; حاجتنا إلى.. الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان حاجتنا إلى.. الإسلام

الكاتب محمد عبد الحليم الشيخ

تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

مشاهدات 52

نشر في العدد 31

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حاجتنا إلى.. الإسلام

بقلم محمد عبد الحليم الشيخ

مفتش أول التربية الإسلامية بوزارة التربية

حاجة الإنسانية إلى الدين:

لا يختلف اثنان في أن الدين حاجة إنسانية له أثره الكبير في حياة الأفراد والجماعات وتهذيب النفوس وتقويم الأخلاق وتعديل السلوك وتنظيم علاقات المجتمع تنظيمًا يضمن له دوام التقدم ويدفع حضارته وازدهاره إلى الأمام، وهو أيضًا حاجة نفسية فُطِر عليها الإنسان منذ خلق فهو دائم الإحساس من أعماقه بتلك القوة المسيطرة المهيمنة على الخلق والنافذة السلطان في السماوات والأرض.. يشعر في الإيمان بها ببرد الراحة وهدوء النفس وطمأنينة القلب وكرامة الإنسان وسمو أهدافه ونبل مقاصده، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. (الإسراء: 70).

 نذير الخطر:

ولكن نواقيس الخطر تقرع بعنف في كل مكان معلنة أن العالم ينحدر من سيئ إلى أسوأ ومنذرة بسوء العاقبة ومحذرة من الوقوف على حافة الهاوية التي تكاد أن تنهار فتودي بكل حضارة الإنسان وما أبدعه عقله وفنه وتجاربه وترجع بالناس القهقري إلى عصور الظلام.

فمن المعروف المؤكد أن الإنسانية على مدار الزمن ما شقيت إلا ببعدها عن الله، وما ذاقت طعم الراحة والاستقرار والسعادة إلا في فترات الإيمان التي تستضيء فيها بأنوار النبوة وتوجيهات السماء.

البحث عن مخرج:

إن العالم المزعزع المرتجف اليوم يبحث عن مخرج من نزعات التحلل والإباحية والفوضى والاستهتار بالقيم العليا والخروج على كل الأعراف الكريمة ونبذ تشريع الله والتحاكم إلى الطاغوت واستنبات الحزازات والعداوات والعصبيات الذميمة وجعل مقياس التقدم القدرة على البطش والبغي وإذلال الشعوب الضعيفة واستنزاف خيراتها وإشعال نيران الفتن والحروب وترويع الآمنين وتضليل البشرية بالمذاهب الهدامة وسوقها إلى أبواب جهنم من كل طريق.

 التيار يجرف أمتنا:

ولعل مما يزيد الأمر خطورة انجراف الأمة الإسلامية وانسياقها في هذا التيار المخيف والاستسلام لمن يملكون القوة الغاشمة من أعداء الإسلام ومحاولة التأسي بهم في الضار أكثر من النافع وضعف الوازع الديني حتى أصبحت أمتنا تعاني من ذبول العقيدة والتواء الضمير واختلاف المشاعر وتباين الغايات والوسائل، كما أُصيبت بالسلبية وبالوهن وبداء التقليد والجمود، وكل هذا مناقض تماما للرسالة العظيمة التي نيطت بتلك الأمة الموحدة الكريمة وكان بمقدورها أن تظل خير أمة أخرجت للناس.

 

أين النجاة؟

لا سبيل إلى التخلص مما نحن فيه من ضعف وتخلف عن سير الركب الصاعد وتراجع عن مركز التوجيه والقيادة إلا بتربية أجيالنا من جديد على الإيمان الحق وإحياء موات النفوس والقلوب والعقول بأدب الله ورسوله وغرس بذور التقوى وخشية الله في السر والعلن وإيقاظ الضمير وإحيائه بالمثل الإسلامية الرفيعة والتخلق بالأخلاق الكريمة لنظفر بالإنسان المهذب الفاضل الذي تتفق صفاته مع ما دلنا عليه الكتاب والسنة؛ فهو من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومن أحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومن هجر ما نهى الله عنه، ومن استبق الخيرات، وسارع إلى مرضاة الله، فابتغى فيما آتاه الله الدار الآخرة، ولم ينسَ نصيبه من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليه، ولم يبغِ الفساد في الأرض، ومن يرحم الصغير ويوقّر الكبير ويبر والديه ومعلميه ويصل رحمه ولا يحيا لنفسه وإنما يرجع خيره إلى أهله وجيرانه وبني دينه ووطنه، ومن أينعت في نفسه معالم البطولة والتضحية والفداء والإقدام على المكاره بصبر ورباطة جأش مؤمنًا بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، يدعو إلى الله على بصيرة، ويعبده رغبًا ورهبًا، ويبذل النصح لأئمة المسلمين وعامتهم.

