العنوان حرية الرأي والتفكير والتعبير.. والتباسها بالبغي والعدوان على الآخرين
الكاتب زهير إبراهيم الخالد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
مشاهدات 58
نشر في العدد 1377
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 23-نوفمبر-1999
- الضرب على أيدي العابثين بحرمات الله ليس حجرًا على حرياتهم، وإنما حماية لسفينة المجتمع من أن يغرقوها بجهلهم وسفههم.
- المفهوم السائب للحرية هو الفوضى بعينها وإذا تفلت الإنسان من أحكام الشرع وضوابط الأخلاق هبط إلى مستوى البهيمة.
من المغالطات الكبيرة في عالم المفاهيم, الخلط المتعمد بين مفهومين متغايرين متميزين هما: مفهوم حرية الرأي والتفكير والتعبير، ومفهوم البغي على الآخرين والعدوان عليهم.
والذي يقوم بهذا الخلط المتعمد هم المستشرقون وتلامذتهم من العلمانيين وسواهم بقصد التلبيس على العامة، ولتحقيق أغراضهم من الفساد والإفساد المتعمد, وللتهجم على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، وأعلام المسلمين وعلمائهم باسم حرية الرأي والتفكير والتعبير، وليبقوا في منأى عن المؤاخذة أو حتى المساءلة.
لقد أراد هؤلاء المغالطون المخادعون, أن يتخذوا من حرية الرأي والتفكير والتعبير مطية لهم، ومنفذًا ينفذون منه للطعن في الإسلام وأهله, ومترسة يتترسون بها في وجه المسلمين وعلمائهم ومثقفيهم، وسلاحًا يطعنون به من يغضب للإسلام وأهله ويتصدى للرد عليهم، فيتهمونه أنه محارب لحرية الرأي والتفكير، وأنه متعصب ومتزمت وضيق الأفق، وأنه يريد الحجر على التفكير وحريته, بل يريد الفتنة وإثارتها، وما إلى ذلك من افتراءات وتهويلات.. وذلك كله لإسكات صوته, وصوت كل إنسان يريد التصدي لهم والرد عليهم.
لقد أخذ هؤلاء المغالطون المخادعون في هذا الأمر وأعادوا، وهو الخلط المتعمد بين مفهوم حرية الرأي والتفكير والتعبير، وبين البغي على المسلمين والعدوان عليهم في دينهم وعقائدهم ومقدساتهم بقصد التلبيس على عامة المسلمين حتى التبس ذلك فعلًا على بعضهم، وصار لا يفرق بين حرية الرأي والتفكير والتعبير, والعدوان على المسلمين والبغي عليهم في دينهم ومقدساتهم وأئمتهم، ومن ثم فإن بعض هؤلاء العامة صدقوا مزاعم المغالطين المخادعين، بل إن بعض هؤلاء- من العامة- وصل التغرير بهم إلى أنهم جعلوا ينتقدون من يغضب للإسلام إذا أسيء إليه، ويرى أن غضبهم مما لا يتفق وحرية الرأي والتفكير والتعبير، ومن هنا لابد من إزالة مثل هذا اللبس, وكشف هذه المغالطة.
حرية الرأي والتفكير والتعبير هي جانب من الحرية الشخصية للإنسان, التي هي الأصل في حياة الإنسان، فقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا .. وهي الخلاص من العبودية وشوائبها التي تطرأ على الإنسان بفعل نفسه كأن يعبد نفسه لهوى يستحوذ عليه، ويوجهه كيف شاء، ويمنعه من أن يبصر الهدى أو يستمع إليه، سواء كان هوى نفسه أو هوى غيره.. أو يعبد نفسه للمال، أن يجعل المال وتحصله وجمعه من أي سبيل كان, من حلال أو من حرام، متعلق قلبه وأكبر همه ومبلغ علمه.
الحرية الشخصية هي التحرر من هذه العبوديات كلها، ومن شوائبها التي تُخضع الإنسان لغير خالقه, عز وجل، وتجعل قلبه معلقًا بغير خالقه, سبحانه.
لكن بعض الناس التبس عليه المفهوم، فظن الحرية الشخصية أن يفعل ويقول ما يشاء ولو كان في ذلك خروج على أحكام الشرع, والنظام العام وعلى الأخلاق والآداب العامة.. بل إن بعضهم يظن أن الحرية الشخصية لا تتحقق إلا بالتفلت من أحكام الشرع وضوابط الأخلاق، وهذا ما يشير إليه قولهم: فلان متحرر، وفلانة متحررة, ويقصدون بذلك أنهما متفلتان من أحكام الشرع وضوابط الأخلاق.
