العنوان حرب الخليج.. والقفز فوق المجهول
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1986
مشاهدات 53
نشر في العدد 775
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 15-يوليو-1986
المعارك الشرسة التي ما زالت رحاها تدور منذ عدة أيام في حوض مهران دفعت بالحرب العراقية – الإيرانية نحو منعطف خطير جدًا لا يعلم مداه إلا الله وترتكز الخطورة هنا على اتجاهين باتا يحكمان مسار هذه الحرب.
الاتجاه الإيراني
- أول هذين الاتجاهين يتعلق بالجانب الإيراني، حيث أصبح من الواضح تمامًا أن القيادة الإيرانية الحالية ربطت هذه الحرب باستراتيجيتها ومنهجها، وأصبح مجرد التفكير في إيقافها يبدو وكأنه محاولة من هذه القيادة للتخلي عن ذلك المنهج وتلك الاستراتيجية... التي دفعت من أجلهما وما زالت تدفع بعشرات، بل بمئات الآلاف من مواطنيها داخل نفق الحرب الذي لم يعد أحد يعرف نهاية له. ويؤكد على هذا الاتجاه تلك الموجات البشرية من المقاتلين الذين تدفع بهم القيادة الإيرانية نحو ساحة الحرب بشكل لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلًا له.. وأيضًا تلك المسميات التي تطلقها القيادة الإيرانية على هجماتها.. فالمعارك التي تدور حاليًا في حوض مهران أطلق عليها اسم كربلاء ومن المعروف أن كربلاء مدينة عراقية لها طابعها المميز.. الذي تحاول القيادة الإيرانية من خلاله دفع قواتها وإلزامهم معنويًا للوصول إلى احتلالها.. وهذا في حد ذاته يعتبر دليلًا على طبيعة الاتجاه الإيراني.
الاتجاه العراقي
- وثاني هذين الاتجاهين يتعلق بالجانب العراقي الذي يتفق مع حرص أي دولة على المحافظة على استقلالها وسيادتها... ومن هنا فإن العراق يرتبط بهذه الحرب من خلال هذا المبدأ.. ومن هنا يمكن فهم قيام القيادة العراقية بوضع كافة الإمكانات والاستعدادات القتالية، بل وربط خططها الآنية والمستقبلية باستمرارية هذه الحرب نتيجة لما تلمسه من إصرار القيادة الإيرانية على إدارة عجلة الحرب.. وخاصة أن احتلال القوات الإيرانية لأجزاء من الأرض العراقية كما هو حاصل في احتلال شبه جزيرة الفاو يدفع العراقيين للاستمرار في القتال لتحرير ما أخذ من أرضهم.
ولذلك فإن هذين الاتجاهين يمثلان حقيقة واحدة تعني أن حرب الخليج ستبقى داخل النفق المظلم ما دامت قد أصرت القيادة الإيرانية على موقفها الرافض لكل مبادرات السلام.
- إن ما يجري على ساحة العمليات في حوض مهران حيث آلاف الجثث تنتشر على أرض المعركة.. وما جرى خلال سنوات الحرب الستة من سفك دماء ودمار ويؤكد على أن رفض إيران المستمر لمبادرات السلام إنما يعني أنها تقفز فوق المجهول الذي يأكل الأخضر واليابس والذي يعرض المنطقة كلها للخطر سيما وأن القوى الدولية تتربص بنا الدوائر وتنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض حتى لو كان تحت ستار توفير الأمر والحماية... ولهذا نراها تجهد في دفع عجلة الحرب نحو الدوران المستمر حيث يوفر لها هذا الدوران مزيدًا من فرص التدخل في المنطقة كما يضمن لمصانع السلاح والعتاد فيها استمرارية الإنتاج وتحقيق المزيد من الأرباح... وبالمقابل يمنى الطرفان المتحاربان بالمزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية و... ومن الطبيعي أن هذه الخسائر لن تقف عند حدود العراق وإيران، بل ستشمل المنطقة بأسرها وستمتد آثارها لتشمل العالم الإسلامي بأكمله.
- إننا مع كل مرحلة من مراحل الحرب كنا نناشد وندعو كلًا من العراق وإيران لإيقاف عجلة دورانها... وكان يقف معنا في تلك الدعوة العالم الإسلامي كله بمؤسساته وهيئاته... ولم نجد قضية يُجمع العالم الإسلامي بأكمله على ضرورة حلها بالسرعة الممكنة والملحة كما هو الحال بالنسبة لقضية الحرب الدائرة بين العراق وإيران... ومقابل هذا الموقف الجماعي، نجد أن إيران تقف وحدها وهي تعلن وبإصرار مأساوي رفضها لأية مبادرة سلمية وكأنها بذلك تحاول دفع العالم الإسلامي نحو المزيد من التدهور الذي نلاحظ آثاره بعد ست سنوات من مأساة الخليج وأخشى ما نخشاه أن يكون الرفض الإيراني مرتبطًا بالأحلام التاريخية التي تراود القيادة الإيرانية وتعمل على تحقيقها... عندها سيكون لهذا الرفض انعكاسات في غاية الخطورة منها:
* انقسام العالم الإسلامي.. ولن يكون هذا الانقسام سياسيًا فقط، بل سيتعداه إلى الانقسام الطائفي الذي ستمتد آثاره السلبية لتشمل الأفراد وهذا يعني دخول العالم الإسلامي في مرحلة التدمير الذاتي.
* التدخل العسكري الأجنبي ونعني بذلك عودة الحركة الاستعمارية للمنطقة من جديد من خلال مبررات الأمن والحماية والتي تعطي لهذه العودة صيغة مقبولة.
* ضعف الموقف العربي والإسلامي تجاه العدو الصهيوني نتيجة الخلل في موازين القوة المجابهة للعدو.. ومن هنا نفهم كيف أن العدو الإسرائيلي ينظر إلى الحرب العراقية – الإيرانية على اعتبارها واحدة من أهم النقاط التي تخدم الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل حيث إن وجود جيش عراقي منهك وعالم عربي إسلامي ممزق ومنقسم يخدم هذه الأهداف.
- وإذا كانت القيادة الإيرانية غير بعيدة عن هذه الحقائق فإنها مدعوة، بل وملزمة بأن تستجيب فورًا لمبادرات السلام.. وإذا كانت غير ذلك فلتعلم أن استمرارها بالحرب لا يعني سوى أنها تقفز فوق المجهول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل