العنوان حروف على رقعة الشطرنج- لا.. للحضارة الخواء
الكاتب عبد الله العبادي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1988
مشاهدات 68
نشر في العدد 870
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 14-يونيو-1988
يكتبها هذا
الأسبوع: الدكتور عبد الله العبادي
جامعة قطر
يحضرني ما كتبه
أحد المولعين بتقليد الغرب والمستوردين لأفكارهم في صحيفة أحد البلدان العربية عن
«الحب» حيث استخلص ذلك الكاتب نتيجة فقال:
«ثبت أخيرًا أن
الحب مصدره الشم وليس القلب». وقد رد عليه أحدهم وسأله عن جدوى هذا الهراء وأسبابه
ودوافعه ومعناه! وكأن مجتمعاتنا الإسلامية «بحسب ما كتب ذلك المولع!!!» خلصت من
مشاكلها إلا من الحب.. ومصدره.. الشم أم القلب!؟ وأقول: إن محاولات بعض الأقلام
طرح قضايا الحب.. والمرأة.. والحجاب.. والتحرر النسائي.. كل هذا يستهدف أمرين:
الأول: طرح مادة
غريبة بين يدي شباب هذه الأمة.. يلوكونها في إطار صرفهم عن مواضيع المعاناة
الحقيقية التي فرضت عليهم.. والمشاكل التي عقدت لهم حياتهم اليومية كمشكلة
الطوابير الطويلة اليومية أمام أفران الخبز في معظم بلدان عالمنا المسلم، ومشكلة
السكن التي لم تتجاوز فردًا إلا وعانى منها في معظم أقطارنا المسلمة.. فضلًا عن
المشاكل اليومية القاتلة التي تعاني منها معظم مدن بلادنا كمشكلة المواصلات على
سبيل المثال.. ومعروف أن كثيرًا من هذه المشاكل افتعلت للمواطن في العالم الإسلامي
ليبقى رهين المحبس الاقتصادي والمعاشي لا يفكر بما يطرح عليه، ولا يقاوم ذلك الظلم
الذي يحيط به.
الثاني: تغريب
المجتمعات الإسلامية عن طريق تقليد ما هو غربي ولو تجاوز ذلك حدود الشرع الإسلامي
الحنيف.. بل إن حملة التغريب التي ركزت على المرأة.. والحب.. وحرية ما يسمى بنصف
المجتمع!! لا تستهدف الإنسان في المجتمع الإسلامي فحسب.. بل إنها في حد ذاتها
تستهدف الإسلام وعقائده وتشريعاته.. لأنها هي حصن المجتمع المسلم... وحصن الإنسان
فيه.
إن التركيز على
المرأة.. وهي الكيان الأضعف يعني إفساد نصف المجتمع.. وأقول لقد حقق المَغرِبون
ومقلدو الحضارة الغربية خواءً كثيرًا في مجال تغريب المرأة.. ومحاولات التغريب هذه
ليست جديدة.. فقد بدأت منذ سقوط الدولة العثمانية ودخول الاستعمار الغربي إلى بلاد
المسلمين وقد فقدت معظم المجتمعات الإسلامية كثيرًا من أصالتها وقيمها الإسلامية..
حتى صار الأصل في تلك المجتمعات أن تمارس المرأة كل ما يمارسه الرجل من أعمال.. بل
إن المرأة ومنذ زمن مزقت الحجاب ولبست بنطال الرجل.. وذهبت إلى الحلاق الذي سموه
لها «كوافير» وهو رجل أيضًا في معظم الحالات!! وما كانت المرأة تدري أنها سارت في
طريق الامتهان.. فها هي اليوم مادة في الصحف والمجلات في قسم «الإعلان»!!
أليس من المهازل
أن البعض حتى الآن ينادون إلى تحرير المرأة وسفورها وهناك كثير من المشاكل والمآسي
داخل المجتمع الإسلامي تحتاج إلى حلول جذرية؟ أليس من المخجل أن ننادي إلى تحرير
المرأة وفلسطين لا تزال مغتصبة وإخواننا الفلسطينيون في أشد مراحل محنتهم يعيشون
في الخيام والخوف يحيط بهم من كل جانب؟ أليس من العار أن ينادي البعض إلى تحرير
المرأة وخلع حجابها والمسلمون في أفغانستان وغيرها ما زالوا يواجهون الكفر
والإلحاد؟
ينادون بذلك
وكأنه لا توجد مشاكل سوى تحرير المرأة وخلع النقاب عن وجهها.
ثم لنرجع قليلًا
إلى الوراء في البلدان التي دخلتها الحضارة الغربية وتحرير المرأة من قيود الدين،
ما هي المنجزات التي أنجزتها تلك المرأة المتحررة؟ وما هي الاختراعات التي
اخترعتها؟
إن الحضارة
الخاوية ما هي إلا كسراب يتراءى للناظر من بعيد فيحسبه الظمآن ماء فإذا جاءه لم
يجده شيئًا، وهكذا كلما جَدَّ في السير نحوه عاث وابتعد عنه مرة أخرى وهكذا.
وصدق الله
العظيم حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا
وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
(النور:38).
وصدق البشير
النذير عليه أفضل الصلاة والتسليم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى
لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه».
فهل عَقَلَ
المسلمون وأدركوا كل ذلك ليأخذوا من الحضارة ما ينفع ويتركوا ما يرديهم ويبعدهم عن
دينهم؟ أم ما زالوا يسيرون وراء كل ناعق ويحذون حذو كل مراهق؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل