العنوان حتى تنال أجر الصّيَام
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1975
مشاهدات 11
نشر في العدد 267
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 16-سبتمبر-1975
رمضانيات
حتى تنال أجر الصِّيَام
بقلم
الأستاذ: عمر سليمان الأشقر
عجيب
والله أمر كثير من المسلمين الذين يظنون أن الحج إنما هو سفرة تنفق فيها الأموال
ويطاف فيها بالكعبة ويوقف في أماكن معينة ثم تسألهم لم يحجون فلا يكادون يعرفون
الإجابة، ويظنون أن الحج تراث موروث يقام به تقليدًا للآباء والأجداد، وأولئك
الذين يصلون ولا يعرفون من صلاتهم إلا أنها همهمات تقال وأفعال يوقعونها على غير
بينة عجيب أمرهم أيضًا، وأعجب من هؤلاء وأولئك الذين يمتنعون عن الشراب والطعام
والنكاح طيلة أيام شهر الصيام ولا يدركون من الصيام إلا أنه إرث ورثوه عن الآباء
والأجداد. يدلنا على وجود هذا النوع ما نراه من مخالفات كثيرة من الصائمين الذين
يمتنعون عما أحل الله في غير هذا الشهر ويفطرون على ما حرم الله فيه وفي غيره،
ويدلنا على ذلك استهتار الكثيرين بالشهر وآدابه بل قد يرتكب فيه ما يبطل الصيام،
ويدلنا على ذلك أولئك الذين يغادرون ديار المسلمين إلى بلاد الكفر كي يفطروا بدون
رقيب. والذين يعنوننا في هذا المقال أولئك الذين يصومون تقليدًا وإرثًا وعادة،
فهؤلاء عليهم أن يعلموا أن الصوم لا بد له من نية معينة.. ما لم توجد فإنه يصبح
عدمًا لا نفع له عند الله.
وقد
حددت الأحاديث المقصد الصائب للصائم فقال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان
إيمانًا واحتسابًا...»، فصوم رمضان إنما يكون لهذين الأمرين:
الأول:
الإيمان، فالصائم إنما يصوم استجابة لأمر الله الذي فرض الصوم: "﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]"، لا عادة وتقليدًا، وبذلك يكون الصوم
عبادة يقصد بها وجه الله تعالى.
والثاني:
احتسابًا، فهو يتحمل ما يتحمل في صيامه لا لينال ثناء الناس وحسن الأحدوثة عندهم،
وإنما لينال ثواب الصوم الذي وعد الله به الصائمين. وهذان الهدفان هما اللذان
ينبغي للمكلف أن يقصدهما في كل عبادة: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا...»، وفي
حديث: «من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا...»، و«من احتبس فرسًا في سبيل الله
إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده». وقد تكون للصوم مقاصد تابعة لهذه المقاصد كاكتساب
صحة الجسم وسلامة أجهزته وما أشبه ذلك، ولكن لا يجوز أن نقلب القضية فنصوم لهذه
الأمور التابعة وننسى الأهداف الأصيلة كما يفعل بعض الوعاظ والمدرسين الذين يذكرون
أول ما يذكرون أن الصوم إنما هو لإصلاح أجهزة البدن وليذوق المرء مرارة الجوع
فيشعر بشعور المحرومين...
إن
الإنسان لا يقبل على الأعمال الشاقة إلا إذا وجد من وراء فعلها خيرًا له، فماذا
وراء الصوم؟
وراءه
خير الدنيا والآخرة.
الصيام
تشريع رباني فرضه خالق الكون ضمن تشريع متكامل يفي للإنسان بصلاح متكامل.
ويقوم
تشريع الصوم بعلاج جانب مهم يحس الإنسان بآثاره في نفسه وهو يقوم به ويدرك أمورًا
أخرى بفهمه لكلام رب العالمين الذي شرع الصيام. وأول ما يدفع العبد للصوم ذلك
الأجر العظيم الذي يعد الله به الصائمين: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له
ما تقدم من ذنبه»، و«كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»؛ ذلك أن
الصوم من الصبر، و﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ۬﴾
[الزمر: 10].
قد
يكون ذلك هدفًا، ولكن الهدفين العظيمين هما اللذان حددهما الحديث: "إيمانًا
واحتسابًا".
وعلى
الموجهين والمرشدين أن يعنوا بإيضاحهما وتذكير الناس بهما. وهذا يبين لنا أن الذين
يرفضون طلب الأجر والثواب بالأعمال مرددين قول تلك العابدة: "ما عبدتك خوفًا
من نارك ولا طمعًا في جنتك..." مخطئون كثيرًا، إذ طلب الثواب والخوف من
العقاب هدف أصيل شرعه الله من وراء التعبد بالتكاليف التي ضمنها كتابه وجاء بها
رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولا
يكفي لننال الأجر والثواب الوافي بصيامنا القصد الصحيح الخالص لله سبحانه، بل لا
بد من القيام بالصيام على وجهه المشروع من تبييت النية من الليل في كل يوم؛ لقوله
صلى الله عليه وسلم: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وهذا في صيام
الفرض خاصة، أما النفل فيجوز أن يحدث النية من النهار ما لم يطعم أو يشرب.
وعليه
أن يمتنع من المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولا يتم صومه ما لم يترك
الحرام من سباب وشتائم وغيبة ونميمة وهمز ولمز: «من لم يدع قول الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
وحتى
يتكمل الأجر والثواب عليه أن يأخذ بالمستحبات في الصيام، فيعجل الفطر ويؤخر
السحور؛ لقوله عليه السلام: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور»،
وتعجيله بأن يكون عند الغروب لا عند اشتباك النجوم كما يقول بعض الناس. وقال عليه
السلام في السحور: «تسحروا فإن في السحور بركة»، وأهل الكتاب ليس في صيامهم سحور
ولذلك قال عليه السلام: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور». ويستحب
للصائم أن "يفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه
طهور"، وكان صلى الله عليه وسلم يعجل الفطر قبل الصلاة على شيء خفيف ثم يصلي:
«كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم يكن فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسى حسوات
من ماء». وكان يقول صلى الله عليه وسلم عند فطره: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت»،
وأحيانا يقول: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله». ومما يعظم به
الأجر أن تفطر صائمًا: «من فطر صائمًا أو جهز غازيًا فله مثل أجره».
وجملة
القول أن الصائم ينال الأجر العظيم الذي وعد الله به على الصوم إذا صح قصد الصائم
وخلصت نيته وأتى بالصوم على وجهه المشروع بأن يجتنب ما نهى عنه ويفعل ما أمر به
ويحرص على فعل المستحبات وترك المكروهات، والله المستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل