العنوان نفوذ اليهود في الدولة الفاطمية الجزء الثاني
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978
مشاهدات 100
نشر في العدد 402
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 04-يوليو-1978
ذكرنا فيما سبق أن الدروز يرون الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق وذريته من بعده.. ومنهم مؤسس الدولة الفاطمية.
وإليك -أخي القارئ- بعض الأقوال التي تلقي الضوء على ذلك:
1- تقول دائرة المعارف اليهودية -الجزء الرابع، من صفحة 1- 14.. ما ذكرته دائرة المعارف عن نفوذ اليهود في عهد الفاطميين باختصار:
وبعد أن فتح جوهر الصقلي مصر.. وجلس الخليفة المعز على العرش.. أصبح لليهود أهمية كبرى، وكان أحد اليهود ويسمى -بالتيل- وزيرًا مقربًا للمعز ولابنه وخليفته العزيز، وقد أورد المؤرخ أهيماز أن بالتيل هذا ساعد الفاطميين على فتح البلاد.. وبذلك وجد اليهود حاميًا كبيرًا لهم في شخصه الموجود في البلاط، وكان بالتيل أول من تولى منصب النجيد -أي منصب رئاسة الطائفة اليهودية- في مصر.. ومن الطريف أن نذكر أن بعض الناس يرون أن بالتيل هذا هو جوهر الصقلي نفسه الذي أسس القاهرة، ولا يعرف عن أصله إلا القليل. ويرى آخرون أنه ليس إلا يعقوب بن كلس الذي أسلم فأصبح مسئولًا كبيرًا في البلاط الفاطمي، وكان وزيرًا للعزيز بالله.. وبقي كذلك حتى مات.
وقد خلف بالتيل في منصبه ابنه صموئيل، ثم ابن ابنه يوسف.
ثم تقول دائرة المعارف اليهودية:
- وقد تمتع اليهود برفاهية في مصر؛ لأنهم تعلموا اللغة العربية.. وكانت معاملة الخلفاء والوزراء الفاطميين لهم في غاية اللطف.. وكان لليهود المصريين علاقات تجارية ودينية نشيطة مع إخوانهم يهود فلسطين والعراق..
- وكانت لهم محكمة عليا توجد في الفسطاط، وكان يرأسها ديان، وهو لقب لما يسمى الآن بقاضي القضاة، وكانت له سلطة على المحاكم اليهودية الإقليمية.
ومن كبار اليهود الذين وجدوا في مصر أو وفدوا إليها في تلك الفترة هم: منسة بن إبراهيم القزاز- موسى بن اليعازر وابناه إسحاق وإسماعيل وحفيده يعقوب بن إسحاق- وابن سكرية بن سعدة.. وكان كل هؤلاء أطباء في قصر الخليفة المعز. بالإضافة إلى كل من: إسحاق بن سليمان الإسرائيلي- وإسحاق هاكوهين بن فرات- وسعدية بن يوسف.. وهو العالم المعروف بـــ: سعيد الفيومي.
- وقد استمرت الأحوال الطيبة في حق اليهود طوال العصر الفاطمي حتى السنين الأخيرة لحكم الحاكم بأمر الله الذي تسامح مع اليهود، وكان يستخدم عددًا كبيرًا منهم.. ومنهم طبيبه الخاص الحقير النافي..
إلا أنه لمزاجه المتقلب.. اضطهد اليهود.. فترك عدد كبير من اليهود دينهم ودخلوا في الإسلام، وهاجر آخرون إلى اليمن والأقاليم البيزنطية الأخرى.
- وفي عهد الخليفة الزاهر.. انتهت هذه الاضطهادات وسمح لليهود والمسيحيين الذين دخلوا الإسلام أن يرجعوا إلى دينهم الأصلي.
- وفي عهد المستنصر.. كان لتاجرين يهوديين نفوذ كبير، ومارسا السلطة في الدولة، وهما:
أبو سعد إبراهيم.. وأخوه أبو نصر هارون.
- وفي عهد المستعلي انتفع اليهود كثيرًا واحتل بعضهم المناصب الكبرى في الدولة.. وكان أبو المنيا سليمان رئيسًا للقسم الزراعي في الدولة.. وقد اشتهر هذا كثيرًا لأنه حفر قناة من النيل.. ولكنه سجن فيما بعد؛ حيث اتضح أنه كان مسئولًا عن تبديد أموال ضخمة في حفر هذه القناة، وكان النجيب يهودا بن سعدية طبيبًا للبلاط.
- وقد خلفه في منصب الطبيب الخاص للخليفة الحافظ أبو منصور صموئيل بن حنانية.
- ومن اليهود ذوي المراكز المهمة في هذه الفترة -القرن الثاني عشر-: أبو المعالي صموئيل بن يهودا، وأبو السرور بن طريف، وداود بن إسحاق هاليفيي وناتانيل بن إليعازر هاكوهين الذي كان يسمى أبو النقر، وإفراييم بن شماليا الذي كان من غزة.. وأصبح ريس التجمع اليهودي بالفسطاط.
وحديثنا يطول.. عن نفوذ اليهود في الدولة الفاطمية نكتفي بما ذكرناه، وسنرجع له فيما بعد، وكان هذا النفوذ هو الذي جعل شاعر مصر في ذلك العهد والمعروف بــ: ابن البواب أن يقول:
يهود هذا الزمان قد بلغوا |
| مرتبة لا ينالها فلك |
الملك فيهم والمال عندهم |
| ومنهم المستشار والملك |
يا معشر الناس قد نصحت لكم |
| تهودوا فقد تهود الفلك |
2- أفتى بعض علماء القيروان.. -وهو أبو الفضل عباس المحسي- بوجوب الخروج على دولة بني عبيد الفاطمية؛ لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين.. ثم قال: فلا تتوارثوا معهم ولا تتناسبوا.
ولم يقتصر أبو الفضل على الإفتاء بل شارك بنفسه في حرب الفاطميين مع أبي يزيد الخارجي.. ولقي حتفه بمعركة الوادي المالح مع خمسة وثمانين صالحًا من صلحاء القيروان. انظر: معالم الإيمان للدباغ، ج3.
3- قال الشاعر سهل الوراق في هجو بني عبيد -وهو غير الشاعر سهل بن محمد الوراق الأندلسي من شعراء القرن الثاني- الفاطميين في تائيته الطويلة، جاء في مطلعها:
هل أنت بعد الشيب ذو صبوات |
| أم مرعو عنها مطيع نهاة |
ثم يقول:
ما قص في التنزيل سوءة أمة |
| إلا وفيهم ضعفها سوءات |
ومتى تخبرهم بسيرة من مضى |
| قالوا أتخبرنا بمخترقات؟ |
الطاعنين على النبي محمد |
| والقائلين بأسخف القالات |
وإن الإمام هو النبي وإنه |
| رب تعال الله ذو العظمات |
فتنوا بأحمق من عليها كيف لو |
| علقوا بذي لب وذي إخبات |
هدم المساجد وابتناها منزهًا |
| لمضارب العيدان والنايات |
4- قال المالكي في رياض النفوس -مخطوط بدار الكتب المصرية-: قال بعض الشعراء في هجو بني عبيد:
الناكثين عهود الله كلهم |
| قوم إلى سفه في الناس أوضاع |
العابدين إذا عجل يخاطبهم |
| بسحر هاروت من كفر وتبداع |
لو قيل للروم أنتم مثلهم لبكوا |
| أو اليهود لسدوا صمخ أسماع |
6- قال شاعر العربية المتنبي مخاطبًا محمد بن طفح الإخشيدي التركي -في أواخر سنة 322 أو أوائل سنة 347- بقوله:
وقيل عدوت على العالمين |
| بين ولادي وبين القعود |
خالك تقبل زور الكلام |
| وقدر الشهادة قدر الشهود |
فلا تسمعن من الكاشحين |
| ولا تعبأن بعجل اليهود |
وكن فارقًا بين دعوى أردت |
| ودعوى مغلت بشأو بعيد |
قال أديب العربية الكبير محمود محمد شاكر معلقًا على الأبيات السالفة في كتابه المتنبي -والذي أصدرته المقتطف في 1- 1- 1936م بمناسبة انقضاء ألف سنة على وفاة المتنبي-:
والبيت الثاني استثارة لابن طفح.. إذ كان من أعداء العلويين في غير علانية.. وكان من أنصار العباسية فهو يقول له: ما لي أراك تقبل في قول أعدائك وأعداء مواليك العباسيين؟.. وكان أولى بك أن تزن أقوالهم بما تزنهم به، فقدر الشهادة قدر الشهود، فلا تسمع لهؤلاء الذين يضمرون العداوة الكاشحين.
ثم وصل كلامه عن العلويين بذكر العلويين الفاطميين فقال:
- ولا تعبأن بعجل اليهود..
وعجل اليهود: كناية عن أحد الدعاة الفاطميين الذين كانوا هناك بالشام..
وتأويل ذلك.. أن العباسيين وكثيرًا غيرهم حتى من العلويين أنفسهم -كبني حمدان- كانوا لا يعترفون بنسبة الفاطميين، ويزعمون أن جدهم كان يهوديًّا.
وأسلم ليدخل على الإسلام فاسد العقائد نكاية.. وساعدهم على ذلك أن الدعوة الفاطمية كانت دعوة سرية لها أصول خاصة، ودرجات مرتبة.. من درجة التلمذة إلى درجة داعي الدعاة.. ولكل درجة من الدرجات تعليم خاص.. ومرتبة معروفة مقيدة، فقول المتنبي: عجل اليهود، إشارة إلى ذلك.
ولا أنسى أن أعود بالقارئ إلى بيت من أبيات المتنبي في ذكر التنوخيين يذكرهم بقوله:
أليس عجيبًا أن بين بني أب |
| لنجل يهودي تدب العقارب |
يقول محمود محمد شاكر:
- وقد تبين لنا بعد البحث الطويل في تواريخ العلويين من أن بعض الدعاة الفاطميين كان قد دخل اللاذقية.. وهي من منازل تنوخ.. وأدخل قسمًا من التنوخيين في الدعوة الفاطمية.. فرقة العلويين.. وفرقة الفاطميين، وهذه الأخيرة هي التي خرج منها.. الدروز، وهم تنوخيون.
وفريق الدروز يتهمون من قديم بعبادة العجل.. وقد نفى ذلك كثير من الباحثين.. والله أعلم بحقيقة أمرهم.
ولعل هذا هو السر في قول أبي الطيب المتنبي: عجل اليهود، يشير بذلك إلى الفاطميين.
وفي قوله: نجل يهودي، يريد: داعي الفاطميين الذي قسم التنوخيين وضرب الإخوة بعضهم ببعض. اهـ.
ونكتفي بهذا القدر، ولعله كان كافيًا -أخي القارئ- في إلقاء الضوء على الطائفة التي خرجت منها طائفة الدروز.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل