; حالة العالم الإسلامي الانتخابات البلدية التركية.. النتائج والارتدادات | مجلة المجتمع

العنوان حالة العالم الإسلامي الانتخابات البلدية التركية.. النتائج والارتدادات

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الأربعاء 01-مايو-2019

مشاهدات 75

نشر في العدد 2131

نشر في الصفحة 44

الأربعاء 01-مايو-2019

 

العدالة والتنمية حصل على 39 بلدية والجمهوري على 21 والحركة القومية على 11 والشعوب على 8

تحالف الجمهور حصل على نحو 52% من نسبة الأصوات و50% من بلديات المحافظات والمدن الكبرى

حضور العدالة والتنمية يتراجع بشكل مستمر ومتدرج في البلديات الكبرى وهو أمر له دلالته

 

 

أجرت تركيا نهاية مارس الماضي انتخابات الإدارات المحلية والبلديات الخاصة بها، التي ساهمت عدة عوامل وتطورات في تحميلها دلالات سياسية أبعد من المحليات، ورفعها لمستوى الاستفتاء على عدة أمور، من بينها النظام الرئاسي، والأداء الحكومي، ورؤساء الأحزاب السياسية المختلفة.

 

الانتخابات البلدية كانت الأولى بعد إقرار النظام الرئاسي في استفتاء عام 2017م، وبدء تطبيقه مع الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في يونيو الماضي، وهو الذي انقسمت النخبة السياسية حوله إلى حلفين رئيسين؛ الجمهور المكوّن من العدالة والتنمية والحركة القومية داعماً له، والأمة المكون من الشعب الجمهوري والجيد، وإلى حد ما السعادة، وضمناً الشعوب الديمقراطي رفضاً له.

كما أن تركيا شهدت الفترة الماضية أزمة مالية/اقتصادية كبيرة لم تتعافَ منها تماماً، وما زالت آثارها على المواطن التركي مستمرة؛ ما جعل البلديات بمثابة استفتاء على مدى كفاءة الحكومة في معالجتها.

وأخيراً، ساهم الاستقطاب السياسي الحاد في المشهد التركي برفع سخونة الحملة السياسية للانتخابات البلدية، بحيث باتت منظومة التحالفات والأحزاب المشاركة فيها وخطابها وشخوصها وفي مقدمتهم قادة الأحزاب السياسية على محك تقييم الناخب.

 

النتائج والدلالات

اقترع الناخبون الأتراك لاختيار رؤساء بلديات 81 محافظة من بينها 30 مدينة كبيرة، وكذلك رؤساء البلديات الفرعية (الأحياء) في المدن الكبرى ومجالسها البلدية، إضافة لاختيار «مخاتير» الأحياء الصغيرة.

في النتائج، تقدم حزب العدالة والتنمية بنسبة تصويت بلغت %44.33 تبعه حزب الشعب الجمهوري بنسبة %30.12؛ فالحزب الجيد بنسبة %7.45، ثم حزب الحركة القومية بنسبة %7.31.

لم تنعكس نسبة التصويت هذه بشكل دقيق على عدد البلديات التي كسبتها الأحزاب المختلفة، التي كانت حصيلتها 39 بلدية محافظة ومدينة كبرى لحزب العدالة والتنمية، و21 لحزب الشعب الجمهوري، و11 لصالح حزب الحركة القومية، و8 لحزب الشعوب الديمقراطي، وبلدية واحدة فقط للحزب الشيوعي التركي، وبلدية واحدة كذلك فاز بها مرشح مستقل، بينما لم يكسب حزبا السعادة والجيد بلدية أي مدينة أو محافظة مكتفيين ببعض البلديات الفرعية في المدن الكبرى.

في تقييم هذه النتائج يمكن قول ما يلي:

أولاً: حافظ العدالة والتنمية على المركز الأول في المنافسة الانتخابية رقم 15 على التوالي منذ تأسيسه عام 2001م، وتوليه الحكم في السنة التالية عليها، وبفارق كبير عن أقرب منافسيه (اقترب من الضعف).

ثانياً: حصل تحالف الجمهور على نحو %52 من نسبة الأصوات و%50 من بلديات المحافظات والمدن الكبرى، ما أبعد سيناريوهات عدم الاستقرار السياسي والفوضى والمطالبات بانتخابات مبكرة. 

ثالثاً: تراجع نصيب العدالة والتنمية من البلديات من 50 إلى 39 رغم ثبات نسبة تصويته، خاسراً أكثر من %20 من بلديات المدن والمحافظات التي كان يديرها وفي مقدمتها أنقرة وإسطنبول.

رابعاً: زاد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، عدد بلدياته من 13 إلى 21، ويمكن اعتباره أحد أكبر الفائزين في الانتخابات.

خامساً: كان حزب الحركة القومية، وبالتحديد رئيسه «دولت بهجلي»، أحد أكبر الفائزين في هذه الانتخابات كذلك، حيث رفع عدد بلدياته من 8 إلى 11 رغم أنه خسر تقريباً نصف عدد أصواته بالمقارنة مع انتخابات عام 2014م، ويبدو أنه استفاد أكثر من العدالة والتنمية من تحالفهما.

سادساً: تراجع حضور العدالة والتنمية في البلديات عموماً ترافق مع تزايد حضوره في بلديات مناطق «الأغلبية الكردية» في الشرق والجنوب الشرقي مقابل تراجع حزب الشعوب الديمقراطي (القومي الكردي).

سابعاً: يتراجع حضور العدالة والتنمية بشكل مستمر ومتدرج في البلديات الكبرى تحديداً، وهو أمر له دلالته من حيث حضور الشباب والأزمة الاقتصادية بشكل أوضح في هذه البلديات.

ثامناً: ثمة مفارقة واضحة بين نتائج حزب العدالة والتنمية في رئاسة البلديات الكبرى ومجالسها البلدية؛ حيث تراجع حظه في الأولى وكرر في الثانية حصوله على أغلبيتها، ما يمكن اعتباره تصويتاً ذكياً ومقصوداً من الناخب التركي الذي وجه رسالة تحذيرية للحزب دون أن يدير ظهره له تماماً.

 

التداعيات

يمكن قراءة تداعيات الانتخابات البلدية التركية في عدة سياقات:

1 - على الصعيد السياسي: ليس هناك تداعيات مهمة لهذه الجولة من الانتخابات، من حيث كونها انتخابات بلدية وعدم تأثيرها على الرئاسة/ «أردوغان» وعلى الحكومة والبرلمان، وكذلك من حيث نتائجها التي أعطت فوق الـ%50 من الأصوات ورئاسات البلديات لتحالف الجمهور المكون من العدالة والتنمية والحركة القومية، كما يسحب الذرائع من المعارضة للادعاء بأن شعبية «أردوغان» وحزبه قد تراجعت.

2 - على الصعيد الاقتصادي: ليس هناك تداعيات مباشرة لهذه الانتخابات على الاقتصاد التركي لنفس الأسباب السابقة، ولم يُلحظ تأثير مباشر وسريع لها على سعر صرف الليرة التركية مثلاً، لكن حالة الاستقرار وغياب التنافس الانتخابي في المرحلة المقبلة وحتى عام 2023م سيمنح الرئاسة والحكومة فرصة جيدة للعمل على الإصلاحات الاقتصادية؛ وهو ما وعد به «أردوغان» بعد الانتخابات مباشرة.

3 - على الصعيد الحزبي: يمكن اعتبار الانتخابات البلدية الأخيرة كشف حساب للأحزاب السياسية المختلفة وقياداتها، وعليه يبدو أن زعيم حزب الشعب الجمهوري سيكون أقوى أمام التيار المعارض له داخل حزبه في الفترة المقبلة مما كان عليه في السابق، بعد التقدم الذي حققه وخصوصاً في بلديتي أنقرة وإسطنبول.

أما حزب العدالة والتنمية، فيبدو أن احتمالات تأسيس حزب منافس له من القيادات السابقة فيه بقيادة الرئيس السابق «عبدالله جول» قد ازدادت بعد الانتخابات، والرسالة التي أوصلها الناخب له فيها؛ ما يعني أن قرار إعلان الحزب قد يُبكَّر بالنسبة لهذه القيادات، ومما يزيد من وجاهة هذا الطرح عدد التصريحات التي قدمها «جول» نفسه بعد الانتخابات وأعاد نفسه من خلالها للحلبة السياسية.

ولعل مما يمكن توقعه بعد هذه الانتخابات تعديلاً وزارياً في الحكومة التركية، وكذلك مؤتمراً استثنائياً لحزب العدالة والتنمية يؤدي فكرة التجاوب مع رسائل الناخبين، وكذلك فكرة التغيير والتطوير والتشبيب التي يحرص عليها الحزب مؤخراً، مع الإشارة إلى أن الناخب -فيما يبدو- يريد أكثر من التغييرات في الهياكل القيادية والإدارية وصولاً للخطاب والسياسات والتحالفات وما إلى ذلك.

4 - على الصعيد البلدي: أنتجت الانتخابات نتائج متباينة وخريطة مختلفة في البلديات الكبرى تحديداً، وخصوصاً في بلديتي أنقرة وإسطنبول، حيث سيرأس حزب الشعب الجمهوري البلديتين بينما يمثل العدالة والتنمية أغلبية مجلسيهما البلديين، بهذه الطريقة لن يكون صعباً على الشعب الجهوري تغيير رؤى البلديتين وسياساتهما بشكل جذري فقط، ولكن سيكون من الصعب كذلك عليه إدارة البلدية دون الحوار والتنسيق مع العدالة والتنمية.

هذا الأمر سيكون تحدياً كبيراً، وقد ينتج عنه أزمات واصطدامات في المدى القريب بسبب التغير المفاجئ والتناقض بين الطرفين، لكنه قد يمثل فرصة على المديين المتوسط والبعيد لفتح آفاق الحوار والتوافق والتنسيق بين الحزبين والتحالفين (الجمهور، والأمة) في سبيل إنجاح عمل البلدية وخدمة المواطن.

في الخلاصة، ثبّتت الانتخابات البلدية الأخيرة في تركيا الملامح الرئيسة للبلديات ومنظومة التحالفات القائمة ورسختها أكثر، وأبقت على الخريطة الحزبية بدون تعديلات تذكر، لكنها حملت متغيرات مهمة على صعيد بعض البلديات وفي مقدمتها أنقرة وإسطنبول، كما تضمنت رسائل مهمة من الناخب التركي للعدالة والتنمية وباقي الأحزاب السياسية سيكون على رؤسائها التفاعل معها بالطريقة المثلى لضمان نتائج أفضل في المناسبات الانتخابية القادمة، وهو أمر قد يكون إيجابياً لخفض مستوى الاستقطاب السياسي في البلاد والتفرغ للمشكلات الرئيسة التي تواجهها التي تتطلب بالتأكيد تضافر جهود مختلف الأطراف.>

الرابط المختصر :