مع أن التفلت من أحكام الشرع وضوابط الأخلاق, اتباعًا للأهواء والشهوات ليس من الحرية في شيء، إنما هو عين العبودية للأهواء, كما قال تعالى عنهم: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23).
إن هذا المفهوم للحرية وهو التفلت من أحكام الشرع وضوابط الأخلاق واتباع الأهواء هو أليق بالبهيمة والأنعام التي تتحكم فيها غرائزها وتوجهها حيث شاءت لإشباعها، لا تعرف خُلقًا يضبطها، ولا أدبًا تقف عنده، لكن الإنسان كرمه ربه عز وجل، وأنزل له الشرائع، والقيم الخلقية والفضائل، وميزه بالإرادة التي تتحكم في غرائزه, وتضبطها بأحكام الشرع وضوابط الأخلاق, وتقف به عند حدود الآداب العامة فلا يتجاوزها.
فإذا تفلت الإنسان من أحكام الشرع وضوابط الأخلاق، وتحكمت فيه غرائزه هبط إلى مستوى البهيمة والأنعام كما قال تعالى: ﴿وَٱوَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ (محمد: 12).
بل إن هذا المفهوم السائب للحرية، هو الفوضى بعينها، وهو ما يسمى بقانون الغاب, لو أن كل إنسان أراد أن يفعل ما يشاء لانتهى الأمر لأن يسيطر القوي على الضعيف، كما هو الشأن في الغابات، حيث يفترس كل حيوان ما هو أضعف منه.
ومن هنا قيل: إن حريتك تنتهي عند بدء حرية الآخرين. فلكل إنسان حد يقف عنده لا يصح أن يتجاوزه باسم الحرية، فإن فعل كان ذلك عدوانًا على غيره.
فأنت, مثلاً، لست حرًا في أن تفتح تنورًا، أو ورشة حدادة أو إصلاح سيارات في سوق مخصص للأقمشة واللطائف والنفائس التي يفسدها دخان التنور أو دخان الحدادة والسيارات، كما أنك لست حرًا في أن تمشي بسيارتك بسرعة في شوارع مزدحمة، وأن تخيف الناس وتعرضهم للأذى أو تعرض حياتهم للخطر.
ومن فعل شيئًا من ذلك كان معتديًّا على غيره, ومؤذيًّا لهم، ومن ثم يمنع نظامًا، ولا يقال إن منعه هو تقييد لحريته، أو تدخل في شؤونه الخاصة، بل هو حماية للآخرين من أذاه، ومن عدوانه عليهم.
وقل مثل ذلك عن صاحب المذياع أو التلفاز أو المسجل الذي يرفع صوته بحيث يسمع جيرانه ويزعجهم ويقلق راحتهم به، لا سيما في هدأة الليل، أو وقت القيلولة ظهرًا، فيوقظ النائم، ويؤذي المريض، ويشوش على العابد المتهجد، والعالم الباحث، والطالب الذي يذاكر دروسه وهكذا.
والعجيب من بعض هؤلاء أنك إذا خاطبته وطلبت منه أن يخفض صوت مذياعه، أجابك: أنا حر في بيتي, أفعل فيه ما أشاء.. وكأن جاره ليس حرًا في بيته، بل هو مجبر على أن يسمع ما يريده له جاره، وفي الوقت الذي يختاره له جاره.
وقل مثل ذلك عن المرأة أو الفتاة التي تريد أن تخرج متكشفة تثير الفتنة بمفاتنها.. فإذا قيل لها: تستري قالت: أنا حرة في نفسي أفعل ما أشاء... مع أن من حق الشباب أن يكونوا دائمًا في عافية من حر الإثارة، ومن ثم فإن تكشف المرأة في المحلات العامة والشوارع والطرقات، هو بغي وعدوان عليهم، ومن يعتدي على غيره يُمنع من ذلك بقوة الشرع, أو القانون.
ثم إن خروج المرأة متكشفة تثير الفتنة بغي منها وعدوان على القيم الخلقية والآداب الإسلامية العامة للمجتمع المسلم، ومن حق المجتمع المسلم أن يحمي قيمه الخلقية وآدابه الإسلامية العامة من العدوان عليها وأن يأخذ على أيدي العابثين المعتدين عليها.
يضاف إلى ذلك أن خروج المرأة متكشفة هو بغي على محارم الله عز وجل، وانتهاك لها، وقد حرم الله تعالى على المسلمين انتهاكها، وفرض عليهم حمايتهم من أن تنتهك.. ومن ثم فرض عليهم أن يمنعوا النساء من الخروج منكشفات, أو كاسيات عاريات.. فإن قصروا في ذلك عرضوا أنفسهم لغضبه سبحانه، ونقمته.
وفي الحديث الشريف عند الإمام أحمد, رحمه الله « ما من قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي ، هم أعزُّ و أكثرُ ممن يعملُه ، ثم لم يغيِّروه ، إلا عمَّهم اللهُ تعالى منه بعقابٍ »(الألباني:5749).
وفي حديث آخر حين سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش, رضي الله تعالى عنها، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم « فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ؛ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ. »(البخاري:3346) أي الفسوق والفجور والمعاصي... والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ (الأنفال : 25).
وقل مثل ذلك عن هؤلاء الذين يطعنون في الإسلام، ونبيه صلى الله عليه وسلم, وفي الصحابة الكرام, رضوان الله تعالى عليهم، وفي أئمة المسلمين وعلمائهم, وقادتهم وأعلامهم باسم حرية الرأي والتفكير والتعبير، فإن فعلهم هذا ليس من حرية الرأي والتفكير والتعبير في شيء، بل هو بغي وعدوان على المسلمين في أعز ما عندهم. وهو حرب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وانتهاك لحرمات الله عز وجل التي حرم الله تعالى انتهاكها، وفرض على المسلمين حمايتها من أن تنتهك وأن يأخذوا على أيدي هؤلاء البغاة المعتدين، وإن لم يفعل المسلمون ذلك عرضوا أنفسهم لغضبه, سبحانه وعقابه.
إن الطعن في أحد الصالحين من المسلمين ذكرًا كان أو أنثى، هو حرب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم, رد عليه رب العزة والجلال بإعلان الحرب, فقال تعالى, في الحديث القدسي: « مَن عادَى لي وَلِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ »(البخاري:6502)، وأولياء الله تعالى هم المؤمنون الأتقياء لقوله تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ (يونس: 62).
فإذا كان الطعن في أحد الصالحين حرب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وآله وسلم، فكيف يكون الطعن بسيد الخلق؟!
يقول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في كتابه الشفا في باب «في بيان ما هو- في حقه, صلى الله عليه وسلم- من سب أو نقص من تعريض أو نص»: إن أي تعريض بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيه انتقاص من قدره هو كفر وزندقة يستحق قائله القتل، ثم نقل أقوال العلماء وإجماعهم على ذلك، فقال: قال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم, المتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كافر- أي من شك في كفر وعذاب شاتم النبي صلى الله عليه وسلم, المتنقص لقدره- هو كافر بسبب شكه وعدم جزمه به, ويعلل الخفاجي، شارح الشفا ذلك فيقول: «لأن الرضا بالكفر كفر».
وهنا، إذا ووجه هؤلاء الطاعنون في الإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم, بحكم الشرع فيهم وبفعلهم، فإنهم يقومون ولا يقعدون، ويلجؤون إلى المراوغة والشغب، فيدعون الإسلام، لا حبًا ولا إيمانًا به, وإلا لو كانوا مؤمنين به لما طعنوا فيه ولما عرضوا بنبيه صلى الله عليه وسلم، وإنما يفعلون ذلك كنوع من المراوغة والمغالطة والشغب على من تصدى لهم من علماء المسلمين ومثقفيهم، وقلبًا للأمور ويقولون: كيف تكفروننا ونحن مسلمون؟.. ومن كفر مسلمًا فهو كافر.. ويتمسكون بهذا الحكم ويتترسون به لا إيمانًا به، ولكن لكي يدفعوا في وجه العلماء المسلمين الذين يبينون حكم الله عز وجل فيهم.
ونقول لهؤلاء: اربعوا على ظلعكم، فإن أساليبكم هذه في المراوغة والمغالطة لا تخفى علينا .. ونود أن نقول لكم أيضًا: إنه لا يوجد عالم من علماء المسلمين ولا مثقفيهم ثقافة شرعية صحيحة، يقدم على تكفير مسلم على ظهر الأرض، وكل الذي يفعله هؤلاء أنهم يبينون للناس حكم الشرع في أقوالهم وأفعالهم، ما كان منها كفرًا، وما كان غير ذلك، وهم حين يبينون للناس أن ذلك القول أو الفعل كفر وقائله كافر، لا يكونون قد كفروا أحدًا .. إنما الذي كفره هو شرع الله عز وجل، وفرق كبير بين تكفير الناس و بيان حكم الله عز وجل فيهم وفي أفعالهم وأقوالهم.
