العنوان حتى لا يهدم السور
الكاتب أحمد عبدالعزيز الفلاح
تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 1985
نشر في الصفحة 10
الجمعة 20-يناير-2012
مطلوب من الشعب أن يدقق في الاختيار ومن الحكومة سعة الصدر ومن السياسيين الابتعاد عن التوتر
إذا كنا نريد أن نقضي على الفساد فيجب ألا تكون وسائلنا فاسدة وتثير التوترات
واجهنا تحدي الغزو وانتصرنا عليه .. فلماذا يريد لنا البعض أن نفشل في التحدي الداخلي ؟!
الحديث هذه الأيام في غير موضوع الانتخابات، قد لا يجد عينًا قارئة أو أذنًا واعية، وخصوصًا بعد أن أصبحت الكويت مادة إخبارية أساسية على أجندة وكالات الأنباء والقنوات الفضائية وخاصة الإخبارية منها.
وقد كان حديث الإخوان والأحباب طوال الفترة الماضية حول نفس الموضوع وقد أبدى البعض منهم قلقه المشروع على البلد، فالمنطقة تعاني من توتر شديد فهناك الملف الإيراني والأوضاع القلقة في العراق والملف السوري المتقلب المزاج وكل هذه التوترات لا تحتاج إلى مزيد من التوتر، ومن الضروري أن ننأي بالكويت عن أن تكون ملفًا إقليميا ساخنا بسبب هذا التشنج الداخلي في إدارة الملف السياسي بين البرلمان والحكومة.
إننا هنا في الكويت ضربنا أروع الأمثلة في الممارسات الديمقراطية الناضجة فأذهلنا من حولنا بمدى تمسكنا بالممارسة الديمقراطية، وصرنا نموذجا يحتذى به يتطلع له الجميع في المنطقة والعالم العربي.. فكيف بعد هذه الصورة المشرفة للكويت نصل فيها إلى ما وصلنا إليه من تشنجات في طرح الآراء وصلت في نهاية الأمر إلى ما وصلت إليه ؟!
الحقيقة أننا - ابتداء - يجب ألا نكابر وننكر هذا التوتر الواضح في العلاقات الحالية بين مختلف التيارات السياسية وبعضها بعضًا، وبينها وبين الحكومة التي نلمس آثارها بالذات في الفترة الأخيرة بشكل واضح لا يحتمل اللبس.
1- ففي المجال السياسي: رأينا ما وصلت - إليه الأمور من طريق مسدود بعد أن انتشرت الألوان الحارة والباردة في الشارع، وبعد أن . خرجت من أروقة المجلس لتنزل إلى الشارع . مستندة إلى تفاهمات تم بناء بعضها عبر المجلس وبعضها عبر الشارع وبعضها عبر شبكة الإنترنت.
2- وفي المجال الديني، وجدنا إثارة - الموضوعات عجيبة غريبة في محتواها وتوقيتها، تفاجأ معها الجميع، في الوقت الذي أصبح فيه للتيارات المنحرفة والهدامة قنوات فضائية تبث سمومها على مدار اليوم الأمر الذي أثار شكوكًا في الشارع الكويتي - فيما إذا كان هذا المنع نتيجة اجتهاد خاطئ أم سياسة مقررة وغير مكتوبة على الورق.
3- وفي المجال الاجتماعي، وجدنا كيف دخلت فرق الدمار تحت سمع وبصر الجميع . وأجرت مقابلات واختبارات واقتنصت من تريد من شبابنا وشابات الأمة، ثم لم نجد جهة أو مرجعية تتحمل مسؤولية ما حدث ولو تخيلنا كيف ستسير الأمور في المستقبل لو دخلت جهات أخرى إلى الكويت ولأهداف غير أهداف الطرب و «الفرفشة»، حيث يدعي الكل الجهل بها أو بمن أدخلها ، تخيلوا ساعتها كيف سيكون الوضع الأمني في الكويت ؟! إلا إذا كان إدخال هذه الفرق أيضًا من سياسة مقررة، وغير مكتوبة على الورق.
