العنوان ١٥ تحديا أساسيا تواجهها في القرن الحادي والعشرين
الكاتب حامد عبدالماجد قويسي
تاريخ النشر السبت 16-يونيو-2001
مشاهدات 75
نشر في العدد 1455
نشر في الصفحة 36
السبت 16-يونيو-2001
دراسة في مظاهر وأسباب التراجع السياسي للحركة الإسلامية
الدعوة واجب فردي في الأساس وحين ينتقل من قناعة فردية إلى سلوك جماعي يتحول إلى حركة
شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا واضح المظاهر والمؤشرات في مسيرة الحركة الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية والغرب، فيما يتعلق بوجودها على صعيد العمل السياسي الإصلاحي والتغييري، ولنا أن نتذكر أنه قبل عقدين من الزمن تقريبًا حيث كانت الحركة في مرحلة صعود وانتشار هناك من كتب يوضح العوامل والمتغيرات ويحلل الأسباب الواقعية التي قادت إلى ذلك، واليوم وهي تتعرض- كأي ظاهرة سياسية واجتماعية- لحالة من التراجع السياسي بعد هذا الصعود فإن هؤلاء المحللين مدعوون المناقشة العوامل التي تقود إلى التراجع وطرح التساؤلات حول مؤشراته الملحوظة وتحليل مظاهر وأسباب عدم الإنجاز السياسي للجماعات والتنظيمات التي رفعت شعارات المشروع الإسلامي، أو حاولت تطبيقه.
إذا كان هناك من كتبوا -في السبعينيات والثمانينيات وحتى أوائل التسعينيات- ناصحين ومقدمين رؤية من داخل الحركة الإسلامية عن المراجعة والنقد الذاتي فإنهم مدعوون المواصلة المهمة على نحو أعمق وبمستوى أكثر تخصصًا وبدرجة أكبر من الصراحة بعدما وضحت نواحي التراجع، بل إنه يمكن القول إن تلك الكتابة أصبحت من فروض الوقت، إذ إن رجل التجربة والممارسة عليه أن يتأمل كيف أن الحركة التي بدا في لحظة من اللحظات أن الأمة أناطت بها مهمة الإصلاح والتغيير ورأت أنها وسيلة عبور أزمتها الحضارية لمواجهة المشروع الصهيوني والتحدي الغربي من ناحية واستبداد أنظمة متسلطة من ناحية أخرى، أصبحت تعاني من أزمة شاملة ومعقدة تعيقها عن القيام بهذا الدور وتلك الوظيفة، وممارسة هذه المراجعة لهي دليل على وعي بطبيعة الحركة ذاتها وجوهر رسالتها ودورها الإصلاحي والتغييري المطلوب.
ليس المطلوب فيما أعتقد إجراء تقييمات جزئية لأخطاء سياسية ترتكبها حركات سياسية وإصلاحية والاعتراف بها داخل أطر محددة ومحدودة، وإنما المطلوب مراجعة جادة للكسب السياسي والدعوي على المستوى الكلي والشامل، وبيان مدى القدرة على الاستجابة للتحديات التي يفرضها الوقت الراهن بكل متغيراته.
