العنوان حركة «فتح الله كولن».. تركيا وأمريكا والمال
الكاتب د. أحمد عيسى
تاريخ النشر الخميس 01-سبتمبر-2016
مشاهدات 76
نشر في العدد 2099
نشر في الصفحة 26
الخميس 01-سبتمبر-2016
ملف العدد
حركة «كولن».. انحراف الفكر والممارسة
كشفت لائحة الادعاء التركي أن «كولن» وجماعته يتحكمون بثروة في تركيا والعالم تُقدر بـحوالي 150 مليار دولار تضم بنوكاً وجامعات ومدارس ودور سكن للطلبة
المجلس التركي الديني: جماعة «كولن» في الجانب الديني تقدم تصوراً مختلفاً للدين يقوم على «التقية» لتحقيق أهدافها دون النظر لأحكام الحلال والحرام
«كولن» لأتباعه: لا بد أن تتسللوا داخل شرايين النظام حتى تتمكنوا من زمام السلطة وعليكم بالصبر حتى تجتمع كافة المؤسسات الدستورية إلى جواركم
ككاتب ينظر إلى الأدلة والبراهين ليصل إلى الحقيقة ويمررها للقارئ، فقد حاولت في هذا المقال أن أتعرف على حقيقة العلاقة بين حركة «فتح الله كولن» والغرب في مساندته الإستراتيجية التي أدت إلى محاولة الانقلاب في تركيا، كما سيلقى المقال الضوء على دور المال في حركة «كولن».
بداية؛ لا شك أن هناك حيثيات قوية تؤيد وقوف «كولن» وحركته خلف محاولة الانقلاب، من ذلك اعترافات القادة العسكريين، وقناعة غالبية الشعب التركي بذلك، فقد أعلن «أردوغان» أن هناك اعترافات من المشاركين في الانقلاب بأن التعليمات وصلتهم من «فتح الله كولن»، مشيراً إلى أنه يكشف سراً لأول مرة؛ وهو أن أحد الخاطفين لرئيس الأركان طلب منه التحدث هاتفياً مع «كولن».
وأظهر استطلاع رأي لمؤسسة «أندي-آر» لقياس الرأي العام، نشرته «رويترز»، أن نحو ثلثي الأتراك يعتقدون أن «كولن»، المقيم في الولايات المتحدة، كان وراء محاولة الانقلاب في تركيا يوم 15 يوليو الماضي، وهي نتيجة تتماشى مع موقف الدولة(1)، وهناك تسجيل مصور لـ «كولن» ظهر عام 1999م يدعو فيه أتباعه لاختراق مؤسسات الدولة الرئيسة، قال فيه: «لابد أن تتسللوا داخل شرايين النظام، حتى تتمكنوا من زمام السلطة، ويجب عليكم التحلي بالصبر؛ حتى تجتمع كافة المؤسسات الدستورية إلى جواركم»، لكنه يزعم أنه قد جرى التلاعب في التسجيل.
لائحة الادعاء
محكمة الجزاء الرابعة في العاصمة التركية أنقرة، قبلت، 22 يوليو 2016م، لائحة الاتهام الموجهة ضد منظمة «الكيان الموازي»، بزعامة «كولن»، والتي جاء فيها أن المنظمة وزعيمها يعملان تحت إمرة الولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة الاستخبارات المركزية.
وورد في اللائحة، التي أعدتها النيابة العامة بحق 73 مشتبهاً بينهم «كولن» أن عملاء من CIA يعملون على التغلغل داخل دول مختلفة حول العالم، وجمع معلومات استخباراتية تحت ستار مدارس تابعة للمنظمة في تلك الدول، وأكّدت اللائحة أن «كولن» لا يمكنه البقاء في ولاية بنسلفانيا، دون رعاية من أمريكا، وهي لا تسمح لزعيم المنظمة بالبقاء داخل أراضيها، إذا لم تكن لديها مصالح وراء ذلك.
وذكرت أن منظمة «كولن» تقوم بجمع أموال من المواطنين في تركيا عبر خداعهم باسم الله والدين، ثم تتبرع بتلك الأموال لدعم الكنائس، والانتخابات الرئاسية، وانتخابات مجلس الشيوخ في الولايات المتحدة الأمريكية، وجاء في اللائحة أن «كولن» وجماعته، قاموا بمحاولة انقلابية حقيقية للسيطرة على الدولة التركية؛ بهدف إدارتها من خلف الستار، عبر استخدام السلاح، ولفتت اللائحة إلى أن إفادات الشهود أثبتت أن منظمة «كولن» لها صلات برؤساء اللوبي الأرميني، واليهودي، والمحفل الماسوني، وأن «كولن» تبادل الهدايا معهم.