4- وفي المجال الاقتصادي، رأينا حالة الفزع والرعب والجزع التي أصابت بعض المتعاملين في البورصة نتيجة الهزة التي حدثت وحالة الارتباك والضنك والضيق والتذمر التي أصابت بعض القطاعات الاقتصادية ومطالبتها بتدخل حكومي وحل
عاجل لما حل بالوضع المالي بالبلد.
5- وفي المجال الفكري، رأينا ونرى كل يوم تشنجًا واضحًا في المقالات والزوايا الصحفية والتي هي بحد ذاتها تعكس حالة توتر فكري وقلقًا واضحًا، تعبر عنه كلمات غاية في الحدة في بعضها، والتجريح والإهانات في بعضها الآخر، ناهيك عن السباب المستتر والصريح في بعض سطور تلك المقالات، وهذا غير التهكم والسخرية على الثوابت الوطنية والدينية والأخلاقية.
وأصبحنا نرى كتابات يتخذ أصحابها مواقف مسبقة، بحيث يتجاهلون الحقائق أو يحرفونها، بهدف الوصول إلى ما يشتهون من نتائج، كما وجدنا كتابات لا يتعب أصحابها أنفسهم في البحث عن الحقيقة الواضحة قبل أن يوجهوا سهام نقدهم الجارح للآخرين، علمًا بأنه في بعض الأحيان تكون هذه الحقائق واضحة ومسطورة في نفس الصحيفة التي يكتبون بها.
إذا التوتير والقلق موجودان، وما التوتر السياسي إلا جزء من التوتر العام الذي ترى مظاهره في مختلف شؤون حياتنا.
إذًا .. بماذا نفسر:
1 - حوادث المرور المروعة والمأساوية مع وجود شبكة من الشوارع والطرق السريعة والرئيسة من أفضل ما في المنطقة والعالم.
وكذلك الحوادث الغريبة على مجتمعنا وخاصة الجرائم الأخلاقية العجيبة التي لم نكن نسمع بمثلها في الماضي القريب؟
2- كثرة القضايا في المحاكم التي تمتلئ بالشكاوى والمتخاصمين؟
أليس كل هذا انعكاسًا للتوتر الموجود في حياتنا بكل مستوياتها وممارساتها ؟ والعجيب عندنا في الكويت أن لا أحد يخطئ ولا أحد يريد أن يعترف بخطئه، ولا أحد مستعد للعودة عن هذا الخطأ، ولم نسمع في يوم أن شخصًا قد اعتذر وتراجع عن موقف اتخذه فالجميع تأخذه العزة بالإثم إلا من رحمه الله!
ولذا أصبح من الطبيعي أن يبحث الجميع عن الواسطات التي تمكنهم من الخروج حتى من الجرائم التي يرتكبونها بحق الآخرين ولو وصلت عقوبة تلك الجرائم التي يرتكبونها بحق الآخرين إلى حبل المشنقة.
لا أدري إلى أين تقودنا نفوسنا الأمارة بالسوء، بحيث يصبح منهج الذات منهجًا قبيحًا مرفوضًا، بحيث الكل عندنا يعتبر نفسه لقمان الحكيم الذي لا يمكن أن يخطئ أو يزل ؟!
إن الكويت في الماضي البعيد والقريب قد واجهت تحديات مختلفة، واستطاعت التغلب عليها، فإذا كان سور الكويت قد حماها في العقود الماضية، وكان وسيلة فعالة في رد هجمات المعتدين والطامعين وحفظ الكويت من كل مكروه وسوء، فواضح أن سور هذا الزمن الذي نعيشه لم يعد مجرد جدار طيني.
ففي هذا الزمان لم تعد الدول تعتمد في مواجهة التحديات على الأسوار والحوائط الإسمنتية، فجدار برلين قد سقط، والجدار العازل في إسرائيل، سيسقط بإذن الله تعالى في القريب العاجل.. لكن ما يبقى منه العلاقات التي تنظم أفراد المجتمع الواحد فكلما تشابكت تلك العلاقات ونضجت وتطورت وتداخلت المصالح المشتركة كان ذلك أدعى لتدعيم الوحدة الوطنية والحفاظ عليها.
