; حرب اللغة العربية تستهدف القرآن الكريم | مجلة المجتمع

العنوان حرب اللغة العربية تستهدف القرآن الكريم

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993

مشاهدات 27

نشر في العدد 1071

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 19-أكتوبر-1993


أهداف الحملة على العربية

ما تزال الحملة على اللغة العربية مستمرة على مختلف مراحل تاريخ الإسلام والعرب، يقود هذه الحملة المستشرقون والمبشرون وأتباعهم من العرب خاصة غير المسلمين، وتهدف الحملة في منطلقها الحقيقي إلى توهين علاقة المسلمين بالقرآن الكريم، وتمثل في أذهانهم صورة علاقة الأمم الأوروبية باللغتين اللاتينية واليونانية القديمتين، اللتين اندثرتا وحلت محلهما العاميات التي ارتقت إلى لغات.

ومن العجب أن يخدع بعض أصحاب الديانات الأخرى، وقادة الفكر الغربي ودعاته من خبراء وأساتذة جامعات، يخدعون المسلمين ويسوقونهم مغمضي الأعين ليرددوا ما يريدون. ويرجع هذا إلى نقص في وعي أهل الإسلام بغايات الأمور التي لا تتكشف لهم ويخدعهم عنها العارفون بها، والذين يسعدهم أن يستغلوا غفلة هؤلاء.

تجارب المقاومة والمخططات الاستعمارية

ولقد جرت المحاولات في هذا الاتجاه على أوسع نطاق من قبل، وباءت المحاولات بالفشل: قام بها الفرنسيون في الجزائر والمغرب وتونس، وقامت بها الصهيونية في فلسطين، وما يحاوله الهندوس اليوم بين مسلمي الهند.

ويركز المستشرقون والمبشرون على ما يسمونه «التطوير» فهم يدعون أنهم يريدون تبسيط أمور النحو والصرف وإعادة النظر فيها بما يتلاءم مع حاجة العصر، أو مقولة التقريب بين لغة الكلام ولغة الكتابة على النحو الذي تقوم به الصحافة العربية الآن، غير أننا نعلم تمامًا مدى الأثر الذي يحدثه نفوذ اللغات الأجنبية، سواء في مجال المدرسة أو الجامعة، في محاولة لظهور أجيال جديدة من الشباب العربي المسلم لا يهتم باللغة العربية ولا يعمل لها حسابًا، وقد ملأه الغرور بانتمائه إلى لغة أخرى وثقافة أخرى، في حين أن الأمانة العقدية والقومية تتطلب منه أن يكون علمنا بكل لغة هو في سبيل خدمة اللغة العربية والإسلام والفكر الإسلامي حماية للهوية الأصلية وتأكيدًا لها.

عبقرية اللغة العربية ورسالتها

والحق أن اللغة العربية تمتاز عن لغات الأرض قاطبة بأنها لغة رسالة ولغة عقيدة وهذه العقيدة تخاطب بها العالم أجمع. ومن هنا كانت الحملة عليها ممتدة في محاولة لحصارها وللحيلولة بينها وبين النمو والامتداد الذي بلغه الإسلام وما يزال يبلغه، ومن هنا وجدنا أقطارًا دخلها الإسلام وعجزت اللغة العربية عن دخولها، وكان لذلك أبعد الأثر في عجز أهلها عن استيعاب مفاهيم الإسلام وقيمه عن طريق القرآن الكريم واللغة العربية.

ولقد كانت اللغة العربية بالنسبة للعرب هي اللغة القومية، ولكنها بالنسبة للمسلمين والعرب هي لغة الثقافة والعقيدة، وهي بهذا تمثل نموذجًا مفردًا لا سبيل إلى وجود مثيل له في علاقة اللغات والأمم. ويرجح ذلك إلى مصدر واحد: هو نزول القرآن الكريم بها كدستور ومنهج حياة للمسلمين وللعالمين إلى أبد الدهر.

اللغة أداة للتفكير والهوية

كذلك فليست اللغة العربية هي «أداة التعبير» عن الأفكار والمشاعر فحسب، وإنما هي «أداة التفكير» نفسه وأداة الإحساس والشعور. ذلك أن اختلاف فكر الأمم إنما يكون بسبب تباين خصائص لغاتها وطبائعها، من أجل هذا- كما يورد الدكتور ناصر الدين الأسد- قيل دائمًا إن اللغة هي المقوم الأول من مقومات شخصية الأمة وذاتها وهويتها، وإننا لا نستطيع أن نسمو إلى فكر شامخ بلغة عامية مبتذلة، وأن الترابط لا بُدَّ أن يكون متلازمًا بين الفكر واللغة، وأن الفكر الأنيق يحتاج بالضرورة إلى تعبير رشيق.

تاريخ الانتشار والمواجهة العلمية

وقد أدخلت العربية البلدان التي فتحها العرب وتمكنت في فترة قصيرة من إزالة: «الفارسية والسريانية واليونانية والفينيقية والبربرية واللاتينية» واكتساح معاقلها. ولما علم رجال الكنيسة أن العربية قد أضحت هي الأداة الوحيدة لنقل العلوم والآداب اضطروا إلى تعريب مجموعاتهم اللاهوتية لتسهل قراءتها في الكنائس مما جعل «ماسنيون» يقول: إن المنهاج العلمي قد انطلق أول ما انطلق باللغة العربية، ومن خلال تأثير اللغة العربية في الحضارة الأوروبية، وقد أصبحت اليوم لغة أكثر من 300 مليون مسلم «الآن 1000 مليون و300 ومائتي ألف نسمة» يعيشون في المنطقة الممتدة من خليج البصرة شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ومن جبال طوروس وجبل طارق إلى جنوب السودان والصحراء الأفريقية والمحيط الهندي.