مظاهر التراجع: لعل من أبرز مؤشرات التراجع الإجمالي هو كيفية تعامل الحركة الإسلامية مع قائمة التحديات التي تواجهها وتجعل من أدوارها ومسيرتها الإصلاحية والتغييرية في الوقت الحالي على الأقل موضع تساؤل، ناهيك عن تلك المتصلة بعملية صناعة القرارات الإستراتيجية فالتجارب العلمية للممارسة السياسية الإسلامية التي قادتها بعض جماعات وتنظيمات في الحركة ووصلت عبرها إلى الحكم في دول مثل إيران وأفغانستان والسودان تواجه تحديات ومشكلات حقيقية إن لم يكن فشلًا بدرجات متفاوتة والتجارب العملية للممارسة السياسية عبر المشاركة في السلطة التنفيذية، والتشريعية عبر العمليات الانتخابية والبرلمانات في أقطار مثل تركيا والأردن واليمن والكويت ومصر دون الحديث عن باكستان ودول جنوب شرق آسيا هي الأخرى تشهد إما تكرارًا أو مراوحة في المكان أو تراجعًا فعليًا، ونحسب أن ما يلاحظه المحلل المتابع لهذه الظاهرة في هذا الصدد فيه من المؤشرات ما يؤيد ما نذهب إليه كما أن عمليات العنف السياسي والقتال التي اعتبرتها بعض التيارات وسيلة للتغيير السياسي وصلت إلى أفق مسدود من وجهة نظرها وأعلنت بعض قياداتها وقفها والتراجع عنها.
ضمانات الموضوعية: يعلم الكاتب أنه يخوض في قضية بالغة الدقة والحساسية يرى البعض أن عدم التعرض لها أجدى، أو أننا لا ينبغي أن نعرض لها على الصفحات المنشورة لاعتبارات شتى، ورغم أنني أقدر دوافع بعض هذه الآراء إلا أنني أرى خلاف ذلك كل الذي نتطلبه عند التعرض لهذه القضية الحساسة هو الأمانة والموضوعية وهذه يمكن أن تتوافر عبر ضمانتين.
الأولى: الضمانة الأخلاقية وتتحقق حين تتناول الدراسة ظاهرة لاحظتها بشكل مباشر وعايشتها معايشة واقعية.
الثانية: الضمانة العلمية وتتحقق حين يكون الدارس متخصصًا في الظاهرة التي يتناولها بالدراسة، الأمر الذي يعطي إمكانًا لعلمية التناول وموضوعيته، حيث لا تمثل الكتابة فيه ترفًا أو هواية، بل تخصصًا.
ورغم أن الدراسة تمتلك قرائن ومؤشرات ثابتة على القضايا التفصيلية فإنها مهتمة بتشخيص الداء العام الذي أصاب المناطق والأعصاب الحساسة في الجسد دون تفاصيل محاولة تلمس أبعاد التحدي لكي تواجهه إذا أرادت أن يكتب لها البقاء الحقيقي.
ماهية الحركة الإسلامية، تحديد المفهوم وبيان الظاهرة السياسية:
لن ندخل في جدل المصطلحات حول تحديد تلك الظاهرة التي سنعرفها عمليًا وإجرائيًا عبر التمييز بين مستويات ثلاثة هي الدعوة والحركة، والتنظيم على ما بينها من تداخل وتشابك فالدعوة واجب فردي في الأساس يفترض أن يمارسه كل مسلم قولًا وعملًا وهو يتحول إلى حركة وتيار حين ينتقل -أي واجب الدعوة- من قناعة فردية إلى سلوك جماعي، وهذا ما نسميه التعبير الاجتماعي للحركة أو الجسد الاجتماعي وهو الرصيد المتدين الذي يعتبر المجال الحيوي أو المعين الذي تتشكل منه الحركة في مستواها الثالث والذي يظهر للوجود حين تحاول الحركة تجسيد الدعوة في إطار دولة ونظام سياسي ومن ثم تصبح الحركة الإسلامية هي الجماعات والتنظيمات الإسلامية التي تمثل التعبير السياسي عن هذه الحركة الشعبية أو المجتمعية، فالحركة الإسلامية إذن هي التيار الشعبي والاجتماعي الذي ينطلق من فهم معين ومحدد للإسلام كدعوة، ويريد تحويله أو تجسيده في دولة ونظام سياسي محدد على الأقل في المرحلة الأولى عبر مجموعة من الوسائل والأدوات المختلفة التي يراها تدور في إطار المشروعية الإسلامية.