ويسترخص كل ما يملك في سبيل عقيدته والحفاظ على كرامة أمته ومقدساتها.

 الإسلام دين الفطرة المستقيمة:

إننا في تربية هذا الإنسان الصالح على فضائل الدين الإسلامي لا نكلفه شططًا لأنه الدين السمح الذي لا يعارض الفطرة السمحة التي فطر الله الناس عليها. فحين نخلي بين الإنسان وفطرته ونزيل الحواجز والعقبات من طريق طاقاته الخيرة فلن نجد هناك ما يقنعه ويملأ فراغ نفسه ويرضي أشواقه وطموحه الروحي والعقلي إلا الإيمان.

ومن آمن فقد عرف طريق الحق والاستقامة ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (هود: 56).

ومن ثم فلا ينفك يردد في صباحه ومسائه وصلواته ودعواته «إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم». فالاستقامة نهج الفطرة السليمة، ورسالة الأنبياء عليهم السلام ما استهدفت إلا تربية الفرد الصالح الذي تجاوبت فطرته النقية مع الإيمان والطاعة والاستقامة، كما يشير إلى هذا توجيه رسولنا الكريم لذلك الرجل الذي أراد أن يعرف في الإسلام قولًا لا يسأل عنه أحدًا بعد رسول الله فقال له عليه الصلاة والسلام: «قل آمنت بالله، ثم استقم».

 مناعة الإسلام وصموده للأعاصير:

ولما كان الدين هو البلسم الشافي لجراح الإنسانية والمشعل الوهاج الذي يضيء دروبها المعتمة ويرشد الحائرين في لياليها الدامسة ويسمعها صوت الحق يهيب بها ألا تسقط من فوق القمم الشامخة الرفيعة وألا تحتجز شيئًا من مواهبها الخيرة وطاقاتها النافعة حتى تفجرها في مجالات الإنتاج والبناء وتطوير الحياة ونفع الإنسانية وألا تحيا كالقطيع همه بطنه وشهوته يقاد من أذنيه لا من عقله. وجب على المعلمين عامة وعلى معلمي الدين بصفة خاصة أن يقدروا عظم التبعة والمسئولية التي ألقاها الله على كواهلهم وأن يعلموا أن هذه الأمة لولا أثارة من إيمان وبقية من خلق القرآن، ما بقي فيها شيء من مقومات الأمة وما استطاعت أن تصمد لكل الأعاصير الهوجاء التي استهدفت اقتلاعها من جذورها منذ أن هبّت عليها رياح الفتن ووقعت فريسة الغزو التتري والمغولي والصليبي، ولا تزال إلى اليوم تتعرض لكل ألوان الضغط والبغي، فإن المتتبع للمخطط الصليبي والاستعماري والصهيوني والشيوعي ليدرك بجلاء مدى ما يبيت القوم لهذا الدين الإسلامي الكريم. ولو أردنا أن نسوق الشواهد لأعيانا الحصر، ولكننا على سبيل المثال نورد النموذج التالي للعبرة: في عام 1945 انعقد مؤتمر للمبشرين بجبل الزيتون بفلسطيننا الحزينة ووقف «زويمر» ذلك الرأس الاستعماري البغيض ليقول «علينا أن نعلم أننا لا نبغي إخراج المسلمين من الإسلام ثم إدخالهم إلى الديانة المسيحية، ولكننا نكتفي بإخراجهم من الإسلام وإبقائهم بلا دين. وبذلك تكونون أنتم الطليعة الأولى للركب الاستعماري باركتكم عناية الرب».

