العنوان جيوش تحارب الشعوب وتصارع السُّنن!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
مشاهدات 94
نشر في العدد 1070
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 12-أكتوبر-1993
كثيرة هي تلك الأمم التي تقضى على نفسها وتفتك
بقوتها، وتحارب ذاتها وتقاتل الشعب بالجيش، وهو من أبنائهم وتسحقه بالدبابات وهي
من أمواله، وترشقه بالمدافع وقد اشتريت من كده وعرقه، وتقصفه بالطائرات وقد ادخرها
للدفاع عنه والزود عن حماة، ويتولى ذلك قادة ولَّاهم الشعب ليدفعوا عنه الكوارث،
فإذا بهم كارثته، ورباهم ليعزوا الأمة فإذا بهم ذلها ونحسها وشؤمها، وقد يسمى هذا
الجيش بجيش الشعب، وقد يسمى هؤلاء القادة بأبطال الأمة أو بحماة الجيل أو برجال
الفضيلة والديمقراطية، وهذا ولاشك من سخرية القدر ومن عجائب الزمان، وقد يجد من
يؤيده بل قد يخلق من يؤيده من أصحاب المصالح ومن تجار الموت ومحبى الرذيلة، وتكون
النتيجة سحق الشعوب وسقوط الأمم وفقدان مصداقيات المبادئ والوعود، وقد احتاج إلى
ضرب الأمثلة وهي حية بيننا، أو إلى وسائل إيضاح ونحن نعيشها هذه الأيام في كل ما
حولنا في واقعنا وفي واقع من على شاكلتنا تتوارد على مسامعنا ما يفعله يلتسن في
روسيا هذه الأيام باسم الديمقراطية، يسحق الدستور بالدبابة ويقصفه بالمدفعية باسم
الديمقراطية، ويدمر نواب الشعب بقذائفه وينسفهم برواجمه باسم الحرية والليبرالية،
ويبيد خصومه ويقطع الألسنة والأيدي والأرجل باسم دولة المؤسسات والانعتاق من
الديكتاتورية، ومن المدهش المحزن أن زعماء العالم الحر يصفقون ويؤيدون ويهنئون هذا
السفاح باسم الحرية والديمقراطية، ويباركون هذه الإبادة للشرعية والرأي الآخر
وللدستور وحتى للأمة باسم الحرية والديمقراطية والمحافظة على إرادة الجماهير! أي
نفاق سياسي هذا؟! وأي تدليس وافتراء وخداع وبغي؟! وأي استغفال للشعوب
المسكينة التي يراد لها أن تظل تصدق هذا الهراء، ويطلب منها أن تهلل لهذا السرك
العالمي المفضوح؟!
إن أحوال الأمم الظالمة أو المشجعة لا تستقيم
على هذا المنوال ولا تستمر على هذا الغرار، ولابد أن يبطل هذا السحر والساحر،
ولكنا نحن هل سنفهم هذا أم نظل في استغفال وبلاهة وتيه!
في سنة ۱۹۸۸ نشر بول كيندي أستاذ العلوم
السياسية في جامعة بيل الأمريكية كتابًا بعنوان: «قيام الدول الكبرى وانحطاطها»
كان له صدى واسع في سائر أنحاء العالم، وتنبأ فيه بسقوط كل من الولايات المتحدة
والاتحاد السوفيتي على سواء نتيجة لقاعدة استخلصها من مجريات أحداث التاريخ نتيجة
فقدان التوازن، وقد نازع هذا الراي مثقفون في الولايات المتحدة، حتى أصاب الاتحاد
السوفيتي ما أصابه، فإذا بهم يصابون بالهلع ويدرسون النظرية ويلتفتون إليها من
جديد، ونحن بدورنا نعرف ذلك قبل نظرية كيندي ونعتقده لأننا نعلم أن هذه الدول فقدت
التوازن الخلقي والنفسي، وفقدت التوازن في اتباع الحق ورعايته أو الاعتراف به،
وفقدت التوازن بين أطماعها وجبروتها وحقوق الآخرين وحريتهم وكرامتهم وأصبحت لا تعبأ
إلا بأهوائها ومصالحها، وسنن التاريخ لا تفلت هؤلاء وأولئك ﴿وَسَكَنْتُمْ
مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا
بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الْأَمْثَالَ﴾ (إبراهيم : ٤٥)
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ.
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ.
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ.
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ
عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبَالْمَرْصَادِ﴾ (الفجر: 6-14).
الفساد لا يجلب إلا الفساد والظلم لا يجلب إلا
الظلم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله سواء كأفراد أم أمة، لقد ظل دكتاتور إثيوبيا
هلاسيلاسي يحكم بلاده بالحديد والنار إلى أن جاء منغستو مريام، فأطاح به ودفنه في
ركن من مكتبه الذي شهد عزه، وورثه في دكتاتوريته، ثم كانت نهايته هو الآخر كنهاية
سلفه، وهلم جرا، وقد يبدو أن أصحاب الحق لا ذكر لهم ولا بريق معهم في مقابل الظلم
والبغي، ولكنه وللحقيقة يجب أن يعلم أن البغي نفسه والفساد ذاته يحمل في طياته
قيام الحق، ويقدم المادة البكر والسبب القوي والمحرك الفاعل لتحرك الشعوب نحو
الإصلاح ونحو استخلاص الحقوق وفي لهيب المعارك تظهر الأبطال، ومن حلوكة الليل يبزغ
الفجر، وهذه سنة الله.
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مِثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214) فهل نفهم هذا ونعيه ونعد ونستعد ليوم نهتف فيه جميعًا ﴿وَﻗُلْ جَاءَ ﺍﻟْﺤَﻖُ ﻭَزَهَقَ ﺍﻟْﺒَﺎﻃِلُ ﺇِﻥَّ ﺍﻟْﺒَﺎﻃِلَ ﻛَﺎﻥَ ﺯَهُوقًا﴾ (ﺍﻹِﺳْﺮَاءِ: 81).