وبالتالي فإننا لا نقصد جماعة من الجماعات أو حركة بعينها من الحركات، ولكننا نعتقد أن التوصيف والتحليل العلمي للتحديات ينطبق على الجميع بدرجات متفاوتة وفق هذا المفهوم الذي حددناه للحركة الإسلامية.
معادلات التحدي والاستجابة: تدور الإشكالية الأساسية للموضوع حول تحديد طبيعة العلاقة واتجاهاتها بين التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية وتعوق جهودها السياسية الإصلاحية والتغييرية من ناحية، ومستوى الاستجابات التي تقدمها الحركة على هذه التحديات ونوعياتها من ناحية أخرى، يمكن الإجابة عنها عبر تناول أربعة متغيرات وهي:
الأول: تحديد طبيعة وماهية التحديات الحالية، ومستوياتها.
الثاني: فقه الخبرة التاريخية بصدد سنن التغيير والإصلاح في الحركات السياسية والاجتماعية المختلفة.
الثالث: فقه طبيعة الصراع الذي تواجهه الحركة ومعادلاته.
الرابع: تحديد مدى الاستجابات التي تقدمها الحركة على تلك التحديات، وسوف نقتصر هنا على بيان قائمة تحليلية بأهم هذه التحديات الواقعية.
التحديات الأساسية التي تواجه الحركة في الوقت الحالي
تنبع هذه التحديات من مستويات ثلاثة متفاعلة مع ملاحظة أن بعض هذه التحديات يواجه الحركة الإسلامية كما يواجه غيرها من الجماعات التي تؤكد على قضية الهوية والتمايز الحضاري والعقدي عن الحضارة السائدة والمهيمنة
البيئة الدولية والإقليمية
المستوى الأول: التحديات النابعة من البيئة الدولية والإقليمية والنظمية، ويمكن إجمالها في أربعة تحديات رئيسة على النحو التالي:
1. تحدي الخضوع للهيمنة الأمريكية والغربية:
أضحى هذا التحدي واضحًا وماثلًا للعيان بحيث غدا من المتفق عليه بين غالبية الباحثين أن معظم جوانب القرار الاستراتيجي العربي والإسلامي تحدده الولايات المتحدة في معظم القضايا المصيرية والقضايا الأساسية «قضية الصراع مع الكيان الصهيوني مثال بارز»، كما أن ملف الحركة الإسلامية واستراتيجية التعامل معها يعد أحد هذه الملفات الأساسية المدرجة في علاقة معظم الأنظمة مع الولايات المتحدة التي تعتبرها إجمالًا من أقوى التهديدات للهيمنة والمصالح الأمريكية في المنطقة، فهل تمتلك الحركة الإسلامية رؤية لكيفية التعامل مع هذا التحدي الذي لم يعد خارجيًا في معظم الأقطار وصار يشكل معظم السياسات الداخلية تجاه الحركة؟
2. تحدي التسوية مع الكيان الصهيوني:
يمتلك الكيان الصهيوني رؤية واستراتيجية ثابتة للتعامل مع قضايا المنطقة وهو يدرك على نحو واضح أن عدوه الحقيقي هو الحركة الإسلامية ذات الامتداد الشعبي، والذي يطالع مقررات قمة شرم الشيخ وما كتبه وزير الخارجية شيمون بيريز يجد ذلك ماثلًا بوضوح حيث يعتبر الحركة التي توصف بالإرهابية والأصولية هي العدو المشترك لإسرائيل والأنظمة الحاكمة في المنطقة، ولعل ممارسات السلطة الفلسطينية مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي عبر ما يسمى بالتنسيق الأمني من الأمثلة الواضحة في هذا الصدد فهل تمتلك الحركة الإسلامية ككل بل والحركات التي تقود خيار المقاومة رؤية متبلورة المستقبل القضية ومستقبلها في إطار معادلات الواقع، والمبدئية التي تنطلق منها، والمنهجية التي تلتزم بها؟
3. تحدي علاقة الأنظمة بالحركة الإسلامية:
تعتبر غالبية الأنظمة السياسية الحاكمة -ويتفاوت بينها في «الدرجة»- الحركة الإسلامية النقيض الأساسي و«العدو الرئيس» لها في الوقت الحالي، ولذلك فإن وجودها الاجتماعي والسياسي يتراوح بين «الحظر القانوني» و«السماح الفعلي المحسوب»، وتعتبر الأداة الأمنية في غالب الأحيان أداة التعامل معها عبر حصار أمني تتمثل مفرداته في عمليات القبض والاعتقال والإجهاض وشل الفاعلية، وإذا كان البعض بري أن الحركة قد قررت المشاركة السياسية خيارًا استراتيجيًا لها إذا جاز القول، فهل توقفت الحركة لتقييم مدى جدية هذا الخيار في وصولها لأهدافها، وتحقيقها للتغيير المنشود أم أن المشاركة تحولت إلى أداة لتكريس الأوضاع وتحولت الحركة إلى مجرد رقم سهل في المعادلة السياسية؟
4. التحدي الفكري والمعلوماتي والسياسي لظاهرة العولمة؟
يعتبر التنميط والأمركة أحد مظاهر العولمة وجوانبها، والنقيض لفكرة «العالمية»، التي هي أحد مرتكزات الحركة الإسلامية، ومن آثارها إضافة إلى عملية التنميط تذويب الهوية والوطنية والقومية وفي الوقت نفسه إبراز منطق الأقليات الإثنية والدينية الأمر الذي يمثل تحديًا من نوع آخر للحركة يتطلب نوعًا محددًا من الاستجابة.
كما أن ثورة الاتصالات تفرض تحديًا يتعلق به نوعية المعلومة، وإمكانية السيطرة عليها أو احتكارها وكذلك مضمون المعلومة من يحدده ويمتلكه إلخ.
فهل تمتلك الحركة الإسلامية رؤية محددة وواضحة للتعامل مع منطق العولمة بما تفرضه من تحديات عليها وعلى مجتمعاتها، وما تتيحه من فرص للعمل والتطور السياسي وغير السياسي.
السياق المجتمعي
المستوى الثاني: التحديات النابعة من السياق المجتمعي الذي تعمل فيه الحركة ويمكن تقسيمها لأربعة:
1. شعبية الحركة الإسلامية:
لم يثبت حتى الآن بشكل علمي مدى قناعة قطاعات الرأي العام في الأمة باعتبار الحركة الإسلامية وما تقدمه البديل المطلوب للاستجابة لاحتياجاتها أو هو الممكن للإصلاح والتغيير والمؤشرات المتوافرة بهذا الصدد -من خلال العمليات الانتخابية- حتى الآن تدل على أن الحركة تحوز في أحسن الأحوال من ٢٠%- ٢٥% من تعاطف قطاعات الأمة، بالطبع نحن لا نقول كثيرًا على صدقية الانتخابات كمؤشر ومعيار نتيجة ما يشوبها من تزوير منظم، لكنها قد تكون المقياس المتاح على المستوى الشعبي العام حتى الآن، وعلى أي حال فإنه لا يمكن أن يتم إصلاح أو تغيير على أساس الاهتمام والتعاطف فقط، كما أن المراهنة على مواقف ثابتة للرأي العام أو خصائص دائمة أمر تعوزه الأدلة العلمية، فإلى أي مدى تدارست الحركة الإسلامية مدى شعبيتها في الوقت الحالي وهل هي القوة الشعبية الحقيقية أم أنها القوة الأكثر تنظيمًا وانضباطًا وهل الأغلبية الصامتة أو المقموعة تقف بالضرورة مع الحركة الإسلامية؟ وهل التعاطف السياسي في الانتخابات يعني موقفًا سياسيًا مؤيدًا بالضرورة للحركة أم أنه يمكن أن يكون أيضًا كراهية في الآخر وليس حبًا بالضرورة في الحركة؟ أسئلة كثيرة هل تمتلك الحركة الإسلامية إجابات شافية لها؟
2. نخبوية الحركة:
