; حاجتنا إلى أدب إسلامي | مجلة المجتمع

العنوان حاجتنا إلى أدب إسلامي

الكاتب د. سعد أبو الرضا

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982

مشاهدات 69

نشر في العدد 567

نشر في الصفحة 56

الثلاثاء 20-أبريل-1982

حمدًا لك اللهم وصلواتك وسلامك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، وبعد ...

فبرغم ما يقال في المقارنة بين الكلمة والعمل، والقول والفعل فسوف يظل دور الكلمة المؤمنة وهاجًا يضيء الكون والحياة؛ لأنها تنطلق على هدى من نور الله، تستشرف آياته سبحانه وتعالى في الوجود، وتزود للإنسان مراقبي الهدى والفلاح، حقًا لأنها الكلمة الطيبة... ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (إبراهيم: 24-25).

ولقد اعتمد الرسل عليهم السلام على الكلمة سبيلًا إلى هداية البشر، كما كانت معجزة المصطفى عليه الصلاة والسلام والقرآن الكريم ذا البيان المعجز.

ثم ألم يسهم الشعر الذي ارتوى برواء الإسلام في أن يلين قلوب كثير من المشركين في صدر الإسلام؟

أولم تكن الكلمة الصادقة تخرج من القلب إلى القلب، تبعث الحمية في النفوس، وتلهب المشاعر، وتحيل الرجال إلى صناديد حرب، ذودًا عن العقيدة، واستشهادًا من أجل «لا إله إلا الله ... محمدًا رسول الله»؟

هذه الحقيقة أدركها أعداء الإسلام، وعرفوا الدور الكبير لسحر الكلمة الذي لا يقاوم كما لمسوا القدرة الفعالة للأدب على التأثير في العقول والنفوس، وتشكيل المشاعر، وتوجيه السلوك، وصياغة وجدانات الفرد والمجتمع، فوجدنا، كل الاتجاهات الفكرية في الشرق والغرب من طبيعية ورمزية وواقعية ووجودية وغيرها -وهي من صنع الإنسان- تتخذ من الأدب وصياغة الكلمة وسيلة فعالة للتبشير بهذه الاتجاهات، والدعوة إليها، ومن خلال قصة مؤثرة، أو مسرحية محبوكة، أو قصيدة شعرية، أو مقالة، تتغلل هذه الأفكار في أعماق الفرد، وتتسلل إلى عقله وقلبه معًا، وناهيك بإنسان يصبح أسير فكر معوج، و مريد مبدأ غير مستقيم...

إن الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة رضوان الله عليهم من بعده، قد وظفوا الشعر والخطابة -وهما فنان أدبيان- خير توظيف في الدعوة إلى الله، وهداية البشر إلى طريق الحق والخير، كما استخدم القرآن الكريم أسلوب القصة في تحقيق أهدافه ومراميه أوفى استخدام، وكان يجب أن يكون في ذلك أسوة حسنة للأدباء المسلمين كما سوف نوضح.

وفي اعتقادي لو أن المسرحية الجادة -وهي فن أدبي محدث- كانت معروفة، ما توانى السابقون الأولون عن توظيفها في خدمة العقيدة والدعوة إلى الله وهم من هم إخلاصًا وتفانيًا، في البحث عن كل سبيل لإعلاء راية الإسلام، وهو ما يمكن أن يلتقي مع أمر الله تعالى لرسوله الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (المائدة: 67) والأمر هنا للوجوب والتنفيذ وهو عام أيضًا لكل من يستطيع أن يؤدي هذا البلاغ، بالطريقة التي لا تتجاوز عقيدة ولا تغفل سلوكًا إسلاميًا.

من هنا تصبح الحاجة ماسة اليوم إلى أدب صادق ينضح من قيم الإسلام ومثله، ويوظف كل فنون الأدب، بل ويبتكر من الفنون الإسلامية ما يحقق أهدافه السامية العليا، لا سيما وقد تعالت صيحات الشرك والجاهلية تناوشنا ذات الشمال وذات اليمين تصد عن سبيل الله بالقصة المنحرفة، والمسرحية الهزيلة، والقصيدة المتسكعة المتخاذلة ولا يجد شبابنا -وهم عدتنا- الزاد الأدبي الذي يرتوي برواء الإسلام، ويستلهم سيرة الرسول الكريم عليه السلام، وتاريخ صحابته رضوان الله عليهم، حتى تحيا أمتنا حياة لا ينفصل فيها الماضي عن الحاضر ولا الحاضر عن المستقبل، في استمرارية واعية يقيم الإسلام، لتستضيء بها في حرية العقل وتجدد الحياة وإبداع الإنسان.

وحياتنا اليوم بحاجة إلى دراسة تعرض لتطور هذا الاتجاه، كما تقدم تصورًا لمفهوم الأدب الإسلامي تجلو بعض ملامحه، كما تحاول الكشف عن نظرة الإسلام إلى كثير من القضايا التي تشكل إطار تعامل الأديب مع معطيات الحياة. من خلال تقديم نماذج تتضح فيها وجهة النظر الإسلامية اعتمادًا على التحليل البنائي لهذه النماذج، لا سيما أن هناك عددًا من الدواوين والقصص والمسرحيات ذات الصبغة الإسلامية التي يمكن أن تشكل لبنات في صرح هذا البناء، وهي بحاجة ماسة إلى من يقدمها للقارئ، من خلال نظرة تدرك علاقات العمل الأدبي، وتسبر أغواره كما تكشف عن كيفية توظيف الأدب في خدمة الدعوة الإسلامية، ومواجهته لقضايا المسلم اليوم، وهو يتصدى لمتغيرات الحياة متمسكًا بعقيدته، نائيًا عن الانحراف، ساعيًا نحو الخير والبناء... من هنا كانت هذه الدراسة التي تبتغي محاولة الإحاطة بكل هذه الجوانب...

وما أقدمه هنا ليس إلا محاولة لاستجلاء هذا الدرب، وهي محاولة تتكامل مع جهود مسلمين مخلصين في أنحاء العالم الإسلامي تجمعنا بهم وحدة العقيدة والإخلاص لها فاللهم اجعل عملنا هذا خالصًا لوجهك الكريم، وتقبله منا، إنك أنت السميع العليم...

د. سعد أبو الرضا

كلية الشريعة واللغة العربية بالقصيم

بريدة- المملكة العربية السعودية

الرابط المختصر :