وأشارت إلى أن «كولن» أسّس علاقة صداقة مع رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية «مورتون أبراموفيتش»، وأجرى لقاءات معه بين الأعوام 1983 – 1990م، ورئيس رابطة مكافحة التشهير اليهودية «أبراهام فوكسمان»، وأجرى لقاءات أيضاً مع بابا الكنيسة الكاثوليكية «يوحنا بولس الثاني»(2).
«كولن» والغرب
يسلط تقرير في صحيفة «الجارديان» الضوء على شخصية المتهم الرئيس بتدبير المحاولة الفاشلة، فقالت: لقد اعتاد العالم على التنافس والعداء بين العلمانيين والإسلاميين في تركيا، وقد شهدت تلك المنافسة عدة محاولات انقلابية متبادلة بين الطرفين، إلا أن ظهور حركة «حزمة» (خدمة) بزعامة «كولن» في أوائل التسعينيات قدم بديلاً ثالثاً، بخلاف العلمانيين والإسلاميين، وقد نمت هذه الحركة وأصبح لديها مراكز أبحاث ومدارس منتشرة على مستوى العالم، وجنت ثروة طائلة، لاقى توجه «كولن» ترحيباً لدى النخب العلمانية في تركيا، وهو ما سمح لمؤسساته بالتمدد، بل إن القضاء برأ ساحته من تهمة العمل على أسلمة تركيا وتقويض علمانيتها، وسبق له أن اعترف بأنه علماني مسلم لا يعادي العلمانية.
وكان هذا المسار الآمن لـ «كولن» بسبب طبيعة حركته النائية عن الإسلام السياسي الذي كان مساراً للإصلاحيين الأتراك مثل «مندريس»، و«أربكان»، ومن بعدهم «أردوغان» وحزبه، وكذلك وجد الغرب ضالتهم في حركة «كولن»، المنفتحة على الغرب، حيث يرى «كولن» ضرورة إقامة الحوار مع الأديان، واستبعاد صفة العداء في التعامل مع «إسرائيل» وأمريكا والدول غير الإسلامية، حيث إنها قوى يجب التعامل معها، وهذه الدول اعتبرته ممثلاً عن الإسلام الوسطي (الغربي) الذي يعني البعد عن الإسلام السياسي، والقبول بالتعايش بالإسلام وفق القيم والمصالح الغربية، وهما ما توافرا في توجه «كولن»(3).
مؤسسة «راند» في تقرير لها بعنوان «إسلام حضاري ديمقراطي»، قسمت العالم الإسلامي إلى: المتشددين، والتقليديين، والمجددين، والعلمانيين، وأوصت في التقرير - باعتبارها مؤسسة قريبة من دوائر صناعة القرار في أمريكا - بضرورة دعم أمريكا تيار المجددين، وعلى رأسهم «فتح الله كولن»، ووصفته المؤسسة بأنه يقدم صيغة لتحديث الإسلام شديدة التأثر بالصوفية، ويركز على التنوع والتسامح واللاعنف، وقالت: ويشجع القائد الديني التركي «كولن» الإسلام الصوفي الحديث المعتدل، حيث إنه يعارض تنفيذ الدولة للقانون الإسلامي، مشيراً إلى أن معظم اللوائح الإسلامية تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد، ويهتم القليل منها بأمور الحكم، فالدولة كما يعتقد هو لا ينبغي أن تطبق أو تنفذ الشريعة الإسلامية؛ لأن الدين مسألة شخصية، لذلك حظي «كولن» بثناء الساسة الأمريكيين مثل «كلينتون»، و«بيكر»، و«أولبرايت»(4).
150 مليار دولار
برقيات السفارة الأمريكية في أنقرة تنقل عن مصادر تركية مطلعة أن عدد أعضاء الحركة يتراوح بين 2 - 5 ملايين من الأتباع، معظمهم في أماكن جيدة لخدمة الحركة في قطاع الاقتصاد أو الشرطة أو القضاء، وتدعم المنظمة مشاريع تجارية كبيرة، وجزء كبير من ثروة الحركة - التي يُعتقد أنها ضخمة للغاية - تمر من خلال مؤسسات خيرية وتجمعات تجارية (جمعيات رجال أعمال) ما يحجبها عن الأنظار، بالإضافة إلى إنشاء شبكة ضخمة من المدارس في جميع أنحاء العالم لا سيما في آسيا الوسطى وأفريقيا والولايات المتحدة كذلك(5).
