العنوان حرب الفضائح والغضب العاتي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-يوليو-1982
مشاهدات 72
نشر في العدد 578
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 06-يوليو-1982
رهيبة جدًّا هذه المذابح الوحشية التي تتعرض لها شعوب المنطقة.. اليوم في بيروت، وبالأمس القريب في حماة.. وغدًا.. من يدري على من يكون الدور؟
رهيبة أكثر مما تستطيع أن تصف وسائل الإعلام، وأكثر مما يستطيع أن يتصور الذين يقرؤون ويسمعون.
فلا يمكن أن يعرف معنى الدمار إلا الذين تدفنهم القذائف تحت الأنقاض، ولا يمكن أن يحس بفظاعة الألم إلا الذين تتمزق أجسادهم أشلاء على أرصفة الشوارع، وأما الذين يجرعون كؤوس المرارة طويلًا فهم أولئك الذين يتيهون في العراء مشردين، بلا مأوى ولا ماء ولا غذاء، يفرون من الجحيم، حاملين على أعناقهم أطفالًا يبكون، وألوانًا من الرعب الممضي، وغضبًا عارمًا.. وأمورًا أخرى كثيرة من حصاد المأساة، لم يحن الوقت المناسب بعد للتعبير عنها تعبيرًا حقيقيًّا.
▪ ومع ذلك فهل تطوي ذاكرة شعوب المنطقة هذه الكوارث وتنساها بعد حين؟ من الصعب أن نعتقد مثل هذا، صحيح أن هناك من يرى أن ذاكرة الشعوب ضعيفة، وتتعرض للغسل بين حين وآخر، لكنَّ هناك أسبابًا كثيرة تجعلنا مقتنعين بأن كارثة الغزو الصهيوني الأخير لن تمر بهدوء، دون أن تخلف وراءها آثارًا عميقة في الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية لشعوب المنطقة. ولعل أهم ما يميز هذا الغزو الأخير أنه خلع عن معظم أنظمة الحكم كل أردية الدعاوى الزائفة، حتى جاز أن يسمى هذا الغزو «بحرب الفضائح»، وكذلك سلب هذا الغزو تلك الأنظمة أهم ما دأبت على انتحاله من مسوغات الاستمرار في حكم هذه الشعوب المضطهدة.
▪ إن الإحباط الكبير الذي أصيبت به الشعوب سيظل خلال الفترة القادمة من تاريخ المنطقة مهماز الذاكرة التي حفرت فيها مأساة «حرب الفضائح» شروخًا عريضة دامية. وهذا الإحباط نفسه هو الذي سيدفعها دفعًا إلى إعادة النظر في كل شيء.. كل شيء يلابس حياتها، أو يحيط بها، وليس من قبيل الإغراق في التمحيص أن نقول: إنها ستعيد النظر حتى في بنيتها الداخلية.. في أعماقها النفسية.. لأن كل شيء كان قائمًا حين بلغت أوضاع الشعوب هذا المنحدر الواطئ يحتاج إلى إعادة النظر فيه من جديد.
▪ وعلى نحو تلقائي ستقضي بنا إعادة النظر هذه إلى التفتيش عن بدائل، بدائل لكل ما هو قائم الآن في هذا الزمن الشاحب، زمن «حرب الفضائح»، ولكن الخطر الذي قد يهدد تحرك شعوب المنطقة في البحث عن بدائل هو تجزيء مشكلتها، وتمزيقها، وإحالتها إلى قضايا صغيرة، تعمد بعض الأنظمة أو القوى الدولية إلى إلهاء الشعوب بها، وتضييعها، وتشتيت رؤيتها الكلية، التي يجب أن تهدف إلى إيجاد البدائل لكل شيء يلابس حياتها بلا استثناء.
مشكلة شعوب المنطقة الإسلامية ليست قضية وطنية فقط، ولا هي قضية سيادة فقط، ولا قضية حرية سياسية فقط، ولا قضية ثرواتها المنهوبة فقط، ولا قضية كونها شعوبًا محكومة بالإرهاب والحديد فقط، ولا قضية تخلف وانتماء إلى محور البلدان الفقيرة فقط.
إن مشكلة الشعوب الإسلامية في هذه المنطقة هي كل هذه القضايا معًا، وكثير غيرها من مثلها أيضًا، وهي مشكلة كلية ولا يمكن التصدي لحلها أجزاء وتفاريق، لأن هذا كفيل بأن يجعل كل شيء قائم الآن مستمرًّا إلى مدى مجهول.
إن المشكلة هي هذا الإسلام المضيع، أو المضطهد، أو المقموع.. الإسلام بمفهومه الكلي الشامل: عقيدة ينبثق عنها نظام شامل لكل شيء في حياة هذه الشعوب، بدءًا من خطرات النفس الداخلية، وانتهاء بأعقد مسائل السياسة الخارجية للدول.
المشكلة- بعبارة أخيرة- هي أن هذه الشعوب تريد أن تنسجم مع ذاتها، وتريد أن تعبر عن ذاتها بحرية، باعتبارها- رضي الراضون أَم سخط الساخطون- امتدادًا حضاريًّا للإسلام.
▪ ولكن الشعوب- أي شعوب- تظل غثاء مهملًا ما لم يعبر عن إرادتها الكلية «نظام».. نظام هي تقيمه بمحض حريتها وإرادتها، ومن البديهي إذن أن تجد شعوب المنطقة نفسها اليوم أمام أول خياراتها: وهو أن تعيد النظر في معظم الأنظمة القائمة، لأن المآسي الدامية التي تعانيها الشعوب أثبتت عجز تلك الأنظمة أو صمتها أو تواطؤها، ولذلك فلا مناص للشعوب من أن تبدأ أولًا برفض «وكالة» معظم تلك الأنظمة على حياتها ومصالحها ومستقبلها.
▪ بيد أن رفض تلك «الوكالة» لا يمكن أن يتم بهذه البساطة، فالخرائط السياسية لم تعد لوائح خاصة بالشعوب وحدها، تقوم برسمها في حرية، بل هنالك مهندسون كبار في هذا العالم المتصاغر على اتساعه، وهؤلاء المهندسون يرسمون ما يرونه مناسبًا لهم، وربما كان يسرهم أن يبقوا على معظم «العمال» الذين يتعهدون لهم بتنفيذ «مشروعاتهم».
وهكذا يكون من حق المراقبين السياسيين أن يتوقعوا في الفترة القادمة أن يظل بركان الشرق الأوسط دائم الغليان، مستعدًّا في كل لحظة للانفجار.. وإذا قررت الشعوب ألّا تنسى- وهو ما يمكن ترجيحه- فإن الانفجارات المتوقع حدوثها لن تكون مسرحيات مفتعلة، كما اعتادت المنطقة أن تشهد في أثناء الفترة الماضية، بل ستكون انفجارات من الغضب الحقيقي العاتي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل