; حارس الإمام البنا.. محمود أبو رية إلى رحمة الله | مجلة المجتمع

العنوان حارس الإمام البنا.. محمود أبو رية إلى رحمة الله

الكاتب أحمد عيطة

تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2004

مشاهدات 66

نشر في العدد 1611

نشر في الصفحة 44

السبت 31-يوليو-2004

فقدت الحركة الإسلامية علمًا من أعلامها البارزين جهادًا وثباتًا وتضحية ووفاء لدعوة رب العالمين.. لم تلن له قناة ولم تضعف له همة.. وله عزيمة في الله لا تني وصلابة في الحق لا تنثني، قرابة ستة وستين عامًا في حقل الدعوة .. يلمع كالنجم.. ويزهو كالسيف.

فنصف قرن من الآلام أنت بها *** كالماس تصقله الهزات يلتمع

أرى محياك فيه النور منسكب *** وفي جبينك رأس الشم يجتمع

ولد الداعية المربي الشيخ محمود أبو رية بقرية ميت خميس - مركز المنصورة محافظة الدقهلية (في عام ١٩٢٢م)، وتلقى تعليمه الابتدائي بقريته ميت خميس ثم تلقى تعليمه الثانوي بمدينة المنصورة ولما حصل على شهادة البكالوريا انتقل إلى القاهرة وعمل بشهادة الثانوية وخلال إقامته في القاهرة بمنطقة العباسية تعرف إلى دعوة الإخوان المسلمين عام ۱۹۳۸م وتعرف إلى الإمام الشهيد حسن البنا وتطورت الصلة بينهما، وصار الأستاذ محمود أبو رية شعلة من النشاط بين شباب شعبة العباسية وانتهت الحرب العالمية الثانية وجاءت مأساة فلسطين وقضية التقسيم وانتدب الإمام البنا شباب الأمة وشباب الإخوان إلى الجهاد في سبيل الله، فكان الشاب محمود أبو رية يذهب إلى عرب الصحراء الغربية وبدوها ويشتري منهم السلاح الذي تركته جيوش الحلفاء بعد الحرب في منطقة العلمين ليبعث به إلى فلسطين للجهاد ضد اليهود.

واعتقل ذات مرة وهو عائد بكمية من السلاح لإرساله إلى فلسطين وتوسط الحاج أمين الحسيني - رحمه الله - للإفراج عنه، وظل يعمل على إمداد المجاهدين بالسلاح إلى أن أعلنت الهدنة، وكان كذلك من حراس الإمام الشهيد حسن البنا، وقتل الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله ... وكان الأخ محمود أبو رية وقتها معتقلًا، ويخرج من سجنه كأنه الأسد في عرينه، ولسان حاله يقول:

خرجنا من السجن شم الأنوف *** كما تخرج الأسد من بابها

نمر على شفرات السيوف *** ونأتي المنية من بابها

ونأبى الحياة إذا دنست *** بعسف الطغاة وإرهابها

وتحتقر الحادثات الكبار *** إذا اعترضتنا بأتعابها.

وتعلم أن القضا واقع *** وأن الأمور بأسبابها

وإن تلق حتفًا فيا حبذا *** المنايا تجيء لخطابها

يخرج من السجن ليبايع بعدها رائعة الصمود وبطل العقيدة الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله ويتولى إمرة منطقة العباسية بالكامل ويظل مسؤولًا عنها حتى محنة عام ١٩٥٤م.