وكشفت لائحة الادعاء التركي، أن «كولن» وجماعته يتحكمون بثروة في تركيا والعالم تُقدر بـحوالي 150 مليار دولار، حيث تضم تلك الثروة بنوكاً، وجامعات، ومدارس، ودور سكن للطلبة، ومعاهد للدروس الخاصة، ومؤسسات إعلامية، ومطابع، ودور نشر، وشركات شحن، وشركات أخرى.
ونشرت صحيفة «صباح» التركية تقريراً تحدّثت عن معلومات تُكشف لأول مرة خلال شهادة شخص مسؤول بجماعة «كولن» تتعلق بحجم الأموال التي تجمعها الجماعة، والتي تسميها «الهمة»، ويُقصد بها التبرعات من رجال الأعمال والشركات والمواطنين؛ التي تُجمع من أجل الأعمال الخيرية التي تقوم بها الجماعة، وقال الشاهد متحدثاً فقط عن محافظة أسكيشهير: إن هناك ما يقرب من 200 شخص يُطلق عليهم اسم «متولّي»، وهم مسؤولون ورجال أعمال تابعون للمنظمة، يتواجدون في المحافظة، ويجمعون الأموال والتبرعات ويسلمونها لإمام المقاطعة، مضيفاً أنّ حجم التبرعات السنوية التي تجمعها الجماعة في المحافظة يصل إلى 7 ملايين ليرة تركية (2.3 مليون دولار)، كما أشار في إفادته إلى أنّ جماعة «كولن» سربت أسئلة امتحان دخول جهاز الشرطة؛ وهو ما ساهم في تغلغل عناصر «كولن» داخل الشرطة.
وتقدر بعض المصادر تبرعات أنصار «كولن» ما بين 5 و10% للمؤسسات المرتبطة بحركته(6).
ونشرت صحيفة «صباح» التركية تقريراً في عددها الصادر في 10 يناير 2014م حول استغلال المكافآت التي يتم توزيعها على منسوبي الأمن، وأشارت إلى أن الميزانية السنوية المخصصة للتوزيع على منسوبي الأمن كمكافآت 202 مليون ليرة تركية (حوالي 96 مليون دولار)، وأن 75% من هذه الميزانية يذهب سنوياً إلى خزانة منظمة «الكيان الموازي».
بيان مجلس الشورى الديني التركي
ندّد مجلس الشورى الديني التركي، بجماعة «الكيان الموازي»، التي يتزعمها «فتح الله كولن»، والتي حاولت القيام بانقلاب منتصف شهر يوليو الماضي، واصفاً إياها بغير أخلاقية، ومزدوجة المعايير، وتعمل بوجهين.
وفي بيان ختامي، قال المجلس: إن الجماعة سمحت لأعضائها بالكذب والتملق والابتعاد عن الدين من أجل التمكن من التغلغل في كافة المؤسسات الحكومية والقضاء والشرطة والجيش؛ بهدف السيطرة عليها والانقضاض على الحكم بطريقة غير شرعية.
وأضاف أن جماعة «كولن»، التي ترى كل شيء مباحاً وتستغل الدين والأحاسيس الدينية لدى مؤيديها من أجل الإطاحة بالديمقراطية والإرادة الشعبية، لا يمكن أن توصف بأنها جماعة دينية.
ولفت إلى أنه لا يمكن القبول بأن أحداً آخر على وجه الأرض معصوم من الخطأ سوى الرسول عليه الصلاة والسلام، مشيراً إلى أن زعيم الحركة يدّعي أنه يرى الرسول في أحلامه، ويتحدث معه حول الواقع الحالي للبلاد.
وأضاف: الجماعة تجمع أموال الزكاة من أجل فتح قنوات تلفزيونية وإقامة فعاليات مشبوهة، إضافة لنقل الأموال لاستخدامها في حملات انتخابية خارج البلاد(7).
ما جاء في بيان المجلس التركي الديني، أشار إليه الباحث العربي حسين الرواشدة – كما نشر في «تركيا بوست»(8) - حيث قال: إن جماعة «كولن» في الجانب الديني تقدم تصوراً مختلفاً للدين يقوم على «التقية» لتحقيق أهدافها دون النظر لأحكام الحلال والحرام (الحجاب ودفع الرشوة مثلاً)، وذكر بعض أوصاف وأهداف الحركة:
1- تمييع حالة «التدين» لمواجهة حركة الدين في المجال السياسي والعام، فهي كحركة صوفية تتبنى فكرة «الإسلام الروحي»، وتعتقد أنها تستطيع من خلال التغلغل في المجال الاجتماعي إلى أن تصل لمرحلة «التمكين» السياسي، وهذا ما حدث تماماً في تجربتها الحالية.
2- نزع حالة العداء الديني في عالمنا العربي والإسلامي للمشروع الصهيوني، وتعميم التطبيع مع المحتل تحت ذريعة أن الوقت غير مناسب لمواجهته واستعدائه، وقد تمثلت هذه النزعة في تبرع «كولن» السخي لإحدى المدارس التبشيرية (ملياري دولار) ولقاءاته مع الحاخامات، وفي علاقة الجامعات التي أنشأتها الجماعة مع الجامعات «الإسرائيلية»، وفي إدانة «كولن» لسحب السفير التركي من تل أبيب، وفي رفضه لسفينة «مرمرة» حين توجهت لمساندة أهل غزة المحاصرة.
3- استخدام مناطق النفوذ الديني والثقافي بما تمثله من شخصيات دينية وسياسية للاستقواء على المشروع الذي يمثله «أردوغان»، وتوظيف ذلك في معركة الصراع على السلطة بين الخدمة وحزب العدالة والتنمية، أو بين العثمانيّة التي يدعو إليها «أردوغان» وتركيا القوميّة التي يبشر بها «فتح الله كولن».
4- تخويف العالم العربي من خطر الإسلام السياسي، واستخدام ذلك كمظلة للعبور والتغلغل من جهة، وتطمين الدوائر السياسية العربية بأنها جماعة دعوية ترفع شعار «الإسلام الاجتماعي» من جهة أخرى، ثم إغراء المجتمعات العربية بالمشتركات والمصالح التي تحملها كبديل للإسلام السياسي الذي أصبح غير مرغوب فيه ومطلوباً في هذه المرحلة.
مع الضغوط الداخلية والخارجية هناك تخوف من أن الإجراءات الصارمة التي اتخذتها السلطات في تركيا لحماية كيانها، قد يدفع بجماعة «كولن» للعمل السري، ولعل الضمانة الكبرى لخروج تركيا من أزمتها الحفاظ على ديمقراطية نظامها السياسي الذي جاء بحزب العدالة والتنمية إلى الحكم وحماها من الانقلاب، والعامل الرئيس في نجاح ذلك هو الشعب التركي الأبي، وكلي أمل في ذلك، ودليلي هو رأي الأتراك أنفسهم.
فقد أصدر «مركز الدراسات التركي» (كوندا)، المتخصص في عمل استطلاعات للرأي، تقريراً عن نتائج مسح ميداني شمل عدداً من المشاركين في مظاهرات «صون الديمقراطية» في مختلف ميادين مدينة إسطنبول، وعند سسؤالهم عن الحزب الذي سيصوتون له لو كان هناك انتخابات اليوم؟ أجاب 84% منهم بمنح أصواتهم لحزب العدالة والتنمية(9).>
الهوامش
(1) «رويترز عربي»: استطلاع رأي: معظم الأتراك مقتنعون بأن «كولن» وراء محاولة الانقلاب.
http://ara.reuters.com/article/idARAKCN106109
(2) النيابة العامة في تركيا: «كولن» يعمل بأوامر من «سي آي إيه»، صحيفة «الشرق الأوسط»، 24 يوليو 2016م.
(3) FethullahGülen: who is the man Turkey›s president blames for coup attempt?
The Guardian 12 July 2016
(4) Civil democratic Islam, partners, resources, and strategies
RAND 2003
(5) 5 things to know about man Turkey blames for coup
http://www.politico.eu/article 18 July 2016
(6) مجلس الشورى الديني التركي: جماعة «كولن» غير أخلاقية ومزدوجة المعايير، وكالة «الأناضول»، 4 أغسطس 2016م
www.aa.com.tr/ar
(7) من هو «فتح الله كولن» المتهم بأنه العقل المدبر لانقلاب تركيا؟
BBC Arabic 19 July 2016
(8) من هو «كولن»؟ ومن هم جماعة «الخدمة» في تركيا؟ «تركيا بوست»، 23 ديسمبر 2014م.
http://www.turkey-post.net/p-10675/
(9) استطلاع رأي: 84% سيصوتون لحزب العدالة والتنمية في أقرب انتخابات.
http://www.turkey-post.net/p-147827/
13 Augusts 2016