تعد الحركة الإسلامية قوة منظمة في مجتمعاتها بدرجات متفاوتة إلا أنها به مقاييس الكم والوضع ما تزال نخبة مركزة في طبقات وفئات اجتماعية، وأوساط ثقافية محددة، وهذه ذات سمات معينة من حيث خصائصها وقدرتها على التغيير، ومن حيث الإمكانات والفاعلية وقطاعات واسعة من هذه النخبة مستوعبة وموظفة فعليًا لصالح مشاريع أخرى قد تكون منافسة أو مناقضة للحركة الإسلامية، كل ذلك ينبي عليه أنها بإجمال تعاني من ضعف لا يمكنها من الاستجابة المطلوبة، فهل راجعت الحركة الإسلامية الدراسات التي حللت الأسس الاجتماعية لها ولقياداتها، وأوضحت في ضوء ذلك إمكاناتها التغييرية وقدراتها على الفعل السياسي كما أوضحت إمكان استيعابها في هذا الإطار؟ وهل حاولت أن تخرج من هذا النطاق النخبوي لكي تكون حركة شعبية؟
3. اعتبار الحركة جزءًا من المشروع التحديثي للدولة المتغربة؟
يعتبر هذا التحدي من طبيعة مختلفة حيث ينظر للحركة الإسلامية على أنها جزء مهمش من بنية «الدولة المحدثة»، ومن النخبة التحديثية المرتبطة بها، ومع ذلك تختلف معها وتعارضها فهي لم تنبت وتتأسس في مؤسسات الأمة الطبيعية أو تعتبر امتدادًا لها كالمساجد والأوقاف والجامعات الدينية التقليدية الممثلة الرمزية الفكرة الإسلامية مثلًا، إنها موجودة أساسًا في القطاعات المحدثة، والأبنية التحديثية من مؤسسات الدولة الحديثة التي تعاني انصراف قاعدة الأمة عنها وفق القائلين بهذه الحجة، فهل لدي الحركة الإسلامية رؤية للتواصل مع المؤسسات الأصيلة للأمة وإلى أي مدى تطبق هذه الرؤية في الممارسة العملية؟
4. الدور الريادي أو القائد في المجتمع:
قدمت الحركة الإسلامية نفسها باعتبارها قيادة للإصلاح والتغيير في مجتمعاتها وفق شعارات عامة، وكانت هناك درجات من القناعة بذلك في بعض المجتمعات العربية والإسلامية وقد بدأت الظاهرة تتبلور في العقدين الأخيرين التي جربت فيها الحركة ولو جزئيًا عبر درجات مختلفة من المشاركة أو المغالبة لم تنجح الحركة فيها في تقديم نماذج واقعية حقيقية للإصلاح وللتغيير المأمول «بصرف النظر عن الأسباب وبعضها لا دخل للحركة فيه»، وحتى الحالات التي كانت تقدم باعتبارها نماذج لنجاحات الحركة الإسلامية على مستوى الدولة مثل أفغانستان، والسودان وإيران فإن الخلافات والصراعات والتراجعات الحالية التي تعانيها لا تحتاج إلى كبير توضيح أو بيان، وبالنسبة الحركة الإسلامية المشاركة في العمل السياسي فإن المدى المتحقق من ورائها على صعيد العمل الإصلاحي والتغييري ضعيف، فهل تدارست الحركة الإسلامية أسباب تراجع هذا الدور وهل حللت أسباب الإخفاقات التي شهدتها تجاربها في هذا الصدد؟
سبعة تحديات نابعة من داخل الحركة
المستوى الثالث: التحديات النابعة من داخل الحركة الإسلامية يمكن إجمالها في سبعة متغيرات أساسية هي:
1. «الرؤية» و«المشروع»
تحتاج الحركة الإسلامية إلى رؤية منهجية واضحة ومحددة للتعامل مع السلطة السياسية الحاكمة والمجتمع المحكوم، وإلى مشروع سياسي إصلاحي أو تغييري، وفي هذا الصدد يمكن أن تميز -علميًا- بين أمرين أولهما: الفعل الإصلاحي والتغييري من ناحية، والرؤية الحاكمة له والمحددة لمساراته والمنظمة لاتجاهاته من ناحية أخرى فلا يمكن أن ينكر محلل جاد أن هناك أفعالًا حضارية وإصلاحية وسياسية تقوم بها الحركة الإسلامية، ولكن الإشكالية أنها كثيرًا ما لا تنبع من رؤية محددة ومن ثم لا تصب في النهاية في خدمة أهداف واضحة ومحددة، بل إن هذا الغياب يجعل طاقاتها -للمفارقة- موظفة في أهداف ومشاريع مناقضة ولتبرير سياسات معادية للحركة الإسلامية ذاتها.
