العنوان حرب المخيمات: ما بعد الحصار أخطر من الحصار
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1987
مشاهدات 70
نشر في العدد 805
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-فبراير-1987
حركة أمل
تيار ضبابي لا يمكنه حتى تأمين الحماية الكافية لزعيمها نبيه بري
الشعب الفلسطيني
العربي المسلم الذي سرقت دياره المقدسة سرقتها الصهيونية العالمية بقوة السلاح، وبدعم
من قوى عالمية كبرى ترى في استيلاء اليهود على فلسطين -رغم اختلاف المذاهب والمصالح-
هدفًا مشتركًا من شأنه أن يبقي العرب والمسلمين أشتاتًا لا وزن لهم ولا حيثية إلا بمقدار
ما يقدمون لهذه القوى الكبرى من خيرات وهبها الله لهم وموقع إستراتيجي منحه الله لبلادهم.
ولما كانت
فلسطين قلب العالم العربي والإسلامي جغرافيًا، وقبلتهم الأولى دينيًا فقد كان لا بد
من أن تسلب فلسطين منهم.. وبدلًا من أن يكون هذا السلب عامل وحدة لأمة المسلمين، ومن
ضمنهم العرب، كما كان الحال إبان الغزو التتري والصليبي، وبدلًا من أن يحزم المسلمون
أمرهم، ومن ضمنهم العرب، لإعلان الجهاد من أجل إنقاذ فلسطين كما فعلوا في عهد الأيوبيين،
وفي عهد المماليك، نجدهم هذه المرة أعجز من أن يحركوا ساكنًا اللهم إلا بعضًا من بيانات
الشجب والاستنكار وتقديم الشكاوى إلى مجلس الأمن الذي تهيمن عليه القوى إياها التي
أقامت الكيان اليهودي في فلسطين.
وحين تنبه
الفلسطينيون في وقت مبكر من هذا القرن إلى الخطر المقبل عليهم بعد انهيار الخلافة الإسلامية
في إستانبول وصدور وعد بلفور المشؤوم تحركت «النخوة العربية» لتطمئنهم على صدق نوايا
«صديقة العرب بريطانيا العظمى».
وحين أصبح
اليهود قوة مسلحة في فلسطين وبحث الفلسطينيون عن الأسلحة لمواجهتهم وتحركت جماهير المسلمين
في ديار العرب وغير العرب لإنقاذ مسرى الرسول وأولى القبلتين من دنس اليهود تحركت الجيوش
العربية السبعة -قبل أن تصبح ثلاثة وعشرين جيشًا – لإنقاذ فلسطين ويا ليتها لم تتحرك!
وضاعت فلسطين،
ثلاثة أرباعها لليهود، وربعها موزع بين الضفة والقطاع.. وانتظر الفلسطينيون في مخيماتهم
أن يتغير الحال بأحسن حال فإذا بالبيان رقم واحد يعلن من إذاعة دمشق عن قيام انقلاب
عسكري بزعامة الزعيم حسني الزعيم وأن دافع الانقلاب وهدفه هو تحرير فلسطين، فعاد الأمل
إلى النفوس، ولكن سرعان ما تلاشى الأمل وتبدد، وعادت الحيرة والقلق.. وإذا بإذاعة القاهرة
تعلن عن قيام انقلاب عسكري تحول فيما بعد إلى ثورة ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية
العربية فاستبشر المسلمون ومن ضمنهم العرب وفي مقدمتهم الفلسطينيون ولكن البشرى تحولت
فيما بعد إلى هم وغم ويأس قاتل.
وتوالت
الانقلابات في ديار العرب وكانت فلسطين محور بياناتها الأولى، ولكنها لم تكن أفضل من
سابقاتها، وحين استطاع الفلسطينيون أخذ زمام المبادرة ببدء الكفاح المسلح في مطلع عام
1965م التفت جماهير المسلمين حولهم، وعاد الأمل في الخلاص يداعب النفوس في حذر، ولكن
هذا الأمل أخذ يتحول إلى غضب حين وجد المقاتل الفلسطيني نفسه مضطرًا لتصويب بندقيته
في اتجاه من يمنعونه من أداء واجب الجهاد لتحرير وطنه.
وازداد
الحصار وتحولت القضية بالنسبة للفلسطيني المقاتل من بحث عن وسيلة للوصول إلى العدو
الصهيوني وضربه إلى وسيلة للبقاء، مجرد البقاء، ولكن الطرف الآخر لم يترك له الفرصة
فاقتلعه من هذه الأرض العربية ليبحث له عن مستقر في أرض عربية أخرى، فيلقى نفس المصير،
ثم يبحث عن ثالثة، وحين يتمكن.. يقوم اليهود بمهمة الإسناد، ويقوم حلف الأطلسي بمهمة
الحماية والتغطية.
ويخيم على
القضية سكون مظلم، ويتصور اليهود أنهم قد استقروا في فلسطين، وأن القدس ستكون عاصمتهم
إلى الأبد، وتتحفز السفارة الأميركية للانتقال إليها، ويجري على الأرض العربية صناعة
كيانات طائفية تمثل الرديف للكيان اليهودي الذي ما غرس أصلًا إلا لمنع وحدة هذه الأمة
أرضًا وعقيدة.
وفجأة يكتشف
المخططون والمنفذون أن الفلسطينيين عادوا من جديد ليكونوا طرفًا رئيسيًا في حركة التماس
والتصادم مع الكيان اليهودي، ومع الكيانات المسخ المنْوي قيامها فينشط المتآمرون على
مصير هذه الأمة ومستقبلها، ويركزون هجمتهم هذه المرة على بضع مخيمات فلسطينية باعتبارها
بؤرة التصدي للمؤامرة، ومحور التغيير في المنطقة في اتجاه معاكس ومعرقل لخطط المتآمرين،
فيكون الرد حصار هذه المخيمات ليس فقط من أجل تحجيم دورها أو انتزاع سلاحها من أيدي
أبنائها وإنما لتفنى جوعًا وعطشًا بعد ألا تجد ما تأكله غير الكلاب والقطط، وغير القمامة
والأعشاب، وأخيرًا أكل لحم الشهيد بفتوى شرعية!
والفلسطينيون
في مخيماتهم قادرون رغم كل ذلك على التمدد خارج المخيمات وكسر الطوق المضروب حولهم،
والانتشار في الأرض، ولكن هذه العملية محفوفة بالمخاطر، مثلما أن لقاءهم في المخيمات
محفوف بخطر أعظم، ذلك أن الصهاينة ومعهم قوات لحد جاهزون للتحرك معًا وضرب الخارجين
من المخيمات، كما أن عصابات أمل التي وعدت بالحلول لحل قوات لحد في الجنوب جاهزة لاقتحام
المخيمات بعدما يهد الجوع ساكنيها فيوقفهم عن الحركة إلى الأبد.
والمخطط
الأميركي جاهز للتنفيذ، للنزول في بيروت وفي البقاع بقوات أميركية تنتقل من البحر إلى
البر، وبقوات محمولة جوًا، وبقذائف تلقيها الطائرات القابعة على ظهر البوارج الحربية
والمدفعية بعيدة المدى والصواريخ.. كل ذلك بحجة احتجاز مجموعة من الرهائن الأميركيين
على أيدي «إرهابيين» يجب القضاء عليهم.
وهناك أطراف
أخرى -ليست أقل خطرًا- وتلعب الدور الرئيسي فيما يجري على أرض لبنان، ومن يطلع على
ما جرى في الندوة التي يقدمها معهد «ياد دافيد اليعازر» التابع لجامعة تل أبيب تحت
عنوان «مجالات التوصل إلى بين سوريا «وإسرائيل» والتي تحدث فيها كل من «غبريئيل بني
دور» أستاذ العلوم المدنية بجامعة حيفا، كما تحدث فيها الجنرال ردخاي غور رئيس الأركان
الصهيوني السابق.. من يطلع على ما دار في هذه الندوة يجد تفسيرًا لكثير مما يجري الآن
على أرض لبنان، ويكفي أن نشير إلى هذه الفقرة من الندوة.
