; حداثة.. أم تجديد؟ (10) وفي الفنون.. حداثة القطيعة مع القيم والدين | مجلة المجتمع

العنوان حداثة.. أم تجديد؟ (10) وفي الفنون.. حداثة القطيعة مع القيم والدين

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 24-يونيو-2006

مشاهدات 72

نشر في العدد 1707

نشر في الصفحة 66

السبت 24-يونيو-2006

هناك غير هذه النماذج الحداثية، التي عبثت في ميادين الدراسات الإسلامية، فأقامت. بالتأويل الشاذ والمنلفت من قواعد التأويل العربية والإسلامية. قطيعة معرفية كبرى وحادة مع أصول الاعتقاد الديني.. والتشريع الإسلامي.. والوحي الإلهي.. والنبوة والرسالة.. وعقائد الغيب وآياته-هناك-غير هذه النماذج.. التي سبقت الإشارة إليها:

النموذج الرابع: حداثة القطيعة مع قيم الأمة ومعايير الحلال والحرام التي جاء بها دينها وتجسدت عادات وأعرافًا في حياتها والذي تمثل في «فنان كبير» احترف رسم الجسد العاري للنساء.. وللنساء المعدمات اللائي يتكسين من حرفة «الموديل» واللائي يخجلن من هذه الحرفة فيكتمن ممارستهن لها حتى عن زميلاتهن فيها.. لأنها حتى في عرفهن.. «نخاسة حداثية» يبعن فيها الحشمة والكرامة والكبرياء والخصوصية لقاء كسرة خبز أو جرعة دواء.

وفي حديث صحفي مع هذا «الفنان الكبير» نشرته مجلة أدبية شهيرة كجزء من كتاب تحت الطبع يصدر عن هذا الفنان. تحدث عن واحدة من النساء الموديل.. تلك التي رسم لجسدها العاري ثلاثمائة لوحة، وهي ترقص بعد أن «سطلها» بالحشيش، وأسكرها بزجاجة «البولانكي» الرخيص!... يتحدث هذا الفنان الكبير عن «تجربته الفنية» مع الجسد الأنثوي العاري فيقول عن «صفية»، التي «جن» بجسدها العاري، حين شاهده إلى حد تخصيص معرض كامل لها هو معرض «الراقصة» أوائل الثمانينيات وكيف أحضر لها قرش الحشيش، وزجاجة «البولانكي» الرخيص لتسكر حتى الصباح بينما يدير أسطوانة «يا مسهرني» لسيد مكاوي لترقص على إيقاعها طوال الليل!

 ثم يستطرد في الحديث عن «تجربته الفنية» هذه، فيقول:

«كانت جميلة، أطرافها طويلة، وجسمها طويل، لقد أضافت إلى خطوطي الكثير، منحتني معرض الراقصة. ومنحتني القدرة على رسم الاسكتش السريع « ٣٠٠ استكش» كنت أرسم بسرعة جنونية على أوراق الكلك، حتى ألاحق حركة جسدها مع إيقاع الموسيقى.. ومنحتني حساسية خاصة في التعامل مع الإيقاع، ومنحتني أيضًا صدقًا وإخلاصًا نادرًا، وأظن أن هذه التجارب شرط مهم لمستوى اللوحة، حتى لا أضطر إلى المزيد من الإغراءت من فلوس وتودد وغواية..»

وحتى لا يظن أحد أن هذا «الفنان الكبير» قد صنع ويصنع ذلك من باب  «الضرورات التي تبيح المحظورات- مع التنبيه على أننا لسنا هنا بإزاء - «ضرورة» «ولا حاجة».. بل ولا حتى أمر من «التحسينات».. إذ الكارثة أن هذا الفنان الحداثي الكبير يمارس هذه «النخاسة الفنية» باعتبارها الأمر الطبيعي، ويتحدث عن حقبة السبعينيات من القرن العشرين. تلك التي ضغطت فيها موجة التدين والصحوة الإسلامية على كليات الفنون الجميلة حتى ألغت نظام «الموديل العاري» في تلك الكليات.. يتحدث عن هذه الحقبة باعتبارها الزمن الأهبل.. لأن الجسد الأنثوي العاري- بنظر هذه الحداثة ليس فقط كلًا مباحًا ومستباحًا، وإنما هو - كما يقول - أقدم معبود عبده الإنسان.. وأطول المعبودات التي عبدها هذا الإنسان في العمر والتاريخ.

 نعم، يعلن هذا «الفنان» عن هذه «العقائد الحداثية» لهذا «الدين الحداثي» فيقول: 

لقد خلقنا الله في أحسن تكوين، ولهذا تكون النسب الصحيحة عارية بالضرورة بل ولا تكون صحيحة إلا عارية، ولا يمكن أن يتم تجريد سليم دون عري.

 تلك حقيقة أساسية في الفن، لكن الشرط الاجتماعي القائم لا يسمح بعرض اللوحات العارية «زمن أهبل». «إن جسد المرأة هو أقدم عبادة عرفها الإنسان، وأعظم ديانة منذ عرفت الأديان، إن «أفروديت» الطالعة من زبد البحر، عبدت ٢٠ ألف سنة، أكثر من كل الديانات السماوية».(2) 

وهكذا.. فلا اعتبار لما تقرره الأديان كل الأديان من أن البشرية التي بدأت بآدم عليه السلام. قد بدأت قبل الانحرافات الوثنية بعبادة الله سبحانه وتعالى.. لأن «الحداثة» التي أصبحت «دينًا» للحداثيين قد جعلت الجسد الأنثوي العاري أقدم المعبودات لأقدم الديانات.. وأطول الديانات عمرًا في التاريخ!

تلك نماذج مجرد نماذج للأفكار والآداب والفنون الحداثية التي أقامت قطيعة معرفية كبرى مع موروث الأمة.. ومع موروثها الديني عقيدة وشريعة.. وقيمًا.. على وجه الخصوص.

الهوامش

  1. أفروديت هي إلهة الجمال والحب في الأساطير الوثنية الإغريقية.. ولقد كذب هذا الفنان عندما عمم عبادة أفروديت على الإنسانية، زاعمًا أن ذلك قد استمر عشرين ألف سنة، وكان تاريخ الإنسانية هو هذه اللحظة الأسطورية الإغريقية وحدها.
  2. من حديث أجرته عبلة الرويني مع الفنان حسن سليمان، مجلة أخبار الأدب، القاهرة - العدد ٣٦٦ في ٢٠٠٠/٧/١٦م.
الرابط المختصر :