العلماء المسلمون يعرفون واجبهم وهو بيان حكم الله عز وجل في أقوال الناس وأفعالهم ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ﴾ (الأنفال :٤٢) كما يعرفون حدودهم فيقفون عندها وهي: أنهم لا يملكون تكفير الناس، كما أنهم لا يملكون توزيع شهادات الإسلام على غير المسلمين، فهم في الوقت الذي لا يكفرون مسلمًا، فإنهم لا يشهدون لزنديق أو كافر بالإسلام.
وإذًا فإن الطعن في الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم ، ليس من حرية الرأي والتفكير والتعبير في شيء كما يزعم هؤلاء الطاعنون المخادعون، بل هو كفر وزندقة وعدوان على المسلمين في أعز شيء عندهم.
فهل يصح شرعًا وعقلاً أن يترك هؤلاء العابثون يجلبون سخط الله عز وجل على المجتمع بسفههم وعبثهم وزندقتهم باسم حرية الرأي والتفكير والتعبير، ويعرضونه من ثم للهلاك والدمار؟
وهنا قد يقال: إن بعض هؤلاء الذين يطعنون في الإسلام وأهله ولاسيما نبيه صلى الله عليه وسلم ، أو ما يسمونه نقدًا باسم حرية الرأي والتفكير والتعبير أو الذين يرتكبون المعاصي، وكذلك النساء اللائي يخرجن متكشفات أو كاسيات عاريات لا أحد من هؤلاء يقصد تعريض المجتمع إلى غضب الله تعالى وسخطه ومن ثم نقمته وعذابه، بل لا يدركون ذلك ولا شيئًا منه، ويظنون أن ذلك من حقهم.
ونحن نقول: نعم قد لا يقصدون، ولا يدركون شيئًا من ذلك، بسبب جهلهم بأحكام الشرع وسنة الله تعالى في أخذ الأمم والشعوب، لكن ذلك لا يغير شيئًا من سنة الله تعالى في وقوع البلاء في المجتمع الذي تتفشى فيه المنكرات من المعاصي والطعن في الإسلام وأهله، كما أوضح ذلك حديث سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، والذي يقول فيه: « مَثَلُ القائِمِ علَى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فيها، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا علَى سَفِينَةٍ، فأصابَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وبَعْضُهُمْ أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا علَى مَن فَوْقَهُمْ، فقالوا: لو أنَّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فإنْ يَتْرُكُوهُمْ وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، ونَجَوْا جَمِيعًا. »(البخاري:2493).
وإذًا فالذين أرادوا خرق السفينة كانت نيتهم سليمة، وكان غرضهم نبيلاً، وهو ألا يؤذوا غيرهم كلما استقوا من الماء، ولكنهم كانوا جاهلين بما يترتب على فعلهم وينشأ عنه من غرق السفينة وهلاكهم وهلاك غيرهم، ولذا فلو تركهم غيرهم ممن يدرك ما يترتب على فعلهم وينشأ عنه، ولم يمنعوهم من خرق السفينة غرقوا جميعًا وهلكوا، وإن منعوهم نجوا جميعًا، ومنعهم لهم لا يقال له: إنه تقييد لحريتهم الشخصية، أو تدخل في شؤونهم الخاصة بل هو حماية للسفينة ومن فيها - وهم ممن فيها – من نتائج تصرفهم الأحمق الجاهل.
وعلى هذا، فإن الحيلولة بين العابثين بحرمات الله تعالى في المجتمع المسلم، و عبثهم على أي مستوى جاء، وبأية وسيلة كان سواء كان المجاهرة بالمعاصي والفسوق، أو في الطعن في الإسلام وأهله.. إن الحيلولة بينهم و عبثهم ومنعهم منه لا يقال له: إنه تضييق لحريتهم وتدخل في شؤونهم أو حجر على حرية الرأي والتفكير والتعبير، بل هو على الحقيقة حماية لسفينة المجتمع من أن يغرقوها بجهلهم وسفههم، وحماية لهم ولغيرهم من الهلاك الذي تؤدي إليه أفعالهم، ولا يصح أن يخلى بينهم وبينها باسم الحرية الشخصية أو حرية الرأي والتفكير والتعبير.