; حرب المخيمات- نبيه بري أداة مكملة للعبة الشطرنج في الساحة العربية | مجلة المجتمع

العنوان حرب المخيمات- نبيه بري أداة مكملة للعبة الشطرنج في الساحة العربية

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1986

مشاهدات 62

نشر في العدد 771

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 17-يونيو-1986

  • رئيس الاستخبارات السورية في لبنان هو الذي أصدر أوامره لنبيه بري بالهجوم على الفلسطينيين
  • المؤامرة على لبنان وفلسطين مؤامرة على الأمة كلها فهل يستيقظ ضمير النائمين؟

نبيه بري الذي ظهر فجأة على مسرح الأحداث في لبنان والذي يخفي بين جنباته جواز سفر أمريكيًا والذي ألبسوه ثوب القوى الوطنية في لبنان جاء ليؤدي دورًا مرسومًا له كعميل صغير يحركه عملاء أكبر منه مرتبطون باتفاقيات مكتوبة وغير مكتوبة لتصفية الشعب الفلسطيني ضمن مسلسل تصفيته النهائية تمهيدًا لتصفية قضيته الفلسطينية وتكريس الكيان اليهودي وهيمنته على ديار العرب ومنع أي تحرك وحدوي أو نهوض إسلامي.

 ولقد حاول نبيه بري في رمضان من العام الماضي أن يقوم بالمهمة -مهمة تصفية المخيمات الفلسطينية في لبنان- ومهد لها بتصفية الحركة المسلحة لـ«المرابطون» في بيروت الغربية بالتعاون مع وليد جنبلاط ولكنه وجد لدى سكان المخيمات الفلسطينية مقاومة لم يتوقعها أولئك الذين دفعوا نبيه بري إلى هذه المهمة الإجرامية. ورغم التدمير الشامل والخسائر الفادحة في مخيمات اللاجئين إلا أنه عجز عن اقتحامها باستثناء جزء من مخيم صبرا بعد أن منيت قواته ومعها قوات اللواء السادس واللواء الثامن بخسائر فادحة.

 ولقد اضطر بعدها إلى إيقاف القتال مؤقتًا والخروج من الجزء الذي احتله من مخيم صبرا واكتفى بمحاصرة المخيمات من الخارج حتى يعيد ترتيب قواته انتظارًا لأوامر جديدة باقتحام المخيمات.

ولقد صدرت له الأوامر في منتصف رمضان من هذا العام باستئناف الهجوم وتحرك العبد المأمور بنفس الحجة القديمة الجديدة وهي منع عودة الفلسطينيين إلى ما كانوا عليه قبل الغزو الإسرائيلي للبنان عام ۱۹۸۲، وإخراج «العرفاتيين» الذين عادوا بأسلحتهم إلى لبنان.

وإذا كانت هذه الحجة الأخيرة قد انطلت في بداية حرب المخيمات الأولى على الفلسطينيين من لجبهة الإنقاذ فانهم اكتشفوا في النصف الأخير من حرب المخيمات الأولى أنهم مستهدفون وان المقصود ليس «العرفاتيين» بالذات وإنما الوجود الفلسطيني في لبنان فاتحد الفلسطينيون دفاعًا عن المخيمات وأفشلوا خطة تصفيتها.

وفي هذه المرة لم تعد نغمة «العرفاتيين» تثير أي اهتمام لدى معارضي عرفات فكانت الوحدة بينهم منذ بداية الهجوم الحالي ولذلك لم يستطع نبيه بري أن يحقق تقدمًا يذكر داخل المخيمات هذه المرة بل إن المدافعين عن المخيمات استطاعوا السيطرة على بعض المناطق المحيطة بالمخيمات.

وتحاول بعض وسائل الإعلام الممتطية صهوة اليسار أن تصور وليد جنبلاط وكأنه مع الفلسطينيين والحقيقة التي يعرفها الفلسطينيون ومسلمو بيروت الغربية أنه رغم تعهداته «بعدم السماح لأحد بأي انتهاكات» إلا أنه مع بدء هجوم قوات نبيه بري سحب مسلحيه إلى الجبل وأخذ يتفرج على ذبح الفلسطينيين، وما الاشتباكات المحدودة التي جرت بينه وبين قوات بري إلا دفاعًا عن النفس حين شعر أن بري يريد أن يتجاوز حدوده بتقليص نفوذ وليد جنبلاط بعد الخلاص من جماعة «شاكر البرجاوي»..

ومن المعروف أن شاكر البرجاوي كان في البداية من حركة «المرابطون» التي يقودها إبراهيم قليلات ثم انفصل عنها وأنشأ حركة مستقلة باسم «حركة ٦شباط» ووقف في وجه السوريين ثم لم يلبث أن خضع لهم ولكنه كان يعمل ضدهم في السر، ولقد اتسع نفوذه حتى سيطر على الطريق الجديدة ووصل إلى أطراف كورنيش المزرعة قبل أن يوعز السوريون لنبيه بري بالقضاء عليه باعتباره مؤيدًا للفلسطينيين.

وتقول المصادر الفلسطينية واللبنانية إن غازي كنعان رئيس الاستخبارات السورية في لبنان هو الذي أصدر الأوامر لنبيه بري بالهجوم وهو الذي وضع خطة الهجوم في بيت نبيه بري ولقد كان ضرب «حركة ٦شباط» قاسيًا وعنيفًا ثم حدثت بعدها تجاوزات ضد مسلمي بيروت الغربية لم يحدث مثيل لها أثناء الاحتلال الصهيوني وذلك حتى تبقى هيمنة نبيه بري بالتعاون مع وليد جنبلاط على مسلمي بيروت الغربية وحتى لا يتحرك هؤلاء لنجدة إخوانهم الفلسطينيين أو التعاون معهم للتخلص من كابوس الهيمنة الطائفية الحقودة واللادينية.

