العنوان حداثة.. أم تجديد؟ «الأخيرة» : الحداثة .. ثقافة تتمحور حول «الإنسان»
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1709
نشر في الصفحة 66
السبت 08-يوليو-2006
عندما قامت في بلادنا - بواسطة المثقفين الموارنة, الذين صيغت عقولهم وثقافتهم في مدارس الإرساليات الفرنسية- مؤسسات ثقافية وصحف ومجلات، احترفت التبشير بثقافة الحداثة الغربية, وفي مقدمتها مجلة «المقتطف» (١۲۹۳ - ١٣٧١هـ / ١٨٨٩ - ١٩٥٢م) التي أخذت تسرب هذه الحداثة اللادينية تحت لافتات «العلم» و«النظريات العلمية»، كشف المجدد المجتهد «عبد الله النديم» ( ١٢٦١ - ١٣١٣هـ / ١٨٤٥ - ١٨٩٦م) الطابع الإلحادي لهذه الثقافة الحداثية, وتحدث عن هذا الفريق من كتّاب «المقتطف»، واصفًا إياهم أنهم: «أعداء الله وأنبيائه.. والأجراء الذين أنشأوا لهم جريدة جعلوها خزانة لترجمة كلام من لم يدينوا بدين، ممن ينسبون معجزات الأنبياء إلى الظواهر الطبيعية، والتراكيب الكيماوية، ويرجعون بالمكونات إلى المادة والطبيعة، منكرين وجود الإله الخالق، وقد ستروا هذه الأباطيل تحت اسم فصول علمية، وما هي إلا معاول يهدمون بها الأديان....».([1])
ولقد ظل هذا الموقف الواعي بمادية ودهرية ولا دينية ثقافة الحداثة الغربية مميزًا لعلماء الأمة ومفكريها، منذ عصر الجبرتي ... وحتى يومنا هذا .. فوجدنا الدكتور محمد خاتمي يرصد الخصيصة المميزة لثقافة الحداثة الغربية عن ثقافتنا الإسلامية، وعن ثقافة أوروبا ما قبل
التنوير الأوروبي، فيرى أن: «الحداثة لفظ يراد به التحولات التي جرت في الغرب في العصر الأخير من تاريخ الإنسان, وبالتالي يمكن القول، بتعبير أدق، إن الحداثة هي الثقافة التي تتمحور حول الإنسان، في مقابل ثقافتنا التي تتمحور حول الله.. فالحداثة هي روح الحضارة الغربية، المنسجمة معها والمختلفة والمتباينة مع ثقافتنا الإسلامية ومع ثقافة الغرب القروسطية.
لقد كانت ثقافة العالم الإسلامي وثقافة الغرب القروسطية، على نحو ما ، نوعي جنس واحد, إن لم نقل إنهما صنفان لنوع واحد، وكان أبرز وجوه الشبه بينهما هو محورية الله في فكر الإنسان واعتقاده، وفي نظامه الفكري والأخلاقي والعاطفي..
ولقد حارب الغرب ثقافته القروسطية هذه، وكان من نتيجة جريه عليها ظهور حضارته الحديثة وثقافته الحديثة التي تبوأ الإنسان سدة المحورية فيها.. فكان ذلك التحول - من محورية الله إلى محورية الإنسان- أبرز وجوه الاختلاف بين ثقافتنا وتقاليدنا الثقافية وبين ثقافة الغرب، وحضارته الحديثة....». ([2])
- وإذا كنا قد سبق وأوردنا الاعتراف الصريح لأنصار الحداثة ودعاتها، أن مقصدها وغايتها ومعناها هو إحلال «نظام الطبيعة بدلًا من نظام النعمة الإلهية»، وإحلال «هيمنة العقل بدلًا من مملكة الله»، وجعل «الإنسان وحده المقياس للإنسان»، فلقد كان شجاعًا- والشجاعة تحمد حتى من الخصوم الفكريين! - ذلك الحداثي- الذي يتجاوز الآن «الحداثة» إلى عبثية وتفكيك وعدمية ولا أدرية «ما بعد الحداثة», عندما استخدم منهاج «شنعت فوضحت»!، في وصفه الموجز لهذه الحداثة فقال:
«إنها القول بمرجعية العقل وحاكميته.. وإحلال سيادة الإنسان وسيطرته على الطبيعة مكان
إمبريالية الذات الإلهية وهيمنتها على الكون..... ».([3])
نعم.. هكذا تحدث الحداثيون عن الذات الإلهية.. تعالى الله عما به يتحدثون!
تلك هي «الحداثة الغربية»... وهذا هو «التجديد الإسلامي»... وتلك نماذج من مقولات المجددين من علماء الإسلام.. ومن مقولات الحداثيين، الذين «امتهنوا» الإسلاميات منهم.. والذين «امتهنوا» الآداب والفنون..
وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)﴾ (الأنفال: 36- 37).
الهوامش:
[1] مجلة «الأستاذ» القاهرة - العدد ۳۹ - ص ۹۲۳ ، ٩٢٤ ، في ٧ ذي القعدة سنة ١٣١٠هـ مايو ١٨٩٣م
[2] د. محمد خاتمي «الدين والتراث والحداثة والتنمية والحرية»، ص ٤٩.٤١ ، طبعة القاهرة - نهضة مصر۱۹۹۹م
[3] د. علي حرب، مسيرة التقدم والحداثة بين أنصاف زيتون وأشبار أركون, صحيفة الحياة، لندن, في١٨/١١/١٩٩٦م
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل