; حروف على رقعة الشطرنج: الثورة الإيرانية والخيار الديني | مجلة المجتمع

العنوان حروف على رقعة الشطرنج: الثورة الإيرانية والخيار الديني

الكاتب مبارك فهد الدويلة

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

مشاهدات 64

نشر في العدد 881

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

البداية، كانت في خريف ۱۹۷۹ عندما أعلن الخميني قيام الجمهورية الإسلامية في طهران، وما لبث أن أعلن مبادئ الفكر الثوري الذي يتبناه، وكان من أبرز هذه المبادئ استبدال الحكم الإمبراطوري الشاهنشاهي بالحكم الإسلامي وقوانين الشريعة الإسلامية، وأكد على أن الهدف البعيد للثورة «الإسلامية» هو تحرير القدس من دنس اليهود!!. 

واستبشر المسلمون خيرًا في جميع بقاع العالم، فمنذ عشرات السنين لم يسمعوا بحكم دستوري إسلامي، يسعى لتحقيق طموح المسلمين وأهدافهم، فأسرعوا في إصدار بيانات التأييد، وانهالت برقيات الدعم على طهران من مختلف بقاع المعمورة، وتتابعت الوفود الرسمية والشعبية؛ فرحة بسقوط الشاه، مهنئة بقيام النظام الإسلامي الجديد، مترقبة لرؤية تطبيق سليم لحكم الشريعة الإسلامية.

ولكن، وبعد فترة قصيرة من إعلان قيام الثورة، بدأت الصورة تظهر أكثر وضوحًا، وبدأت النوايا الخفية تنفض عنها غبار الخديعة والدجل، فلم تعد خفية، وسرعان ما اتضح الخطر العنصري الفارسي الطائفي واضحًا في أقوال بل وأفعال القائمين على الثورة، فبدأوا يسمون الخليج العربي بالخليج الفارسي، وأخذوا يتكلمون الفارسية مع الوفود العربية مع إتقانهم للعربية، وأعلنوا مبدأ جديدًا لم يكن من مبادئهم ابتداء ألا وهو مبدأ تصدير الثورة!!، ولكن تصديرها لمن؟ للدول العربية الخليجية، وكان أولى بهم تصديرها لتحرير فلسطين أو لطرد الروس من بلاد الأفغان المجاورة!!، وبعد أن بدأت حرب الخليج واستمرت طوال هذه السنين التي ملأوا الخليج رعبًا وإرهابًا للشعوب المسالمة على ضفافه، وللسفن المحايدة في وسط عبابه، وفوق ذلك يصرون على استمرار الحرب مهما كان الثمن غاليًا!، وكيف لا يكون غاليًا وهو من دماء المسلمين وأرواحهم وأموالهم؟!، ثم لم تكن فتنتهم إلا أن يدعوا أنها ثورة إسلامية وجمهورية إسلامية وحكامها من المسلمين، وأنهم يطبقون الإسلام!

والآن وبعد أن توقفت الحرب - مؤقتًا كما يبدو - هل ما نراه في طهران هو تطبيق للإسلام؟، هل ما لمسناه من مخلفات الثورة الإيرانية هو نتيجة تطبيق الإسلام؟، هل ما وصلنا إليه في المنطقة من دمار وخراب وتعطيل لبرامج التنمية والتطوير وانهيار الوضع الاقتصادي في إيران ودول الخليج هو نتيجة طبيعية للثورة الإسلامية وتطبيق النظام الإسلامي؟!.

طرحت هذه الأسئلة على الطفل محمد، الذي يبلغ من العمر تسع سنوات

فأجاب: لا، لا يمكن ذلك!!. 

فهذا الطفل يدرس في مادة التاريخ في الصف الثالث الابتدائي سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعرف مما درس أنه كان يدعو إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، وأنه لم يقاتل إلا الكفار والمشركين بعد أن تبيّن له أن قتالهم في مكة لم يكن لصالح المسلمين، وأما وهو في المدينة وبعد استقرار الأوضاع للمسلمين فيها وتكوين دولة الإسلام، فقد أذن الله له بقتالهم.

كما درس هذا الطفل من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن قتل الشيخ والكبير والمرأة والطفل، ونهى عن التمثيل في القتلى، هذا كان هديه مع المشركين. 

أما ما نراه ورأيناه من أقوال وأفعال لرجال الثورة الإيرانية، فهو العجب العجاب، فلم يمض عام حتى بدأوا بترويع شعوبهم وشعوب المنطقة في حرب أكلت الأخضر واليابس لم يراعوا فيها إلًّا ولا ذمة، وكانوا يقاتلون المسلمين في إصرار وكبرياء ليس لها مثيل وكأنهم يقاتلون اليهود في فلسطين!!. 

لقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ترويع المسلم، وهم أصروا على ذلك مع أهل الخليج.

وأكبر خطيئة ارتكبوها أنهم رسموا للإسلام صورة مشوهة عند الآخرين، الذين لا يدركون منطلق الثورة ولا أبعاد التركيبة الطائفية لمجتمعاتنا، فتجدهم يستغربون من قتال أتباع الدين الواحد بعضهم مع بعض، ومن قوة الإسلام في تعامله مع الآخرين، ومن الطبيعة الإرهابية للمسلمين خاصة بعد سماعهم لأخبار الخطف والتفجيرات وقصف الصواريخ للمنشآت المدنية والاقتصادية.

فبدأوا يدربون أبناءهم في مناهجهم أن الإسلام دين الإرهاب، وأن المسلم إرهابي بطبعه، مستشهدين لذلك من واقع الثورة الإيرانية ومخلفاتها!!. 

وليت الأمر توقف عند رؤية غير المسلمين لنا، بل تعدى إلى أن استغل خصوم الدين من أبناء جلدتنا، استغلوا هذه الأفعال؛ لتعميم المسؤولية على جميع الدعاة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، فبدأ العلمانيون ومن شايعهم من یسار وقوى لا دينية بإعلان سقوط الخيار الديني، مدعين أن ما يدعو إليه الخميني هو نفسه ما تدعو الله الجماعات الإسلامية في الوطن العربي، وأن حالنا ستكون شبيهة بحال الإيرانيين عندما يحكمهم الفكر الديني!!، هكذا بكل خبث وسوء مقصد، ونسوا أو تناسوا أن الشعوب العربية عامة والخليجية خاصة تدرك أبعاد ثورة الخميني ومنطلقاتها، وأن أول من أكتوى بنار الثورة في إيران هم عرب فارس من أهل السُنة. وهكذا تستمر الدعوة إلى الله في البلاد العربية قوية شامخة رغم الأباطيل والأكاذيب والشبهات.

الرابط المختصر :