ويظل ضرب المسلمين في غرب بيروت إضعافًا للفلسطينيين، ويظل ضرب الفلسطينيين في مخيماتهم إضعافًا لمسلمي لبنان، أما ما يقال من تعاون الفلسطينيين مع السلطة الكتائبية اللبنانية فليس إلا من قبيل التعاون التكتيكي. -هذا إن صح أن هناك تعاونًا- ذلك أن أمين الجميل أصبح عليه فيتو سوري بعد أن أصبح على ياسر عرفات فيتو سوري ذلك أن غازي كمال يريد أن يحكم كل من في لبنان. وماذا بعد ذلك؟ هل سيتحرك السوريون ومن يتبعهم لتحرير فلسطين؟ إن من يعتقد ذلك يعيش في أوهام بعيدة كل البعد عن منطق الأحداث وواقع الحال.

لقد قالها كيسنجر في مذكراته، قال إن الولايات المتحدة كانت تستعد لتدخل عسكري واسع النطاق في لبنان لتصفية منظمة التحرير الفلسطينية ولكن السوريين تعهدوا أن يقوموا بالمهمة نيابة عن أمريكا، وبالتالي نيابة عن اليهود. 

وإذا كان نبيه بري -الواجهة والأداة- عاجزًا حتى الآن عن تصفية الفلسطينيين وتجريدهم من سلاحهم في مخيمات بيروت فكيف يستطيع بعد ذلك -حسب الخطة الموضوعة- تصفية الفلسطينيين وتجريدهم من سلاحهم في مخيمات صيدا خصوصًا بعد أن عاد المقاتلون الفلسطينيون -كما تقول الأنباء- بعد أن حولوا دول الشتات بعد الخروج من بيروت إلى معسكرات تدريب عنيف ومتواصل قبل أن يعودوا إلى لبنان بأسلحة أكثر فعالية في ظروف المواجهة الجديدة.

ورب سائل يتساءل: ولماذا العودة إلى لبنان وليس إلى فلسطين؟ والجواب أنهم عادوا إلى لبنان وإلى الأردن وإلى سوريا وإلى مصر وهي الدول العربية المعروفة بدول الطوق لتكون مرتكزًا لهم للعبور إلى فلسطين -كما يقول أحد الفلسطينيين العائدين من دول الشتات- ولما كانت الحدود الأردنية والسورية والمصرية محكمة الإغلاق في وجههم فإنهم يأملون عن طريق الجانب الأضعف وهي الحدود اللبنانية أن يتمكنوا من الانطلاق إلى فلسطين، رغم أن قوات نبيه بري وقوات الطوان لحد تقف هم بالمرصاد. 

أرسلت اللجنة الشعبية لمخيم عين الحلوة في جنوب لبنان نداء إلى الرؤساء العرب وإلى الأمين العام للجامعة العربية وإلى رئيس حكومة لبنان تناشدهم الضغط على حركة أمل لوقف تعدياتها على «أبناء شعبنا واستباحة مخيماتنا في الجنوب، لأننا نرى أن من حقنا العيش بكرامة، حق الشقيق على الشقيق، مع اعتبار وجودنا في لبنان وجودًا مؤقتًا، لأننا لن نرضى عن وطننا فلسطين بديلًا، وعند عودتنا إلى فلسطين سنقيم في القدس نصبًا يعانق السماء للقوى الوطنية والإسلامية الداعمة لحقوق شعبنا الوطنية».

 ولكن نبيه بري يرفض مبدأ تسليح المخيمات توطئة لتصفيتها ويأخذ على عاتقه وحده مسؤولية أمن الجنوب ومن ضمنه من المخيمات بل وأمن بيروت الغربية ومخيماتها وهذه هي الحجة الدائمة للهجوم على المخيمات.

في اجتماع لما يسمى بهيئة العمل الوطني لبحث موضوع أمن المخيمات قال هيثم جمعة ممثل نبيه بري إن «أمل» لا ترى مبررًا لاستمرار تسلح المخيمات في الجنوب وأصر على منع دخول أي «غريب» عن المنطقة مع استعداد أمل «كذا» لتأمين السلاح لكل مناضل ينوي الاتجاه جنوبًا لمقاومة المحتل وعملائه وهنا رد عليه أحد الحضور ضاحكًا: يبدو أن هناك أشخاصًا لم تسلموهم بعد!!

وحتى كتابة هذه السطور فإن المصادر الفلسطينية تشير إلى أن خسائر الفلسطينيين في حرب المخيمات الجديدة في بيروت بلغت ٦٠ قتيلًا و۳۰۰ جريح وخطف ۷۰ شخصًا وتدمير ۱۰۰ منزل وإصابة ٣٠٠ منزل بأضرار جسيمة وتهجير ١٧ ألف فلسطيني من مخيم برج البراجنة و۷ آلاف من مخيم شاتيلا، وطرد ٣٠ عائلة تسكن في الضاحية الجنوبية.

ومع ذلك فإن خسائر قوات بري في القتلى والجرحى كما تقول التقارير كانت أكبر من ذلك بكثير مما جعل نبيه بري يستنجد بالقوات السورية ولكن السوريين أذكى من نبيه بري.

 وستظل المؤامرة على فلسطين ولبنان قائمة باعتبارها مؤامرة على كل العرب وكل المسلمين وستظل أحجار الشطرنج تتغير والمحرك واحد إلى أن تكتشف هذه الأمة ذاتها الإسلامية الجهادية فتنفض عن كاهلها كل الأدوات المحسوبة على العرب لسانًا والمستقوية بأعداء - الله والواغلة في دماء المسلمين.

الرابط المختصر :