; حداثة أم تجديد؟ الأصول العشرة لفكر الإحياء والتجديد | مجلة المجتمع

العنوان حداثة أم تجديد؟ الأصول العشرة لفكر الإحياء والتجديد

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 20-مايو-2006

مشاهدات 72

نشر في العدد 1702

نشر في الصفحة 66

السبت 20-مايو-2006

إذا كانت أبرز وأعمق وأوسع مدارس الإحياء والتجديد في النهضة الإسلامية الحديثة هي تلك المدرسة التي تبلورت من حول جمال الدين الأفغاني (1254 - 1314هـ/ 1838 - 1897م).. والتي كان الإمام محمد عبده (1265 - 1323هـ / 1849 - 1905م) العقل الذي هندس معالم مشروعها التجديدي في العديد من الميادين.. فلقد تبلور في تراث هذه المدرسة ما يمكن أن نسميه معالم أساسية لمشروع نهضوي إسلامي، ويمكن أن نتخير منه أصولا عشرة كمعالم للنهضة والإصلاح، وهي:

1- نقد ورفض الجمود والتقليد، سواء أكان هذا التقليد تقليدًا للسلف، وجمودًا على تراثهم.. لأن سلفية الجمود على ظواهر النصوص، كما يقول الإمام محمد عبده: «أضيق عطنًا، وأحجر صدرًا من المقلدين، وهي وإن أنكرت كثيرًا من البدع ونحت عن الدين كثيرًا مما أضيف إليه، وليس منه، فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ الوارد والتقيد به، دون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، وإليها كانت الدعوة ولأجلها منحت النبوة، فلم يكونوا للعلم أولياء، ولا للمدنية أحباء» (1).

ونفس الرفض والنقد -بل أكثر- لتقليد الغرب، وللجمود على الثقافة الحداثية للتغريب.. «ذلك لأن المقلدين لتمدن الأمم الأخرى -كما يقول الأفغاني- ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها... والتمدن الغربي هو في الحقيقة، تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني.. ولقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ يتطرق الأعداء إليها.. وطلائع الجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل ويفتحون لهم الأبواب، ثم يثبتون أقدامهم.. فتقليد الأجانب يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بهم، والاستكانة لهم، والرضا بسلطانهم علينا، وبذلك تتحول صبغة الاسلام، التي من شأنها رفع راية السلطة والغلب، إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي» (2).

2- التجديد الذي يؤدي إلى تحرير الفكر من قيد التقليد.. وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف.. والرجوع في كسب معارف الدين إلى ينابيعها الأولى.. وهو تجديد -كما يقول الإمام محمد عبده- «خالفت فيه وفي الدعوة إليه رأي طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم (من أهل الجمود والتقليد) وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم (من أهل الحداثة والتغريب)» (3).

3- الإصلاح بالإسلام، وليس بالنموذج الحضاري الغربي الوضعي والعلماني «لأن الدين -كما يقول الأفغاني- هو قوام الأمة، وبه فلاحها وفيه سر سعادتها، وعليه مدارها.. وهو السبب المفرد لسعادة الإنسان.. وإنا معشر المسلمين، إذا لم يؤسس نهوضنا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه.. ولقد كان الخلل والهبوط، الذي اعترى حياتنا، من طرح أصول هذا الدين ونبذها ظهريًّا.. والعلاج إنما يكون برجوع الأمة إلى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته.. ولا سبيل إلى اليأس والقنوط، فإن بذور الدين متأصلة في النفوس والقلوب مطمئنة إليه. ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططًا.. ولن يزيدها إلا نحسًا، ولن يكسب إلا تعسًا» (4).

إن سبيل الدين لمريد الإصلاح في المسلمين سبيل لا مندوحة عنها، فإن إتيانهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين يحوجه إلى إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شيء ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحدًا، وإذا كان الدين كاملاً بتهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم في غيره، وهو حاضر لديهم، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به فلِم العدول عنه إلى غيره؟! (5).

4-  الوسطية الإسلامية التي برئت من الغلو والإغراق في المادية.. أو في الروحانية.. وإذا كانت المدنية الأوروبية -كما يقول الإمام محمد عبده- هي «مدنية الملك والسلطان، مدنية الذهب والفضة ولا دخل للإنجيل في شيء من ذلك... فلقد ظهر الإسلام، لا روحيًّا مجردًا، ولا جسديًّا جامدًا، بل إنسانيًّا وسطًا بين ذلك أخذًا من كلا القبيلين بنصيب، فتوافر له من ملاءمة الفطرة البشرية ما لم يتوافر لغيره، ولذلك سمى نفسه دين الفطرة، وعرف له ذلك خصومه اليوم، وعدّوه المدرسة الأولى التي يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية» (6).

وللحديث بقية..

الهوامش:

(1) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج 3، ص 314. دراسة وتحقيق د. محمد عمارة، طبعة القاهرة، 1993م.

(2) الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني ص 195- 197، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة القاهرة سنة 1967م.

(3) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ج 2 ص 318.

(4) الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، ص 131، 173 - 327، 328، 111، 197، 199.

(5) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، ج 3، ص101-231.

(6) المصدر السابق، ج 3، ص 205-242.

الرابط المختصر :