العنوان حداثة.. أَم تجديد؟ (١١) رفض التجديد الإسلامي للحداثة الغربية
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 01-يوليو-2006
مشاهدات 75
نشر في العدد 1708
نشر في الصفحة 66
السبت 01-يوليو-2006
بقي أن ننبه في ختام هذه الدراسة، على وعي المجددين الإسلاميين. منذ فجر الاحتكاك الحضاري بين أمتنا الإسلامية والحضارة الغربية وعيهم بالطبيعة الدهرية. اللادينية، لهذه الثقافة الحداثية، وبالقطيعة المعرفية التي تقيمها هذه الحداثة مع الموروث الديني.. وتصدي هؤلاء المجددين لهذه الثقافة الحداثية اللادينية، منذ بواكير تسللها إلى بلادنا، أواخر القرن الثامن عشر الميلادي في ركاب الغزوة الأوروبية الوطن العروبة وعالم الإسلام.
لقد رأى الجبرتي ( ١١٦٧- ١٣٣٧ هـ / ١٧٥٤- ۱۸۲۲م) هذه الحداثة، التي وفدت مع الحملة الفرنسية على مصر (١٢١٣هـ- ١٢١٦ هـ / ١٧٩٨- ١٨٠١هـ) رآها، »دهرية» لا علاقة لها بأي دين من الأديان؛ وذلك عندما سخر من دعوى بونابرت، (۱۷۹۹- ۱۸۲۱م)، وحملته الفرنسية، اعتناقهم دين الإسلام، فقال الجبرتي إن إسلامهم نصب.. فلقد خالفوا النصارى والمسلمين، ولم يتمسكوا من الأديان بدين وهم دهرية معطلون.. وللمعاد والحشر منكرون، وللنبوة والرسالة جاحدون» (1).
فلم يكشف زيف دعواهم اعتناق الإسلام بالقول إنهم لا يزالون على نصرانيتهم، وإنما نفذت بصيرته إلى الطبيعة اللادينية والدهرية للفلسفة الوضعية التي تأسست عليها الحداثة التي جاؤوا بها، والتي اعتمدتها الثورة الفرنسية بديلًا للدين واللاهوت..
وكذلك فعل رفاعة الطهطاوي (۱۲۱٦- ۱۲۹۰ هـ / ۱۸۰۱ - ۱۸۷۳م) الذي خبر ثقافة الحداثة الأوروبية بباريس فرآها دنيوية طبيعية لا دينية، يعيشها أهل باريس، الذين كما قال.. ليس لهم من دين النصرانية إلا الاسم فقط.. فهم إباحيون يقولون إن كل عمل يأذن فيه العقل صواب، ولذلك لا يصدقون بشيء مما في كتب أهل الكتاب لخروجه عن الأمور الطبيعية.. ولهم في الفلسفة حشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية.. وإن كانت بلادهم من أحكم بلاد الدنيا وديار العلوم البرانية.. وعلوم التمدن المدني»..
ولتمييز الطهطاوي بين براعة الفرنساويين في العلوم الكونية. علوم المادة.. والتمدن المدني. وبين ضلال الفلسفة الوضعية عن السبيل الإيمانية.. لخص هذه المعادلة في بيتين من الشعر، قال فيهما:
أيوجــــــــــد مثل باريس ديار *** شموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صباح *** أما هذا وحقكم عجیب (۲).
وكذلك فعل جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤ - ١٣١٤ هـ / ١٨٣٨ - ۱۸۹۷م) الذي رأى هذه الفلسفة الوضعية اللادينية التي مهدت للثورة الفرنسية بفلسفة الأنوار وموسوعتها والتي اعتمدتها الثورة الفرنسية، (دينًا طبيعيًا)، أحلته محل الدين الإلهي - رأها الأفغاني مذهبًا للذة الحسية، يبعث من جديد مذهب أبيقور، الكلبي (341-270 ق.م). مذهب اللذة والدهرية. على أيدي فلاسفة التنوير الوضعي اللاديني من أمثال فولتير (١٧٣٤- ۱۷۷۸م)، و روسو (۱۷۱۲ - ۱۷۷۸م) اللذين. كما يقول الأفغاني.. «يزعمان حماية العدل ومغالبة الظلم، والقيام بإنارة الأفكار وهداية العقول، فنبش قبر أبيقور الكلبي، وأحييا ما بلي من عظام الدهريين، ونبذا كل تكليف ديني، وغرسا بذور الإباحية والاشتراك وزعما أن الآداب الإلهية جعليات خرافية، كما زعما أن الأديان مخترعات أحدثها نقص العقل الإنساني، وجهر كلاهما بإنكار الألوهية، ورفع كل عقيرته بالتشنيع على الأنبياء (برأهم الله مما قالا) وكثيرًا ما ألف فولتير من الكتب في تخطئة الأنبياء والسخرية بهم والقدح في أنسابهم، وعيب ما جاؤوا به، فأخذت هذه الأباطيل من نفوس الفرنساويين، ونالت من عقولهم، فنبذوا الديانة العيسوية ونفضوا منها أيديهم، وبعد أن أغلقوا أبوابها فتحوا على أنفسهم أبواب الشريعة المقدسة (في زعمهم) شريعة الطبيعة (۳).
الهوامش
- مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس، ص (٣٤)، تحقيق، حسن محمد جوهر، عمر الدسوقي طبعة القاهرة سنة (١٩٦٩) م.
- الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي، ج ٢ ص (١٥٩)، دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة بيروت، سنة (١٩٧٣) م.
- الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، ص ( ١٦٢،١٦١).