 مسئولية المعلم المسلم:

أيها المعلم المسلم، باركتك أنت عناية الله، يا من تصنع اللبنات المؤمنة الصالحة، لتشيد بها حصون الإيمان، فيتحطم على صخورها الصلبة آلاف من أمثال ركب «زويمر» ذلك الاستعماري الجشع الذي لن يحظى أبدًا بعناية الرب ولن يظفر إلا بلعنات السماء، أيها المعلم المسلم، أدِّ دورك الكريم في حمل رسالة الأنبياء وبلّغ عن ربك ما بلغه خاتم النبيين عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فما إسلامك إلا خلاصة الأديان وما قرآنك إلا الحق والعدل والصلة الباقية بين الأرض والسماء إلى يوم الدين؛ فأنت حين تُربي أبناءك على الإسلام فإنما تربيهم على السماحة والوفاء لكل رسل الله وتوقيرهم تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285).

أيها المعلم المسلم، ربِّ تلاميذك على الإسلام لا على الحقد الأسود الذي تربّى عليه «زويمر» ومن لف لفه من رواد الاستعمار، والكفر، هؤلاء الذين تتلخص رسالتهم في تكفير المسلمين وتركهم بلا دین ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (المائدة: 80).

أيها المعلم المسلم، أثبت للعالم بأن أمة فيها القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، لن يعرف الكفر إلى قلبها سبيلاً. وهي التي تعلم أبناءها ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران: 101).

وأثبت للعالم بأننا ندعو كل أهل الأرض إلى تعاليم ربنا ودراسة قرآننا بإمعان وتعقل، فإن هداهم الله إلى ما فيه من خير فذلك أملنا فنحن لا نريد إلا الإصلاح، ومعاذ الله أن نكفر الناس بربهم وما نبغي من وراء تربية أبنائنا وبناتنا على سماحة الإسلام وفضائله إلا أن نحصنهم ضد حملات الكفر المسعورة الموجهة، وليقولوا كما علمهم ربهم في كتابه ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64).

 درس من النكسة:

وعلى ضوء الكارثة الأخيرة التي ألمّت بالمسلمين يجب أن نعيد النظر في تربيتنا، فإننا لا نستطيع أن نعلل ما حدث بعدم امتلاك السلاح فقد كان عندنا منه أكثر من أعدائنا ولا يمكن أن نرد هذا إلى قلة رصيدنا البشري؛ فالأطفال قبل الكبار يعلمون أننا «مائة مليون نسمة نسكن منطقة الشرق الأوسط» وأن عدونا لا يتجاوز المليونين ولا نقدر أن نقول: بأننا جهلاء في التكتيك الحربي فالعلوم العسكرية تتناقلها كل الشعوب وكل كليات العالم الحربية، ولم يقل أحد عن الكليات الحربية في البلاد العربية بأنه ينقصها حسن الدراسة النظرية أو التدريبات العملية، ولا نستطيع كذلك أن ندعي بأننا منطقة فقيرة لأن الواقع يكذب ذلك فعندنا من الثروات والخيرات ما لم يتوفر لأمة في الشرق أو الغرب، إذًا ما السبب؟

لم يبقَ أمامنا إلا أن نوجّه النظر إلى واقعنا الروحي وحظنا من الالتفاف حول عقيدة توحد الأهداف والوسائل وتجمع الطاقات وتُلهب العزائم وتفرض البذل، ولا شك أن عنصر الإيمان القوي هو الباعث على صدق النية في الجهاد والثبات حين تطيش الأحلام الكافرة واستعذاب الموت في مواطن البطولة واستنزال النصر بالأكف الضارعة والقلوب الخاشعة والأيدي المتوضئة النظيفة والجباه العالية الشريفة والهمم المتوثبة التي لا تعرف النكوص وكيف ينكص جيش تربى في أحضان القرآن وهو يردد من أعماقه في ثقة بالله لا نهاية لها ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ، وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 14 - 15).

إن تربية الأجيال على القرآن وفضائل الإسلام تربية واعية تجعلنا نضع نصب أعيننا عند كل معركة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (الأنفال: 15).. فلن نرى مولیًا ولا هاربًا خشية الموت، لأنه أقصى أمانيه، فالمسلم الحق يتوق إلى الشهادة، ويراها من أطيب المنى، فتلك صفقته الرابحة ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111).

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (الحديد: 19).

يجب أن نربي أبناءنا على أمثال المعاني العالية التي تدعو لها الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء: 71).

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 102).

ونعلم أبناءنا كما علمنا قرآننا ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. (آل عمران: 159).

فما أحوجنا اليوم بالذات إلى تربية دينية مخلصة.

 المعلم قدوة:

فعلينا نحن معشر المربين أن ندرس كيف ربّى محمد -صلى الله عليه وسلم- أتباعه وسنرى أن أول لبنة يجب أن تُوضع في الأساس التربوي هي وجود القدوة الصالحة فقد كان رسولنا -عليه السلام- القدوة التي تفرى بالفضائل والتي يطالع فيها الصحابة قرآنهم مطبقًا تطبيقًا عمليًّا متمثلًا في كل سمات الرسول وشمائله وفي كل سلوكه وحركاته وسكناته ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21) وحين سُئِلت السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن أخلاق رسولنا عليه السلام قالت: «كان خلقه القرآن»، ومعلم الدين بصفة خاصة ما لم يكن نموذجًا طيبًا وصورة حية لكل ما يقوله لتلاميذه فلن يصل في يومٍ ما -وإن ظل يعلم مائة عام- إلى تكوين شخصية واحدة تقر بها عين الإسلام فمن المسلَّمات أن فاقد الشيء لا يعطيه، كما أنه غدا بديهيًّا أن الطفل فيه غريزة التقليد ولا يمكن أن يصبح تقليد المحاسن عادة إلا إذا مارسها التلميذ عمليًّا، ومرن عليها في سلوكه ورآها حقيقة واقعة في سلوك المحيطين به ولا سيما معلمه.

ثم إنه لا يخفى علينا أن السلوك ليس وليد المعرفة فقط؛ فكم من عالم بالفضيلة تشكو الفضيلة من أفعاله وموت ضميره، فقل لي بربك: كيف تثمر التربية التي يتولاها من يأمر تلاميذه بالصلاة ولا يصلي؟ ومن يحفظهم ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: 9 - 11) ثم لا ينقضي يوم دون أن يقهر أبناءه وينهرهم ويؤذي مشاعرهم أو يبخل عليهم بنعمة ربه فلا يحدثهم بها ولا يمنحهم عصارة قلبه وعقله؟

فيأيها المعلم، إن لك في رسول الله خير المربين أسوة حسنة، فاتخذه إمامك في التربية وسِر على هديه في سيرته وانظر كيف كان رفيقًا بأصحابه وتلاميذه.. حريصًا على نجاتهم محبًا لخيرهم، بصيرًا بتفاوت مواهبهم، مخاطبًا كلا بما يناسب إدراكه، موجهًا كل طاقة فيهم إلى الميدان الذي تثمر فيه فلا يضع أحدًا في غير مكانه اللائق.

وأظننا من خلال دراستنا لسيرته عليه السلام أيقنا بأنه ما كان يسير في دعوته ارتجالا وبدون تخطيط وإنما كان يعلم أهداف رسالته حقيقة العلم ويخطط للوصول إلى هذه الأهداف مستعينًا بالوسائل التي تقرب إليه آماله، وما أحرى المعلم المسلم أن يتعرف أهداف رسالته التربوية تأسيًا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليسير على بينة من أمره ويجمع من الوسائل ما يعينه على تحقيق هذه الأهداف من أقرب السبل متسلحًا بالصبر والدأب وسعة الثقافة وحب البحث والمعرفة وحسن الإعداد لدروسه منتهزًا كل المناسبات الدينية لإذكاء شعلة الإيمان في نفوس تلاميذه وإلهاب عواطفهم، وتوسيع مداركهم بما يناسبهم من ألوان المعرفة، مهتمًا بغرس ما ينشده من محاسن الأخلاق وكريم العادات داخل الصف وخارجه، مسهمًا في ألوان النشاط المدرسي بما يتفق مع روح الإسلام وحيويته حتى تتجه الميول والهوايات وجهة الخير والتسامي. فقد كان هذا خلق محمد -عليه السلام- يمزح ولا يقول إلا حقًّا فليس معنى فترة النشاط أو اللعب أن نجعلها إجازة تبيح التخلص من خلق المسلم الكريم ونهجه في الحياة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 964

37

الثلاثاء 24-أبريل-1990

فتاوى