; حرب على الإسلام في تونس | مجلة المجتمع

العنوان حرب على الإسلام في تونس

الكاتب عبدالمنعم محمد حلمى الهاشمى

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980

مشاهدات 128

نشر في العدد 465

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 15-يناير-1980

الإخوان المسلمون ساعدوا الرئيس التونسي في معركته مع الاستعمار الفرنسي

كانت القيروان منذ فجر الفتوحات الإسلامية مركز الإشعاع الحضاري في شمال إفريقيا وغربها وساهمت على مرات التاريخ والعصور في الحفاظ على الإسلام ولغة القرآن الكريم وتراث حضارتنا الزاخر وللزيتونة في تونس – أقدم جامعات العالم ولأختها جامعة القرويين في على دور كبير في بناء المجتمعات الإسلامية فكريًا وثقافيًا وحضاريًا.

ونالت بلاد المغرب استقلالها بفضل جهود علماء الإسلام في هذه المراكز العلمية الذين مهدوا للثورة وساهموا في تذكية روح الجهاد والتضحية ضد الاستعمار الغربي.

ولا ينسى التاريخ جهود: 

جمعية العلماء في الجزائر التي أسسها رائد الحركة الإسلامية المعاصرة في هذا القطر الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الإبراهيمي فكانت سوطًا يلهب ظهر الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في جبال الأوراس. 

وجهود علماء الزيتونة والقرويين الأوائل في مقارعة موجات الفرنسة والتغريب مثل الشيخ عبد العزيز الثعالبي مؤسس الحزب الحر الدستوري التونسي في العشرينات والمرحوم المناضل محيى الدين القليبي والمرحوم الأستاذ علال الفاسي زعيم حزب الاستقلال في المغرب الأقصى.

وكفاح السنوسية في ربوع ليبيا التي جمعت بين الجهاد والتربية الروحية في مقاومة الاستعمار الفاشي الإيطالي.

وهكذا انطلقت حركات التحرير في بلاد المغرب إسلامية النشأة واضحة الأهداف نظيفة المقاصد يحركها شعورها الإسلامي قبل أن تستغلها القوى المتربصة وتشوه تاريخها الناصع. 

ولكن ما هي أوضاع المغرب العربي بعد الاستقلال وخلال هذه الفترة حيث بدأت تتحرك علنًا المؤامرات الرخيصة لضرب الاسلام – ومطاردة الدعاة وتشريد العلماء واضطهاد المسلمين.

إن الأوضاع مختلفة تمامًا حتى – عما كانت عليه في عهد الاستعمار وأقل ما توصف به أنها متعفنة تدعو إلى المراجعة واليقظة.

وقد جرني إلى هذه اللفتة التاريخية القصيرة ما رددته صحيفة الشرق الأوسط السعودية نقلًا عن صحيفة – لاكسيون التونسية لسان الحزب الحاكم في عددها الصادر يوم الجمعة 7/12 حيث قالت تحت عنوان «الصحف التونسية تهاجم بعض التيارات»: نددت صحيفة لاكسيون الناطقة الرسمية باسم الحزب الدستوري أمس بالحملة الدعائية التي تشنها بعض التيارات التي وصفتها بأنها «الرجعية والتابعة من العصور الوسطى والتي تزعم فيها أنها تدافع عن الإسلام في تونس».

وفي مقال افتتاحي طويل بعنوان «اليقظة تفرض نفسها» أعربت الصحيفة عن قلقها من التيارات المثيرة للقلائل والهيمنة التي تمزق حاليًا العالم الثالث وناشدت الدول الإسلامية توخي اليقظة في مواجهة المجموعات الصغيرة التي تدعي الثورية وتستخدمها في مخططاتها البعيدة عن الدين واختتمت الصحيفة تعليقها

قائلة:

«للقضاء على هذا الخطر ليس هناك سوى سبيل واحد فقط يتمثل في دعم الجبهة الداخلية وقطع الطريق أمام المشعوذين والسحرة وهداية دعاة الظلام والتنديد بالاستخدام السيء للدين ولإيمان الشعب والقضاء على هؤلاء الذين يعملون في الخفاء ويخفون وراء شراع الإسلام الأبيض مخططات التخريب السوداء».

هذا ما قالته جريدة الحزب في شباب الاسلام الذي رفض التبعية والميوعة والفساد بمختلف صوره وقد سبقتها إلى هذه الحملة النكراء أخت لها شيوعية في القطر الجزائري المجاور تحمل على شباب الجزائر المسلم وتدعو إلى إبادته. 

وسوف لا أتناول بالتعليق ما ورد في هذه الصحيفة المأجورة لأن الشعوب المسلمة تجاوزت حاليًا مرحلة النوم والغفلة والخداع والتضليل التي كانت فيها منقادة لأهواء الحكام الظلمة، وأصبحت اليوم على قدر من الوعي بما يدور حولها، الأمر الذي يجعلها تعرف من الكذاب الأشر؟ وأصبحت بوعيها الاسلامي تميز – والحمد لله.

بين المؤمنين الصادقين والملاحدة الكفرة.

وبين المخلصين الجادين والمنافقين البالغين في الخيانة وبين الأمناء واللصوص وبين جند الله وجنود إبليس الغاوين. 

ونترك الأمر للشعوب وحدها لتحاسب المخربين الحقيقيين الذين باعوا دينهم وضمائرهم وقهروا شعوبهم وأسلموا القياد للاستعمار.

ولكن ما يجب أن تعرفه الشعوب المسلمة لتكشف عدوها الحقيقي هو: تاريخ بعض الأحزاب ومواقفها المخزية – التي سرقت نضال الإسلاميين وجهادهم واحتضنت مبادئ الاستعمار وثقافته وباتت حارسة مصالحه المادية والمعنوية في بلاد المسلمين شرقًا وغربً.

فالحملة المكشوفة – هذه – في صحف حزب الشلة الحاكمة في تونس ليست غربية على العارفين بأوضاع تونس السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبتاريخ الحزب الحاكم فيها، فقد سبقتها خطوات كثيرة لإزاحة الإسلام عن مسرح الحياة وإبداله بما يسميه أصنام الحزب: بالبورقيبية المتفتحة والمنفتحة والمفتوحة.

ومما لا يجوز أن نجهله: 

أن الحزب الحاكم الحالي تآمر في سنة ١٩٣٤ على قيادة الحزب الحر الدستوري بزعامة المرحوم الشيخ عبد العزيز الثعالبي واستطاع بإيعاز من الاستعمار ومساعدته أن يزيح القيادة الزيتونية – المسلمة – التي أسست الحزب من منطلقات إسلامية ثابتة ويبدلها (بكوادر) غربية الفكر والثقافة والاتجاه لتخدم مصالح فرنسا وتحافظ عليها.

وظهر ما يسمى بالحزب الدستوري «الجديد» الذي تكفل بما عجزت فرنسا عنه.

فتولى تربية نخبة من القيادتين داخل أروقة الصادقية وهي مدرسة أنشأتها أيد ذات ميول غربية لتنافس الزيتونة. 

مثلما فعلت دول استعمارية أخرى في بلاد العالم الاسلامي – وقد تخرج فيها معظم المغتربين الموجودين اليوم كرئيس الوزراء الحالي نويرة – محمد الصباح – الشيوعي الفكر والمعتقد – فضلًا عن رئيس الجمهورية نفسه وبقية تلاميذه في عرض البلاد وطولها.

بادر إلى إبعاد العناصر المسلمة – ذات التكوين الثقافي الإسلامي التي عاشت في رحاب الزيتونة – وتقليص دورها لتصبح رهينة جدران المساجد تأتمر بأمر الحزب وتخدم أهدافه.

والحزب الحاكم – حين يحتفل اليوم بذكرى تأسيس الزيتونة ويستدعي بعض الشخصيات العلمية لحضور حفل الافتتاح بداية من هذه السنة فقط إنما يفعل ذلك لخلق هوة واسعة بين قدماء الزيتونة والجيل المسلم الجديد الذي فاء إلى الإسلام قريبًا وضرب المسلمين بعضهم ببعض وايهام الناس - كذبًا ونفاقًا - بالولاء للإسلام. 

رضي الحزب الحالي – بالاستقلال الداخلي سنة ١٩٥٥ وهو استقلال جزئي منقوص – ورفض المضي في المقاومة للحصول على الاستقلال الكامل والسيادة التامة مما جعل أحد قادة الحزب وهو صالح بن يوسف – يعلن انشقاقه وشجبه لهذه الخطوة التي رأى فيها رجوعًا إلى الوراء واستسلامًا غير مباشر للاستعمار الفرنسي. 

كما ندد بالاتفاقيات السرية بين فرنسا والقيادة الحزبية التي تنص على ربط تونس بفرنسا ثقافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. مع الإبقاء على العلم الأحمر التونسي –المشابه لعلم كمال أتاتورك تمامًا – كواجهة تحريرية هشة وخادعة. 

وانتهت حياة هذا الرجل بالاغتيال في إحدى المدن الألمانية في الستينات واضطهد أنصاره وأودع آخرون سجون الحزب للآن. 

وتعرف هذه الأحداث في تاريخ الحزب الحاكم – بالفتنة اليوسفية كما يحلو له أن يسميها ويسمي كل معارضة شريفة.

وكانت أولى بنود الاتفاق السري القضاء على جامعة الزيتونة العريقة لما سببته من إزعاج لفرنسا فبادرت السلطات الحالية بمباركة بابوية في الفاتيكان – كما تشهد الوثائق الموثوقة – إلى إغلاق الزيتونة والمدارس القرآنية وتشريد علمائها وتحطيم كل ما يمت إلى الثقافة الإسلامية بصلة. كما تم بيع المخطوطات الثمينة للمتاحف الغربية وأخليت المساجد العريقة من التراث الإسلامي العظيم. 

علمنة البلاد نهائيًا بالتدريج – وذلك:

بفرض إفطار رمضان علنًا 

بمنع تعدد الزوجات وتشديد العقوبة على المخالفين

بتسوية الجنس في الميراث

بتحديد عدد الحجاج والمعتمرين 

بإنكار النبوة وشتم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خطب علنية - ما زالت مدونة – وقد تولى الرد على تخرصات الرئيس التونسي بعض علماء السعودية الفضلاء كالشيخ التويجري في مجلة البلاغ الكويتية. 

بجعل السيادة باللغة الفرنسية في التعليم والإدارة. 

بتعميم مواخير الدعارة والانحلال في كل مكان.

وأخيرًا بالتواطؤ العملي مع الصهيونية العالمية والدعوة إلى التعايش مع إسرائيل.

فقد نادى الرئيس التونسي في حيفا سنة ١٩٦٦ بضرورة الاعتراف بإسرائيل والرضا بالأمر الواقع، وأذكر أن بعض الصحف العربية أطلقت عليه لقب مجس النبض الأمريكي للتعرف على ردود الفعل العربية ومدى تقبل العرب لفكرة التعايش السلمي مع اليهود. 

واليوم حين تتحول الجامعة العربية إلى تونس فإنها لا تحدث تغييرًا جديدًا كما يذهب أمينها الجديد، بل أن وجودها هناك سيخدم إسرائيل كثيرًا. ومما ذكرته الصحف أخيرًا أن الرئيس التونسي سافر إلى سويسرا قبل مؤتمر «القمة» – العاشر لا للعلاج، ولكن لمقابلة أطراف كامب ديفيد حسن التهامي وغيره – ومما يحسن تدوينه للتاريخ والأجيال سواء داخل تونس خارجها أن الرئيس التونسي الذي يقف حزبه اليوم موقف العداء.

والحرب للإسلام – كان له صلات وثيقة بالإخوان المسلمين وبمؤسس الحركة الشهيد حسن البنا في القاهرة وتذكر وثائق الجماعة المحفوظة للتاريخ إلى الآن أن الإخوان ساعدوا الرئيس التونسي وبعض قادة المغرب العربي – ماديًا ومعنويًا – وفي معركتهم مع الاستعمار الفرنسي حين كانوا لاجئين في القاهرة قبل الاستقلال وهذا ما يذكره المنكرون ويتجاهله المتجاهلون الآن ويصمون الإسلاميين في بلادهم بالتخريب والعمالة وتعكير الأمن الاجتماعي كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولوا إلا كذبًا. 

هذا قليل من كثير أملته على الأحداث المؤسفة أخيرًا في تونس والجزائر ليوضح موقف الحزب وجرائده في الاسلام الممتحن. 

ولكن موضوع الإسلام وصراعه مع قوى البغي والعدوان لا تكفيه هذه السطور الموجزة فالصراع مستمر منذ ربع قرن من الزمان ولن يعرف توقفًا حتى يأتي على البقية الباقية من الدين. 

ويبدو أن الصراع بات اليوم مكشوفًا للرأي العام داخل البلاد وخارجها فقد تم منذ أيام قليلة اعتقال رئيس تحرير مجلة المجتمع التونسية بعد 6 أعداد فقط من صدورها، وهو الأستاذ راشد الغنوش. وسيمثل للمحاكمة في ۱۹ - ۱۲ - ۱۹۷۹ م كما تم إغلاق مجلة المعرفة – الإسلامية نهائيًا – وصدرت مجلة المجتمع لمدة ٨ شهور، ومنع الأئمة والخطباء من الحديث في المساجد المحاصرة بالبوليس.

يحدث هذا في المغرب العربي كما حدث مثله في سوريا وغيرها من بلاد المشرق ويمكن القول بيقين أن مخططات أمريكا لضرب الحركات الإسلامية أخذت تنفذها أطراف «كامب ديفيد» «وكامب تونس» وثبت أن جميع الأطراف والأقزام دمى متحركة في مسرح العرائس الأمريكي ترقص على أنغام القسيس كارتر. 

فمتى يستيقظ المسلمون لحماية دينهم وشبابهم المعذب – المضطهد؟ وأما صراع الإسلام وجنود إبليس في ليبيا والجزائر والمغرب فأرجي الحديث عنه في لقاء قادم بإذن الله تعالى. 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الرابط المختصر :