العنوان حركة فتح: أزمة الخطاب السياسي وترهل البناء التنظيمي
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2005
مشاهدات 59
نشر في العدد 1654
نشر في الصفحة 35
السبت 04-يونيو-2005
ملأت حركة فتح الفضاء السياسي الفلسطيني بنفس مهيمن خلال العقود الماضية لاعتبارات إقليمية ودولية، وكان لشخصية عرفات وما تمتع به من دعم عربي متمثلًا بالضخ المالي على وجه الخصوص أثر كبير في تكريس مكانتها وقدرتها في الهيمنة على القرار السياسي الفلسطيني.
فضلًا عن هامشية قوى اليسار الفلسطيني وضعفها خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية المساندة، مضافًا إلى ذلك الظروف الموضوعية التي أخرت ظهور التيار الإسلامي في الساحة الوطنية الفلسطينية والذي برز بقوة لافتة في الثلث الأخير من عقد الثمانينيات من القرن المنصرم.
فتح بعد رحيل عرفات
رحيل عرفات - ضابط الإيقاع التنظيمي والسياسي بأسلوبه المتفرد الذي أعطب الكثير من الآليات التنظيمية داخل أطر الحركة- وضع فتح أمام تحد كبير، باعتبار أن رحيله زمنيًا وظرفيًا شكل منعطفًا خطرًا في مسيرة الحركة ووضعها مباشرة قبالة تحديات البقاء المهيمن المرتجى، ومتطلبات المستقبل بأثقالها وخاصة على صعيد التسوية، ذلك الاستحقاق الخطر الذي يتهدد الكيانية الفلسطينية بشكل عام ومستقبل فتح على وجه الخصوص.
التأثر البنيوي في الجانب السياسي شق الحركة عموديًا إلى تيارين.
الأول: تيار التسوية في اتجاه واحد وهم في الغالب يشكلون مجموعة «البزنس» ومن يدور في فلكهم، وهؤلاء يملكون مفاتيح المال إذ إن ٦٠٠ وكالة تجارية تتوزع على ٣٥٠ نافذًا منهم، وكذلك فهم ينعمون برعاية المؤسسات المالية الدولية وهم يهيمنون على أطر صناعة القرار، ويتمتعون بدعم دولي وإقليمي؛ بسبب تماهي أجندتهم السياسية مع الأطراف الدولية، وأبرزهم محمود عباس . أبو مازن.
والثاني: تيار المزاوجة بين المقاومة والتفاوض ومن زعاماتهم الشبابية الأسير مروان البرغوثي أمين سر اللجنة الحركية العليا لفتح بالضفة الغربية. وقد دفعت تفاعلات الانتفاضة وضغطها الجماهيري بمناخها المشبع بالمقاومة باتجاه صناعة التيار الأخير.
وعلى صعيد التأثر التنظيمي نجد أن الخريطة الداخلية للحركة تتضمن شرخًا آخر يتضح في التباينات التي تبرز بين التيار المتنفذ من شيوخ الحركة الذين يمسكون بدفة الأمور، وهؤلاء يتربعون على المناصب القيادية العليا ويتحكمون في صناعة القرار الداخلي، يقابلهم التيار الشبابي الذي يتزعمه مروان البرغوثي المطالب بدمقرطة قرارات الحركة وإصلاح برنامجها السياسي. وقد شارك في خلق هذه الظاهرة امتناع عرفات عن تنظيم الانتخابات الداخلية لحركة فتح وهي التي تفرز القيادات الجديدة في العادة.
تحقيق الوحدة والهيمنة
والحال كذلك فعلى إثر رحيل عرفات وبسبب الخطر الخارجي تحركت رؤوس الحركة متناسية التناقضات الداخلية باتجاهات مختلفة للحفاظ على لحمتها ولضمان بقاء هيمنتها على السلطة ومنظمة التحرير، وفي ضوء تنبؤات تتوقع تشرذمها بعد رحيل زعيمها، على هذا الصعيد حاول الزعنون رئيس المجلس الوطني أن يرتب مسألة اختيار أبو مازن لرئاسة السلطة عبر المجلس التشريعي وما يتضمنه ذلك من تغيير في النظام الأساسي للسلطة الذي يقرر اختيار رئيس السلطة مباشرة من قبل الشعب.
وفي اتجاه آخر قام الزعنون بترتيب صفقة بين فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير وأحد أعمدة فتح المخضرمين وأبو مازن، حظي الأول بموجبها برئاسة أمانة اللجنة المركزية لفتح، وحصل الثاني على رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وحملت الصفقة بمضمونها بعد التوازن بين توجهين يمثلهما الرجلان داخل الحركة لضمان تماسكها، كما أنها تضمنت بعدًا آخر تمثل في ضمان بقاء هيمنة فتح على المنظمة، أكثر من ذلك قررت اللجنة المركزية لفتح - وبأسلوب متفرد - إمكانية جمع رئاسة السلطة واللجنة التنفيذية للمنظمة في شخص واحد، وبهذا الإجراء تم لفتح الاستيلاء مجددًا على رأسي الهرم في النظام السياسي الفلسطيني القائم.
تعيش فتح منذ نشأتها حالة ميوعة أيديولوجية، إذ إنها قامت على قاعدة التحرر الوطني البحت دون مرجعية أيديولوجية موحدة، وفي إطار ذلك جمعت في صفوفها كافة الأطياف السياسية والفكرية في تشكيلة متناقضة، وهذه الحالة هي حاضنة الفيروس الذي أدى إلى غياب الرؤية السياسية المتماسكة التي افتقدتها الحركة طوال عمرها.
استمرار غياب المرجعية الواحدة وانتفاء الرؤية السياسية المتماسكة يتهددان الحركة في الوقت الراهن أكثر من أي وقت مضى، لأنها الآن أمام أسئلة كبيرة تتعلق بالأجندة الفلسطينية وبحاجة للإجابة عنها من قبل الحركة دون التباس ودونما تأجيل، وهذه الأسئلة تتعلق بالموقف السياسي النهائي من مفردات التسوية الأساسية كحق العودة والقدس والحدود والمستوطنات وغيرها، وعلى ضوء الإجابات هذه سيتحدد مصير الحركة وطبيعة مستقبلها في الحياة السياسية الفلسطينية.
مسألة أخرى تتعلق بمستقبل الحركة وهي: حالة التناقض التي تعيشها فتح بين حالتي الثورة والدولة وهي ذات الحالة الملتبسة التي تعيشها الحالة الفلسطينية برمتها حاليًا. وفي هذا الإطار من الصعب على الحركة أن تتجه إلى أحد الخيارين الاستراتيجيين بشكل خالص؛ لأن حالة الثورة تتناقض مع استحقاقات تسوية أوسلو، بينما حالة الدولة في الوقت الراهن منقوصة ولا تتوافر لها أدنى مقومات السيادة والاستقلال الوطني.