العنوان حزب «العدالة والتنمية».. ورسائل الانتخابات الجزئية الأخيرة
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر السبت 23-مارس-2013
مشاهدات 62
نشر في العدد 2045
نشر في الصفحة 32
السبت 23-مارس-2013
لأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر يعلن رئيس للحكومة بكل شجاعة بأنه هو الذي اتخذ قرار الزيادة في أسعار المحروقات ويبين أسباب ذلك للناس
لم يعد حزب العدالة والتنمية فقط حزب المدن الكبرى كما كان من قبل بل استطاع اختراق القرى والبوادي
يبدو أن الذين راهنوا على أن تؤدي ممارسة السلطة إلى تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية، يجدون أنفسهم اليوم يشاهدون رهانهم هذا وهو يخسر يوما بعد يوم، فالكثيرون كانوا يراهنون على أن ممارسة الحكم سوف تؤدي حتما إلى تراجع شعبية الحزب خصوصًا وأنه مدعو إلى اتخاذ قرارات لا شعبية لتدارك العجز الكبير جدًا في الميزانية الذي ورثه عن سنوات من الحكومات السيئة.
وهؤلاء المراهنون على تراجع الشعبية بممارسة الحكم ليسوا فقط في أحزاب المعارضة، بل إن هناك في داخل ما يسميه إخواننا المصريون بالدولة العميقة ممن يمثلون جيوب مقاومة محاربة الفساد من راهنوا على أن يتحينوا فرصة ردود أفعال جماهيرية بعد قرار الزيادة في أسعار المحروقات التي تسببت في ارتفاع أسعار مواد غذائية أساسية ليعملوا على الدفع بالناس إلى الشارع للاحتجاج، كما فعلت نفس أصنافهم في مصر وتونس علهم يتمكنون من إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الربيع العربي، ومباشرة الإصلاحات السياسية الكبرى في المغرب.
فشل المراهنة
رغم قوة حزب العدالة والتنمية، فإنه سيحرص على التواجد في الهيئات المنتخبة بحجم معقول فقط وليس بحجم مسيطر
ولكنهم لم يستطيعوا أن يحشدوا في كل المظاهرات التي دعوا إليها أكثر من عشرات المتظاهرين هم في الغالب من أتباعهم أما الشعب فلم يستجب لهم وتقبل أعذار الحكومة في تلك الزيادات، وهذا ربما راجع أساسًا إلى سياسة التواصل المستمر التي اتبعها رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران فلأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر يعلن رئيس للحكومة بكل شجاعة بأنه هو الذي اتخذ قرار الزيادة ويبين أسباب ذلك للناس بينما كانت الزيادات في السابق تتم دون الإعلان عنها.
فشل المراهنة على تراجع شعبية الحزب الذي يقود التجربة الحكومية الحالية أثبتته الانتخابات الجزئية، سواء التي جرت في طنجة ومراكش في الخريف الأخير، أو تلك التي جرت مؤخرا في دمنات قاسم، وسطات، ومولاي يعقوب، واليوسفية... بحيث فاز حزب العدالة والتنمية بأغلب المقاعد المتنافس عليها، بل إنه كان وراء فوز أحد أحزاب الائتلاف الحكومي التقدم والاشتراكية بأن دعمه في حملته وامتنع عن الترشح في نفس دائرته اليوسفية حتى يمكنه من استرجاع مقعده ليضمن بذلك النصاب الذي يؤهله لتشكيل فريق نيابي في البرلمان.
هذه النتائج كان من تبعاتها أن استنفرت أجهزة أحزاب المعارضة سواء منها اليمينية أو اليسارية، فقد سارع المكتب السياسي الحزب الأصالة والمعاصرة المعروف بأنه حزب صديق الملك فؤاد عالي الهمة، إلى عقد اجتماع طارئ قرر خلاله المرور إلى السرعة القصوى في تنزيل الإستراتيجية الانتخابية التي اعتمدها في مؤتمره الأخير خصوصا وأنه فشل في إحراز أي مقعد في كل الانتخابات الجزئية التي جرت.
بل إن بعض المحللين السياسيين قد استنتجوا من هذه النجاحات التي يحرزها الحزب الإسلامي أنها تعلن صراحة عن رضا الشعب على أداء الحكومة رغم الصعوبات الجمة التي تعترض الميزانية، فقد عنونت جريدة أخبار اليوم المستقلة في عددها ليوم السبت ۹ مارس ۲۰۱۳م بالعنوان التالي: «من يجرؤ على معارضة حكومة بنكيران؟». وهو عنوان مستفز لأقطاب المعارضة، خصوصًا الاتحاد الاشتراكي، الذي يبدو مهلهلا في عجزه عن تجاوز مخلفات مؤتمره الأخير الذي خرج منه مفكك الصفوف، وكذلك حزب الأصالة والمعاصرة، الذي بدا عاجزا عن تعبئة الناخبين في غياب دعم أجهزة الدولة التي مكنته من احتلال المراتب الأولى في الانتخابات الجماعية لسنة ٢٠٠٩م.
رسائل مهمة
يرى د. عبد الرحيم منار السليمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الانتخابات التشريعية الجزئية الأخيرة، بالرغم من كونها تبدو غير ذات أهمية من حيث عدد المقاعد المتنافس حولها. فإن قراءتها داخل المسلسل السياسي الذي يجتازه المغرب بعد مرور سنة على صعود حكومة العدالة والتنمية، يجعلها تقدم مجموعة من الرسائل السياسية أولها - حسب السليمي - أن حزب العدالة والتنمية، نجح ليس فقط في هذا الاختبار السياسي، بل إنه أصبح يعطي الشفاعة السياسية الحزب سياسي صغير يشاركه في الائتلاف الحكومي، ويساعده في الحصول على فريق برلماني، يقول عبدالرحيم منار السليمي رغم أن الفاعلين السياسيين الموجودين في المعارضة ظلوا يبشرون ببداية سقوط حزب العدالة والتنمية فإن انتخابات الخميس قبل الماضي توضح أنه بات يتدرج نحو التحكم في التوازنات السياسية في المغرب وأنه انتقل إلى ممارسة ما يمكن تسميته ب الشفاعة السياسية، الأحزاب أخرى فقدرته على تدعيم مرشح حزب التقدم والاشتراكية في دائرة صعبة كاليوسفية بكل دلالاتها السوسيولوجيا والسياسية، تبين أن حزب العدالة والتنمية، نجح في تجربة لم تستطع أن تنجح فيها مكونات ما كان يسمى بتحالف مجموعة الثمانية أحزاب عندما لم تستطع تحالفاتها الميدانية التي جرت آنذاك في دائرات عين الشق أو أزيلال أن تفرز مقاعد نيابية الأحزاب صغيرة، وهذه الجاذبية الجديدة، وفق السليمي، ستجعل أحزابا صغيرة أخرى تسعى إلى الاقتراب من العدالة والتنمية في الانتخابات الجماعية المقبلة.
والرسالة السياسية الثانية: هي أن حزب العدالة والتنمية لم يعد فقط حزب المدن الكبرى كما كان من قبل، بل إنه استطاع أن يخترق القرى والبوادي فحسب السليمي بالرغم من ارتباط حزب العدالة والتنمية بظاهرة انتخابية حضرية، فإن فوزه بالمقعد النيابي لدائرة مولاي يعقوب، يوضح أنه يوسع مشاتله الانتخابية، في مواقع كانت تسيطر عليها، إما الأحزاب التاريخية مثل الاتحاد الاشتراكي» أو «الاستقلال أو الأحزاب المسماة به الإدارية سابقا، وهو مظهر مخالف للاعتقادات التي كانت تقول: «إن وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة، وحالة الاحتجاج الموجودة في المجتمع اليوم ستقوده إلى الانحصار والتراجع.
أحزاب مرهقة
وتدعو المفارقة المتمثلة في ثنائية توسع مشكلات العدالة والتنمية والاحتجاجات، وفق الأستاذ السليمي إلى إعادة قراءة مضمون رسائل هذه الاحتجاجات التي تفسر سطحيًا بأنها ضد حكومة عبد الإله بنكيران وهناك رسالة أخرى عميقة تتمثل في أن الإسلاميين وحدهم من بات يؤطر المجتمع سواء من هم في الحكومة أو من هم في المعارضة.. فالمعارضة بكل فصائلها لم تستطع أن تعبئ للفوز ولو بمقعد واحد منذ انتخابات ٢٥ نوفمبر ۲۰۱۱م، يقول السليمي الذي لا يمكن القول بأن له أدنى تعاطف مع الحركات الإسلامية، بل إنه ظل دائما من أشرس معارضي بن كيران والتيارات الإسلامية جميعا: إن الانتخابات الأخيرة تبعث برسالة أخرى، مؤداها أننا أمام عدد كبير من الأحزاب السياسية التي بانت مرهقة وطنيا ومحليا، لم تستطع تغيير نخبها القديمة أو الدفع بنخب جديدة إلى الحقل السياسي.
غير أن هذا النجاح قد لا يغري حزب العدالة والتنمية بأي رغبة في اكتساح الانتخابات القادمة سواء المحليات أو التشريعية، فهو حزب أقام سياسته دائمًا على أن يكون حزبا مؤثرا لا مسيطرا، وقد أعلن عن هذا في جميع المحطات التي اجتازها، ولذلك فمن المنتظر حسب المراقبين العارفين بطبيعة الحركة الأم التي ينتمي إليها أغلب قادة وأعضاء الحزب التوحيد والإصلاح وبطبيعة الحزب نفسه، أن يعمل الحزب على التواجد في الهيئات المنتخبة بحجم معقول فقط وليس بحجم مسيطر.