وقد ظلت العربية أهم اللغات في العالم الإسلامي على مدى عدة قرون، وقد ارتبط انتشارها بدخول الإسلام إلى أقاليم أفريقيا وآسيا، فأصبحت لغة الدين والثقافة والعلم والتآليف على مدى قرون في إيران وتركيا وشبه القارة الهندية والملايو وشرق أفريقيا. وقدمت عددًا من المؤلفين بالعربية من الهند أمثال التهانوي «صاحب كشاف اصطلاحات الفنون» وعثمان بن فوديو «غرب أفريقيا» وحاجي خليفة «آسيا الصغرى» صاحب كشاف الفنون.

أثر الاستعمار وتغيير الأبجديات

ثم تغير الموقف بعد استشراء الاستعمار الأوروبي؛ حيث أوقفت الدول الغربية نحو العربية وأبدلته بنفوذ لغاتها ولهجات أهلها، كما دفعت المسلمين في أفريقيا وجنوب شرق آسيا إلى تغيير الأبجديات العربية للغاتهم وكتابتها بالحروف اللاتينية. ولقد كان المنطلق الحقيقي للعالم الإسلامي هو السعي للتوحد في مظلة اللغة العربية: لغة القرآن فيكون في كل قطر إسلامي لغة عامية وتكون اللغة العربية هي لغة الثقافة والفكر ويكون ذلك منطلقا للوحدة الجامعة عن طريق أن تكون لغة القرآن هي الواسطة الوحيدة الممكنة للتفاهم بين جميع أهل العالم الإسلامي، ويفهم الإسلام فهمًا صحيحًا من منابعه الأصيلة.

وقد جرت محاولات متعددة في هذا الصدد، أبرزها محاولة الباكستان ولكن خصومة الغرب للإسلام دفعته إلى الوقوف في وجه اللغة العربية «الفصحى لغة القرآن» والعمل على إحياء لهجات الأمم المختلفة، ونشر لغتها وتحويل أبجدية اللغات القومية إلى الحروف اللاتينية.

محاولات عزل لغة البيان

بل لم يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ امتد إلى إثارة الشبهات حول مكانة اللغة العربية وقدرتها على استيعاب مصطلحات الحضارة والدعوة إلى العاميات، وكتابة المسرح والأغاني بها والتخفف من أسلوب البيان العربي وإضعافه لخلق فجوة بين الأسلوب العربي في الكتابة وبين بيان القرآن الكريم. ولا ريب أن تفشي اللفظ العامي في كتابات العصر هو جزء من مخطط عزل الإسلام وبيان القرآن عن أسلوب الكتابة المعاصرة، وهي جزء من خطة معاول الهدم الممتدة إلى مجالات الشعر والسينما والمسرح والمسلسلات.

ولقد تآزرت قوى كثيرة في سبيل دفع العامية إلى مكان الصدارة في قلب الوطن العربي حيث اتسع نطاق الشعوبية، وفتحت لها الصحف أبوابها فنشرت عشرات من المقاطع العامية، بل أصبح دعاة العامية يباهون بنحلتهم ويفخرون بها في دعوة عريضة إلى تسمية اللهجة العامية باسم اللغة. وقد أعان على ذلك سيطرة الماركسيين على الثقافة والصحافة في الفترة الماضية، والخطر هو تنشئة جيل جديد من أبناء العرب لا يستطيع أن يتذوق البيان العربي الأصيل، وهي دعوة ذات أثر بعيد في فصل الأداء العربي عن مستوى القرآن الكريم في محاولة للتباعد عنه والانفصال حتى تتقطع صلة الأجيال المقبلة بالبيان العربي.

رموز مواجهة الفصحى

ولقد امتدت خلال فترة تزيد على قرن من الزمان محاولات تعريب اللغة العربية وفصلها عن البيان القرآني واشترك في العمل غربيون وعرب، من ويلكولس إلى زويمر ولطفي السيد وسلامة موسى ولويس عوض ومن أعداء الفصحى: مارون غصن وأنيس فريحة وسعيد عقل. ودعا توفيق الحكيم إلى لغة وسطى بين العامية والفصحى وليس تقريب الفصحى إلى العامية فالفصحى لغة والعامية لهجة.

ولقد أوجدوا لهذه المؤامرة مخططًا سياسيًا ومخططًا ثقافيًا، أما المخطط السياسي فقد تولته الدول المستعمرة وكان تأثيره بالغًا في أفريقيا وآسيا، فقد كان عدد اللغات التي تكتب بحروف عربية يزيد على 60 لغة، منها السواحلية بشرق أفريقيا ولغة الهوسا في نيجيريا واللغة الصومالية. ولقد عمل الاستعمار على تحويل أبجديات هذه اللغات إلى الحروف اللاتينية وإبطال استعمال الحروف العربية.


انظر أيضا:

اللغة العربية.. مجد الماضي وتحديات الحاضر

الرابط المختصر :