يقول غور:
«اليوم تقلص إيمان العرب بأنفسهم وبقدرتهم على تدمير «إسرائيل»، وباتوا يتحدثون الآن
عن حرب لتحريك العجلات السياسية وليس من أجل تدمير «إسرائيل» أو تغيير الأوضاع الراهنة
بالقوة».
ويعتبر
غور أن عهد هذه الحلول ولى من حسن حظ «إسرائيل».
وحتى تتضح
الصورة أكثر نشير إلى مقتطفات من تقرير وضعته الخارجية الأميركية وسريته إلى بعض الأطراف
العربية يقول التقرير:
«إن
تهديدًا شاملًا للمصالح هو الذي يشغل بالنا ويفترض التحرك في الحال»، التحرك عسكريًا
بطبيعة الحال.
بعض الفئات
تحتفظ بعلاقات وثيقة مع أطراف عديدة ولقد بدا دورهم واضحًا في العمليات الخاصة بحل
مشكلة المخيمات على أسس فضفاضة يمكن أن نستخلص منها نقطة أساسية، وهي أنهم لم يعودوا
موجودين في الحالة الفلسطينية أيضًا، وهذا لأن الحالات تتداخل بشكل مثير، لافتة إلى
تطورات لا يمكن السيطرة عليها في حال من الأحوال، هذه الفئات لن تهدأ، وهي تعتمد استراتيجية
الخطوات البطيئة في لبنان ولا تستطيع كل القوى السياسية إلا أن تعترف بفعاليتهم في
كل المدن ذات الغالبية الإسلامية.
وهم يمتلكون
المعطيات الميدانية كي يفعلوا هذا، فحركة «أمل» لم تستطع أن تثبت حتى الآن أنها مؤسسة
منظمة تتمتع بالحد الأدنى من التماسك على العكس من ذلك فهي لا تزال عبارة عن تيار ضبابي
لا يمكنه حتى تأمين الحماية الكافية لزعيمه الوزير نبيه بري.
الخطوة
التالية ستكون تفريغ لبنان من كل وجود غربي، ومن ثم الانتقال إلى بلدان أخرى. وكل المعلومات
تؤكد هذه الحقيقة، مما يفترض الإقدام على خطوات سريعة لتفادي أي تطورات مستقبلية.
لن يكون
بإمكان الولايات المتحدة أن تصبر أكثر مما صبرت على المهانة ولقد أبلغنا حلفاؤنا أكثر
من مرة أنهم مستعدون للوقوف إلى جانبنا إذا ما اتخذنا القرار الصحيح. والقرار الصحيح
هو وضع حد عسكري لتلك الميوعة الدموية التي تلاحق مصالحنا.
إن بإمكان
«القوات اللبنانية» تأمين التغطية الداخلية الكافية. وإذا كان «جنودنا» على اطلاع تام
بكل الأوضاع، فهذا لا يكفي لأن الأمور قد تختلف على الصعيد الميداني. لكن هذا لا يعني
أن التنسيق يشمل أكثر من العمليات العسكرية البحتة، فالهدف دائمًا كان إعادة النظام
إلى لبنان وقيام حكومة مركزية قوية تضع حدًا لذلك التسيب اللانهائي الذي وضع حياة مواطنين
أميركيين أمام أسوأ الاختبارات».
فهل يمكن
الفصل بعد ذلك بين حصار المخيمات وتحرك الأسطول الأميركي وقصف الطائرات الإسرائيلية
والمخطط المرسوم لتدمير هذه الأمة؟!