وثانيهما: التمييز من الناحية العلمية بين المشروع السياسي المتكامل من ناحية، والبرامج الانتخابية التي تحوزها الحركة في معظم الأقطار التي مارست فيها العمل السياسي والنقابي ولذلك ينبغي أن تعترف الحركة بأنها لم تقدم مشروعًا سياسيًا متكاملًا للإصلاح والتغيير على المستوى العالمي أو القطري، وبالطبع هناك مبررات لذلك، بعضها مقبول، ولا يعني ذلك أنه ليست هناك أفكار عامة حول الرؤية السياسية معظمها مستمد من تراث الحركة لكنه في حاجة إلى مراجعة، والخلاصة أن الحركة الإسلامية بإجمال لم تضع مشروعها الإصلاحي والتغييري السياسي بلغة محددة وواضحة صالحة للاستجابة للتحديات التي تعيشها في الوقت الراهن.
2. القيادة:
لا تخرج معظم القيادات الحالية للحركة الإسلامية عن خصائص قيادات حاكمة في الأنظمة التي تعارضها حيث تتصف كلتاهما بسمات وخصائص مشتركة وتعاني أزمات متقاربة منها ما يتعلق من ناحية بشرعية وصولها للقيادة ومن ناحية ثانية: بأحقية وجدارة استمراريتها فيها ومن ناحية ثالثة: بشرعية الإنجاز الذي تحققه وكفاءة الأداء في الأدوار التي تقوم بها. إلخ وليس هناك من طرق محددة وواضحة لتداول القيادة، كما أن معظم القيادات تنتمي إلى الجيل المؤسس ولم تنتقل القيادة بعد إلى أجيال أخرى حتى يتم اختبار مدى مؤسسية الحركة، كما أن غالبية القيادات وصلت إلى مواقعها وتستمر فيها بطرق لا تتضح فيها الشورى الحقيقية، كما غابت عن ممارساتها الأدوار المفترض أن تقوم بها قيادات حركة إصلاحية وبالتالي فإن هناك تساؤلات بصدد التحول من نمط القيادة، إلى الرئاسة، ومن الشرعية المستندة إلى «الخبرة التاريخية»، إلى الشرعية المرتبطة به الإنجاز الفعلي، والالتزام بيناء مؤسسات شورية حقيقية.
3. التحدي التنظيمي والإداري:
وهو تحدٍ يعبر عن أزمة ساهمت في صنعها عوامل واقعية- ليس هنا مجال التعرض لتحليلها وهي أزمة ذات مستويات متعددة جوهرها تحول الحركة إلى حالة إدارية تنظيمية بحيث ابتلع الجانب التنظيمي بقية الجوانب الأساسية، هذا التحدي التنظيمي والإداري بالغ الأهمية لأن العامل التنظيمي والإداري أداة لنقل المشروع عبر الحركة إلى أرض الواقع العملي والفعلي.
