; حداثة... أم تجديد؟ (۲) الرؤية الاسلامية | مجلة المجتمع

العنوان حداثة... أم تجديد؟ (۲) الرؤية الاسلامية

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 29-أبريل-2006

مشاهدات 46

نشر في العدد 1699

نشر في الصفحة 66

السبت 29-أبريل-2006

إن للإسلام فلسفته الفريدة في النظر إلى الكون.. وإلى مكانة الإنسان في هذا الوجود. وإلى نطاق حرية الإنسان في هذه الحياة.. وهي فلسفة لا وجه للتوفيق بينها وبين الفلسفة الوضعية التي قامت عليها النهضة الأوروبية الحديثة، وثقافتها الحداثية المعاصرة.

 فالإنسان - في الرؤية الإسلامية - مخلوق لله سبحانه وتعالى.. وفي هذا قد تتفق الرؤية الإسلامية مع الوضعية الغربية المؤمنة.. لكنها تعود فتفترق عنها عندما تقرر أن الله سبحانه وتعالى، ليس مجرد خالق فقط وإنما هو الخالق والراعي والهادي والمدبر لهذا الوجود وهذا الإنسان.

 فالله في التراث الإغريقي، هو مجرد خالق للعالم والوجود، خلقه ثم دفعه للحركة فتحرك، ولا يزال يتحرك بواسطة الأسباب الذاتية المودعة في عوالمه وقواه، دونما حاجة إلى تدبير إلهي أو رعاية ربانية أو شريعة دينية يأتي بها الوحي من وراء الطبيعة والوجود المادي إلى الأنبياء والمرسلين.

وهذه الرؤية الأرسطية، هي ذاتها الرؤية الوثنية الجاهلية.. فلقد كان الوثنيون في الجاهلية، يؤمنون بالله خالقا لهذا الوجود ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان:٢٥)، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (العنكبوت:٦١). ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (العنكبوت:٦٣). 

فهم لا ينكرون الخلق والخالق لهذا الوجود.. وإنما استحقوا أوصاف ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم وقفوا بنطاق عمل الذات الإلهية عند «الخلق» فقط، وجعلوا «التدبير» للأصنام والأوثان والوسائط التي أشركوها مع الله، يلجؤون إليها إذا أرادوا الحرب أو السلم.. السفر أو القرار.. الفعل أو الترك.. الإقدام أو الإحجام.. الزواج أو الطلاق.. إلى غير ذلك من التدابير لشؤون الحياة.

وتلك بعينها، في الفلسفة الوضعية الغربية، عندما تؤمن بالخلق والخالق فهي بالعلمانية، قد قررت أن العالم مكتف بذاته، وأن الإنسان مكتف بذاته.. فالعالم تدبره الأسباب الذاتية والمادية المودعة في عوالمه ومجتمعاته وقواه وظواهره.. والإنسان هو سيد الكون.. ولا سلطان على العقل الإنساني إلا للعقل الإنساني وحده.. و«العقد الاجتماعي البشري» يقرره الاختيار الإنساني وحده، والحرية الإنسانية التي لا سقف عليها ولا إطار يحكمها من وحي أو شريعة تأتي بها السماء.

وفي مقابل هذه الرؤية الوضعية التي هي بعث وإحياء للتصور الأرسطي، والتصورات الوثنية الجاهلية، تأتي قراءة الرؤية الإسلامية، التي لا تجعل الله مجرد خالق.. وإنما هو الخالق والراعي والهادي والمدبر لكل عوالم المخلوقات، والتي ترى الإنسان خليفة الله، خلقه الله ونفخ فيه من روحه واستخلفه لعمارة الأرض، وسخر له كل ما في الوجود، وحباه القدرة والحرية والاختيار والاستطاعة والتمكين.. لكن في حدود ثوابت عقد وعهد الاستخلاف. عقد وعهد الإنابة والتوكيل. فهذا الإنسان - وفق عبارة الإمام محمد عبده (١٢٦٥ - ١٣٢٣هـ / ١٨٤٩- ١٩٠٥م): «هو عبد الله وحده، وسيد لكل شيء بعده .... هو خليفة سيد الكون سبحانه وتعالى وليس هو سيد الكون.. وهو الحامل لأمانة عمران هذه الأرض.. وهو في تدبير هذا العمران مصدر السلطة والسلطان، لكن في إطار الحلال والحرام الديني، أي في إطار الثوابت الدينية. عقيدة وشريعة وقيمًا... فهذا الإنسان- في هذه الرؤية الإسلامية - «ليس ذلك الحقير الفاني المهمش.. المجبر»، الذي لا حول له ولا طول.. وأيضًا، ليس هو سيد الكون، المكتفي بذاته عن توجيهات الدين، وتدبير السماء ووحي الله سبحانه وتعالى.. وإنما هو بهذه الرؤية الإسلامية الرؤية الفلسفية الوسطية: سلطان الأرض المحكومة سلطاته بسلطان السماء، لأنه خليفة في الكون، وليس سيد هذا الكون.. لأن سيد الكون الله سبحانه وتعالى- ليس مجرد خالق، وإنما هو الخالق والمدبر لكل عوالم المخلوقات.

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ والأَمرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمينَ﴾ (الأعراف:٢). 

﴿قَالَ فَمَن رَّبِّكُما يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (طه٢٠:١٩).

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس:٣).

وللحديث بقية...

الرابط المختصر :