صاحب الزنزانة المثلثة.. ودرس في الثبات: دخل الأستاذ محمود أبو رية سجن القلعة في عام ١٩٥٤م في شهر يناير ووضع في زنزانة تسمى الزنزانة المثلثة، اثنان من جدرانها الثلاثة من صخور الجبل الصماء والجدار الثالث هو الداخل في السجن، ودرجة الحرارة فيها في الشتاء تصل إلى ما تحت الصفر، وضع في هذه الزنزانة عاريًا كما ولدته أمه ووضع بأرضية الزنزانة قرابة ارتفاع ٢٠ سم من الماء حتى لا يستطيع الجلوس أو النوم .. يقول رحمه الله: فكنت أسير إلى جوار الحائط ذهابًا وإيابًا حتى لا أتجمد من شدة البرد، حتى إذا ما حل التعب بي كنت أستند إلى ركن الزنزانة بكتفي فتأخذني سنة من النوم، فأرى النبي...... وحوله الصحابة، وأرى في مجلسهم حسن البنا والهضيبي، فأعلم أننا على الطريق، فتزداد نفسي صلابة ويقيني يقينًا وإيمانًا، وبعد مرور يومين كاملين وأنا على هذه الحال وجدت أن الماء الذي أسير فيه أصبح دافئًا فأثار ذلك عجبي ودهشتي وقلت لابد أن هناك شيئًا في الأمر، فتحسست الماء فوجدته دافئًا ولما نقلت يدي من الممر الذي أسير فيه إلى باقي ماء الزنزانة كادت أصابعي تسقط من شدة الماء وبرودته فأدركت أن عناية الله تحيط بي وأن هذه كرامة من الله لي. فرفعت يدي إلى السماء ودعوت الله قائلًا: اللهم ارزقني رزقًا حلالًا طيبًا، فناداني جندي من عين صغيرة في جوار الزنزانة المطلة على طرقة السجن يا مسجون قلت نعم قال: هذا رغيف وبيضة هما غذائي، أرجو أن تأكلهما وتأكل البيضة بقشرها حتى لا يفتضح أمري فأقتل أو أهلك بسببك، وبعد ثلاثة أيام فتحوا باب الزنزانة لعل البرد يكون قد قضى علي. ولكن إرادة الله فوق كل إرادة ... وبدؤوا معي التحقيق فلم يجدوا مني أي جدوى فجاؤوا بأحد الإخوان وظلوا يعذبونه لأخذ اعتراف منه إلى أن قضى نحبه أمامي رحمه الله، وجيء بآخر فحدث له ما حدث لصاحبه من قبل، رحمهما الله وتقبلهما في الصالحين، فقال المحقق أنقذ نفسك من الموت، وعلقت على عروسة، التعذيب وبدأت الكرابيج تنهال علي - وأنا أقول: الله الله الله، ولما اشتد بي العذاب خشيت الفتنة فرفعت رأسي إلى السماء وقلت: اللهم خذ مني ذاكرتي فأنا مسؤول عن قرابة عشرة آلاف إنسان ومعنى ذلك خراب آلاف البيوت فأخذ الله مني ذاكرتي على الفور، وظلوا هكذا أيامًا وشهورًا يسومونني من صنوف العذاب وأنا لا أعرف أي شيء حتى عن نفسي ولا من أنا وحكم علي بالسجن المؤبد، وبعد ثلاث سنوات جاءت زوجتي لزيارتي في السجن وحينما جاء الوقت المحدد للقائها طلبت من الله تعالى أن يذكرني باسمها حتى إذا ما كان بيني وبينها إلا متر واحد تذكرت اسمها فألقيت عليها السلام باسمها، ويمضي الأسد في عرينه عشرين عامًا كاملة ويخرج من السجن في أواسط السبعينيات ليجد له ولدًا وحيدًا ترك أمه وهي حامل فيه اسمه «أسامة».. فلقد صبرت زوجته الصبر الجميل وربت أسامة أحسن ما تكون التربية وكان يقول إن الله عوضني عن سجني بهذه الوجوه الكريمة وعلمت أن جهدنا لم يضع سدى وإن كان لي من صلبي أسامة واحد فلي مئات الآلاف أبناء وأحبة أرجو الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته يوم القيامة. 

دعوة لأبي أسامة: قلت له يومًا: زوجك الله من الحور العين ياعم الحاج فقال: يا أخ أحمد ادع الله لزوجتي أن تكون رفيقتي في الجنة فأنا لا أرضى بها بديلًا.. فلقد صبرت معي وجاهدت بكل غال ونفيس فباعت حليها ومتاع بيتها وصبرت واحتسبت احتساب الصابرين فكيف أرضى بها بديلًا.

كان الحاج محمود أبو رية شعلة من الكفاح إذا حملته الأراضي والوهاد لحظة حملها هو على كاهله أيامًا وسنين.. يتحرك وقد شارف على الثمانين وكأنه ابن العشرين، ويدخل السجن في محاكمة عسكرية هزلية عام ١٩٩٥ ليقضي ثلاثسنوات أخرى في السجن لتكون تاج وقار آخر على جبينه وهو مريض بتليف في الكبد ويصاب بالغيبوبة الكبدية من أن الآخر .. ولكن يقابل كل ذلك بصبر الدعاة الصادقين.. ويقين الدعاة العاملين ويقضي العقوبة الظالمة ويخرج إلى الحياة ليكمل المسيرة الخيرة ويتحرك في العمل في الدعوة المباركة ليرود إخوانه رغم كبر سنه وعظم مرضه. 

يا دنيا تعالي واسمعي.. وصبي من سناك الأروع، واكتبي بحروف من نور على وجنات الحور، هل عرفت الدنيا حيًا مثل هذا الحب لدعوة الله في هذا العصر، أو جهادًا مثل هذا الجهاد؟ إنه الكفاح والتضحية في الله تربى عليها وربي أتباعه عليها، مرارًا وتكرارًا، فلكم سمعنا منه دروسًا عن التقوى، ودروسًا عن الأخوة وكان مثالًا حيًا لم يقل فحسب بل ويعلم ويربي، يرحم الله الحاج محمود أبو رية فلقد مات عن عمر يناهز الثانية والثمانين في ٢٧ جمادى الأولى ١٤٢٥هـ.

اللهم اقبله في الصالحين، وألحقنا به غير خزايا ولا مفتونين.

62 عامًا في حقل الدعوة

في ساعة متأخرة من مساء الأربعاء 14/7/2004 انتقل إلى جوار ربه الداعية المجاهد عقب حياة حافلة بالجهاد والعطاء والمحن والابتلاءات قضاها كلها صابرًا محتسبًا.

وقد أم المصلين في صلاة الجنازة فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وحضرها الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد العام، والأستاذ محمد هلال وعدد من أعضاء مكتب الإرشاد وقيادات الإخوان بمحافظة الدقهلية والآلاف من المشيعين.

وذكر موقع إخوان أون لاين الناطق باسم جماعة الإخوان أن «أبو رية»، تعرف إلى الإخوان عام ١٩٤٢م، ثم أسس شركة للأدوات الكتابية والمنزلية بالقاهرة حتى يتفرغ للدعوة في منطقة العباسية، التي كان مسؤولًا عنها، وكان - رحمه الله - من الحرس الخاص للإمام حسن البنا، وصحبه في زيارات كثيرة، ثم اعتقل عام ١٩٤٨ في الطور، وأفرج عنه بعد اغتيال الإمام البنا.

ثم عمل الفقيد - رحمه الله- في العريش فترة من الزمن، وانتقل إلى غزة ثم إلى القاهرة تزوج عام ١٩٥٣م، ورزق بابنه الوحيد محمد أسامة.

وفي العهد الناصري اعتقل عام ١٩٥٤م، وحكم عليه بالمؤبد - وعمر وليده الوحيد ثمانية أشهر - وانتقل بين كل سجون مصر ليمان طره - أبو زعبل- الواحات - المحاريق - قنا ...).

خرج من السجن عام ١٩٧٤م، وعمل لمدة سنة في المنصورة بجمعية تعاونية ثم انتقل للقاهرة وعمل في الجامعة العربية حتى أحيل إلى المعاش.

وأخيرًا آثر أن تكون محطة حياته الأخيرة في قريته ميت خميس، واستمر في ممارسة دوره في الدعوة بمحافظة الدقهلية - وسط الدلتا - ، والتي ارتبط اسمها ببصماته في التربية باعتباره مسؤولًا عن الإخوان بها، ليودعها عن عمر يناهز ۸۲ عامًا، قضى منها ٦٢ عامًا حاملًا لواء دعوة الإخوان المسلمين.

([1]) من تلامذة الأستاذ أبو رية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل