهداف متعددة في السياسة الخارجية دون الخوف من الاهتمام الإعلامي الذي يترافق مع إرسال جنود أمريكيين في توابيت بعد أن قتلوا في معارك خارج البلاد، والإنكار هنا «للمهمة» أسهل على الحكومة عندما لا يكون أولئك العاملون في الخارج يرتدون الزي العسكري الرسمي.
وقد ترددت أنباء عن الاستعانة بالعديد من هذه الشركات عبر وزارة الدفاع الأمريكية في العراق لنقل توريدات عسكرية أو القيام بمهام عسكرية وحماية مناطق معينة، أو تنظيف مناطق بترولية من الألغام العراقية المزروعة أو بقايا القنابل العنقودية الأمريكية.
المرتزقة يقتفون أثر بن لادن!
ولأنهم صيادو جوائز وأموال، فقد دخل المرتزقة في لعبة البحث عن عناصر ترصد المخابرات الأمريكية مبالغ باهظة للقبض عليها مثل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، حيث تكشفت معلومات نشرتها صحيفتا التايمز والصنداي تايمز اللندنيتان عن أن مرتزقة بريطانيين يقتفون أثر أسامة بن لادن طمعًا في المطالبة بالمكافأة بملايين الدولارات التي رصدتها الولايات المتحدة.
حيث ذكر جندي سابق في شركة المرتزقة «إس أي إس» أنه كان على علم بأربع محاولات من قبل جنود بريطانيين سابقين للتتبع بن لادن في قاعدته في أفغانستان، فيما صرح أحد المحاربين القدامي في القوات الخاصة بأن العمليات الخاصة تتصاعد من جانب صائدي المكافأة من أمريكا وبريطانيا، حيث تم رصد 5 ملايين دولار مكافأة لمن يعثر على بن لادن بعد تفجير سفارتي الولايات المتحدة في إفريقيا في أغسطس ۱۹۹۸م، وتمت زيادة قيمة المكافاة مقابل المعلومات التي تؤدي بشكل مباشر إلى اعتقال أو إدانة بن لادن لتصل إلى ٣٠ مليون دولار بعد 11 سبتمبر.
وقد اعترف «بريان بوكويست» من شركة انترناشيونال تشارتر، وهي شركة مرتزقة تصف نفسها بأنها شركة «أمن وإمدادات للملاحة الجوية، أنه لم يندهش لعلمه بأن صائدي المكافآت يحاولون تقفي أثر بن لادن. وقال: لا يوجد أي شيء غير عادي في أن يقوم موظفو مخابرات عسكرية متقاعدون بجمع معلومات عن بن لادن بمقابل مالي.
ويقول سكان مناطق باكستانية قريبة من الحدود الأفغانية إنه كثيرًا ما تتم مشاهدة أعداد كبيرة من المرتزقة بمروحيات وطائرات في باكستان فيما تقول صحف غربية إن مهام هؤلاء في هذه المنطقة قديمة منذ الغزو السوفييتي لأفغانستان حيث كان بعضهم يدرب متطوعين لقتال السوفييت ولكن هدفهم الأهم كان سرقة معدات عسكرية روسية تقع في أيديهم لمعرفة أسرار التسلح الروسي.
أيضًا كان هؤلاء المرتزقة يسعون فيما بعد وراء مكافأة قدرها ١٠ ملايين دولار رصدتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش الأب في عام ١٩٩٢م لاستعادة صواريخ ستينجر التي تحمل على الكتف والتي كان يزود بها الغرب، الأفغان خلال الحرب مع الروس.
ولا تعد مهنة صيادي المكافآت غريبة عن المجتمع الأمريكي لأنها ترجع إلى الحرب الأهلية الأمريكية، حيث كان يتم السماح لصائدي المكافآت -بالقانون- بالقبض على مطلوبين وتسلم مكافآت وأصبح هذا هو شعار العديد من شركات المرتزقة في القرنين العشرين والحادي والعشرين، حتى إن مجلة أمريكية وصفت هذه المهمة بأنها ستكون أفضل فرص العمل في المستقبل!.
مرتزقة لحماية الدولة الصهيونية
ولأن فكرة الدولة الصهيونية تقوم على تجمع كبير للمرتزقة اليهود من دول غربية وشرقية، فلم كن مستبعدًا أيضًا أن تسعى الدولة الصهيونية مع تزايد عرب مواطنيها من تأدية الخدمة العسكرية للاستعانة بشركات المرتزقة، وأن تدرس الحكومة الإسرائيلية خطة لإنشاء وحدات عسكرية خاصة من الجنود المرتزقة يتم استجلابهم من دول إفريقية وأسيوية للقيام بمهام الحراسة والأمن على الحدود الفاصلة بين الكيان الغاصب والمناطق التي يحتلها في الضفة الغربية وقطاع غزة لحماية نفسه من الانتفاضة.
فقد نقلت نشرة «ويكلي ديفينس ريفيو» في أكتوبر ٢٠٠٢م عن مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية قولهم إن تلك الخطة قدمها اللواء احتياط جدعون شيفر نائب رئيس سلاح الجو الإسرائيلي منذ أسابيع إلى الحكومة، وتقضي باستجلاب جنود مرتزقة من دول إفريقية وأسيوية فقيرة من أجل التغلب على مشكلة رفض الجنود الإسرائيليين، العمل في تلك المناطق.
وتشمل الخطة قيام عدد من الحاخامات بالسفر إلى الدول المعنية لإقناع الجنود المرتزقة باعتناق الديانة اليهودية، وبأهمية الدفاع عما أسمته الخطة بأرض الميعاد وإغرائهم بدفع مبلغ ألف دولار شهريًا للجندي الواحد، مع إمكانية تدبير إقامة مؤقتة لهم في الكيبوتزات أو التجمعات الزراعية القريبة من المنطقة التي سيخدمون بها.
وقد تم الكشف بالفعل عن وجود مرتزقة أوروبيين في الجيش الصهيوني عندما تم الكشف عن هوية بعض قتلى الاحتلال على أيدي رجال المقاومة الفلسطينية منهم هولنديون ومهاجرون من غرب أوروبا.
أما الخبر الطريف بالفعل، فهو أن المرتزقة الإسرائيليين أنفسهم -من الضباط والجنود المتقاعدين الذين شكلوا شركات تعمل لصالح دول إفريقية وأسيوية- بدأوا يعانون من البطالة مؤخرًا مع تغير أحوال السوق بتغير الظروف الدولية!.
وقد ظهر ذلك بوضوح في حالة شركة «يغال للخدمات الأمنية»، التي سرحت عددًا كبيرًا من المرتزقة العام الماضي، وقال نائب رئيسها «جابي أرنون» -الذي عمل في السابق كضابط بريتة «بريجادير جنرال» في الاستخبارات العسكرية لراديو الجيش الإسرائيلي-: إن شركته -التي كانت تبرم عقودًا مع العديد من أنظمة الحكم في إفريقيا تقوم بموجبها بتوفير خدمات التدريب لللحراس الشخصيين للقادة الأفارقة وفي أمريكا الجنوبية، أصبحت تعاني من نوع من البطالة بسبب تحول العديد من الأنظمة الديكتاتورية إلى نظم ديمقراطية!.
وقد رفض أرنون -على الرغم من إلحاح مقدمة البرنامج- أن يكشف عن أسماء الدول التي تتعامل مع شركته، لكنه أشار إلى أن الشركة وعملاءها من خريجي الوحدات المختارة يجمعون أموالًا طائلة جراء القيام بهذه الأعمال، لكنه قال إن عددًا من الدول الإفريقية يستقدم ضباطًا عملوا في الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية مثل الموساد والشاباك والاستخبارات العسكرية، حيث يتولى هؤلاء تدريب كوادر الأجهزة الأمنية في هذه الدول وعلى الأخص حول كيفية جمع المعلومات الاستخبارية وكيفية مواجهة وقمع المعارضة في هذه البلدان.
وأشار إلى أن هناك ممثلين لشركته يعملون في العديد من العواصم الإفريقية، حيث يحافظون على شبكة علاقات قوية مع الأنظمة الحاكمة وأجهزتها الأمنية أولًا بأول، ويتولى هؤلاء الممثلون نقل طلبات هذه الأنظمة إلى مقر الشركة في تل أبيب التي تتولى البحث عن الأشخاص المطلوبين.
ويعمل هؤلاء الخريجون ضمن عقود عمل سنوية بحيث يتقاضي المدرب الواحد أجرًا لا يقل عن مائة ألف دولار في العام.
مرتزقة أوروبيون شاركوا في مذابح كوسوفا
ومن مخازي هؤلاء المرتزقة ما تسرب مؤخرًا من أنباء عن فضيحة تؤكد تورط مرتزقة من فنلندا والدنمارك عملوا لحساب الصرب في ارتكاب المذابح التي تعرض لها السكان الألبان في إقليم كوسوفا، وعندما بدأ المكتب الوطني الفنلندي للتحقيقات «الشرطة الجنائية» تحقيقًا حول نشاط اثنين من المرتزقة الفنلنديين شاركا في ارتكاب الفظائع والمذابح التي قام بها الجيش الصربي ضد ألبان كوسوفا، تم الكشف عن هذه الفضائح.
وكانت الشرطة الدنماركية -حسب راديو فرنسا الدولي- قد زودت الجانب الفنلندي بالمعلومات الخاصة بالمتهمين الفنلنديين بعد أن عثرت على اسميهما ضمن أوراق مرتزق دنماركي، أيدت محكمة الاستئناف هناك استمرار حبسه على ذمة التحقيق إثر اتهامه بالتعاون مع القوات الصربية. وأوضح راديو فرنسا الدولي أن المرتزق الدنماركي، اعترف في حديث أدلى به لصحيفة «إكسترا بلاديت» الدنماركية بأنه شارك لأكثر من شهرين في عمليات تطهير عرقية في كوسوفا بعد أن جنده الصرب، وأكد أنه قتل عددًا كبيرًا ممن يعتقد أنهم أعضاء في جيش تحرير كوسوفا «المسلمين» ومن المدنيين الألبان، وقام بإشعال النار فيهم وهم أحياء بعد غمرهم
بالوقود!؟.
ترى ماذا سيفعل المرتزقة الأمريكان الآن في العراق هل من مهامهم مثلًا قتل علماء العراق الذين قتل عدد منهم مؤخرًا بشكل غير منطقي؟ أم هل من وظيفتهم حماية حكام العراق الجدد على غرار ما جرى في حالة حكام «أو عملاء» أمريكا في أفغانستان؟.
وهل تضيع أموال العراقيين على هؤلاء المرتزقة كما ضاعت من قبل على أعوان نظام صدام ليظل العراقيون دومًا يندبون حظهم في عدم الاستفادة من ثروات بلادهم في عهد الاستقلال والاحتلال معًا؟!.