4. تناقض الرؤى بصدد الأهداف وأساليب الإصلاح والتغيير:
ظاهرة الأجيال طبيعية تعرفها كل المجتمعات والجماعات البشرية ومنها بالطبع الحركة الإسلامية كتيار مجتمعي لكن الأزمة هنا لا تتعلق بوجود الأجيال من عدمه بل بطبيعة العلاقة بينها، ويحسب للحركة الإسلامية أنها حركة متواصلة الأجيال حيث يمكن على الأقل الحديث عن عدة أجيال داخل بنيتها تختلف باختلاف البلدان، والمشكلة لا تتعلق بوجود صراع جيلي داخل الحركة على القيادة أو خلافه مما تروج له بعض الدراسات غير المتعمقة، ولكن الإشكالية تكمن في أن هذه الأجيال تحمل ما هو أكثر خطورة على مستقبل الحركة ذاتها وهو مجموعة من التصورات المختلفة والرؤى المتناقضة وغير المتناسقة عن ملامح الإصلاح والتغيير كما تحمل الكثير من الرؤى المختلفة عن طبيعة الصراع والتحديات التي تواجه الحركة ومن ثم أساليب التعامل معها والاستجابة لها، وهكذا يوجد داخل الحركة الواحدة حركات وجماعات متفاوتة في درجات إلى حد التناقض في بعض الأحيان، وهذا التحدي قد يخفت تحت ضغوط التحديات الخارجية الواقعة على جسد الحركة لكنه موجود على كل الأحوال ويمكن أن يظهر في لحظات تاريخية ويتفجر في سياقات معينة.
5. انخفاض نوعية ومستوى جودة الأجيال الجديدة:
الأجيال الجديدة التي تم ضمها أو تجنيدها في سنوات العقد الأخير خاصة تعاني -كما يظهر في العديد من المؤشرات- من مشكلات لا تكمن فقط في التراجع الكمي الواضح، ولكن إضافة إلى ذلك فإن نوعية ومستوى العضوية الجديدة هو الآخر يشهد انخفاضًا وتراجعًا ربما يرجع إلى عدم وضوح الأسس التي يتم عليها التجنيد والتصعيد وعدم تطور البرامج التربوية والأنشطة وملاستها وكذلك عدم فاعلية الأشكال التنظيمية التي يتم من خلالها تنفيذ هذه البرامج والأنشطة عمليًا، والتي تحتاج بشكل جاد إلى المراجعة والتجديد بالطبع خاصة وأن السباق المجتمعي في معظم المجتمعات العربية والإسلامية يتجه نحو الانحدار العام.
6. احترام التخصص:
تبدي الحركة الإسلامية في أدبياتها النظرية احترامًا كبيرًا لمسألة التخصص لكن الممارسة حتى في الأنشطة التي تعتبر بطابعها تخصصية لا تعرف ذلك واقعيًا، إذ غالبًا ما يسيطر العقل الإجرائي والبيروقراطي.
7. القيادات الفكرية المرجعية:
تعاني الحركة الإسلامية اليوم نقصًا كبيرًا من ذلك الجيل القائد على المستوى الفكري والمرجعي الأمر الذي عبر عنه البعض بأن الحركة أضحت جسدًا كبيرًا له رأس صغير وإن كنا نرى أنه قد فات زمن المرجعيات الفردية الفذة المجتهدة وأصبحت الحركات الإصلاحية والتغييرية توجد ذلك عبر مؤسسات ومراكز متخصصة للبحث والتفكير المستقبلي، وهو ما لم تعرفه الحركة والتجارب التي حاولتها لم تستطع أن تثبت جدارتها أو قدرتها على الصمود والبقاء ناهيك عن الإنتاج والإبداع.
هذه نماذج من التحديات المطروحة على الحركة الإسلامية وقد اقتصرنا هنا على توصيفها كمقدمة لتحليل أسبابها في موضع آخر باعتبارها قضية بالغة الحيوية.