والعجيب عندنا أننا واجهنا تحدي الغزو وانتصرنا عليه، وتحدي وجود «صدام حسين» في السلطة وانتصرنا عليه، فلماذا يريد لنا البعض بتشنجه وانفعالاته أن نفشل في التحدي الداخلي على الرغم من هذا التلاحم العائلي والاجتماعي الذي ترتبط به كل عوائل وقبائل الكويت، وعلى الرغم من صغر حجم «ديرتنا » وما حبانا الله سبحانه وتعالى به من نعم ظاهرة وباطنة وتحتكر فيها الثروات قلة قليلة؟
وإذا كنا جميعا نريد أن نواجه الفساد وتنتهي منه مرة واحدة وإلى الأبد، فيجب ألا تكون وسائلنا لإنهاء هذا الفساد بحد ذاتها فاسدة، وتثير من القلاقل والاضطرابات والتوترات أكثر مما تصلح.
ولأئمة المسلمين وعلمائهم مواقف مشرفة وغاية في الجرأة، دفع بعضهم فيها حياته المواجهة الطغيان والاستبداد، ولكن مثل تلك المواقف اختفت في ثنايا كتب التراث والأدب العامة، ولم تؤصل بشكل واضح في مؤلفات محددة بفقه السياسة الشرعية.
وهذا أعطى المجال لكتاب الليبرالية والباطنية إلى التشنيع على علماء أهل السنة واتهامهم بأنهم كانوا من وسائل السلاطين للاستبداد واستعباد رقاب الناس.
تخدير الناس
ونحن في الوقت الذي لا نعني فيه الأمة لا في القديم ولا في الحديث من وجود نفر
من هذه النماذج السيئة من العلماء في الماضي والحاضر الذين يريدون تخدير الناس وتغييبهم عن واقعهم من خلال رفع سيف طاعة ولي الأمر ومساواتهم في ذلك بين دعاة الإصلاح ودعاة الخروج على سلطة ولي الأمر لكن هؤلاء النفر على كل حال موجودون في كل الفرق وفي كل الفئات وعلى مر العصور فهناك من العلماء من هو رباني وهناك من العلماء من هو سلطاني.
العمل السياسي - إذا - ينتظم في أوجه عديدة ضمن السياسة الشرعية التي كتب فيها الماوردي والجويني وابن تيمية وابن خلدون وهو مجال اجتهاد واسع.
فهي إجراءات تهدف إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد وفق الضوابط الشرعية المعتبرة فهي مجال لاختلاف الاجتهادات والآراء فيها بين العلماء.
مجال أوسع للاجتهادات
فالسياسة الشرعية مجال أوسع للاجتهادات من العبادات كالصلاة والصيام والزكاة، ومحل نظر وموازنات بين المصالح والمفاسد لترجيح كفة أعظم المصلحتين وأخف المفسدتين، وهي بحر عميق من أراد الخوض فيه فعليه أن يحسن امتلاك أدوات فقه المقاصد والموازنات وسفن التدرج حتى لا يغرق في هذا البحر أو يسيء للشريعة.
ومثلما هناك ثوابت في الفقه وأصوله وثوابت في العقائد، فهناك أيضًا في السياسة الشرعية ثوابت لا يجوز التعرض لها ليظل هامش الاختلاف واسعا في غير هذه
الثوابت.
مثل هذه الأساسيات قد تفيد كثيرًا في علاج أسباب التوتر الموجودة حاليا في الساحة الكويتية، وخصوصًا أن التيار الإسلامي تيار فاعل في العمل السياسي وله مرجعيات فكرية ومنطلقات عقيدية يلتزم بها ولا يتجاوزها. إننا نرجو من الشعب الكويتي أن يدقق الاختيار، كما نرجو من الحكومة الموقرة سعة الصدر، ومن الإخوة العاملين في الساحة السياسية في الواقع الكويتي ألا يشتطوا كثيرًا ويصروا على هذا التوتر المفتعل حتى لا نصل في نهاية الطريق إلى نفس الأبواب المغلقة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل