العنوان حسابات رمضان في الميزان
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2007
مشاهدات 78
نشر في العدد 1773
نشر في الصفحة 39
السبت 13-أكتوبر-2007
في التراث الإسلامي مقولات كثيرة تثري الحياة الفكرية والعملية، منها مقولة سيدنا عمر بن الخطاب: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم." فلو شرعنا في حساب أنفسنا في هذا الشهر الكريم، شهر القرآن، شهر العبادة، شهر ليلة القدر، شهر الفرقان في بدر، شهر الفتح في فتح مكة، شهر المغفرة ورفعة الدرجات، ولو حاسبنا أنفسنا وراجعنا أعمالنا وأفعالنا وقسناها بمقاييس المجد في رمضان، فماذا نجد؟ نجد كل شيء إلا ما وافق جلال هذا الشهر الكريم وجلال عطاءاته العظيمة.
فعطاءاته الجهادية مبهرة وموحية، ففي السابع عشر منه، يوم الجمعة عام 2 هجرية الموافق 13 مارس سنة 624م، حدثت غزوة بدر الكبرى، إحدى الغزوات الفاصلة في الإسلام، والتي تمثل فيها التوكل الكامل على الله تبارك وتعالى، حيث القول: "اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، عالة يتكففون الناس فأغنهم من فضلك." ظهر فيها الطاعة المطلقة لأمر الله سبحانه، كما تجلى فيها النصر بعد الركون إلى أمر الله إذ قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال: 12) وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: 17).
وكان حقيقًا بأن يأتي نصر الله بعد العزيمة الجبارة التي ظهرت لرسول الله ﷺ والرجولة الفذة، والائتمار بأمر الله ورسوله، فقال المقداد بن الأسود: "والله يا رسول الله لا نقول كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون والله يا رسول الله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك." وقال سعد بن معاذ للرسول-صلى الله عليه وسلم-: "لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله، فخذ من أموالنا ما شئت ودع ما شئت، وما أخذت أحب إلينا مما تركت، وحارب بنا من شئت وسالم بنا من شئت، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك يا رسول الله."
وكان حريًا بجيش مثل هذا أن يعان من الله وأن تتنزل عليه الملائكة وينصره الله سبحانه، وجديرًا بأن يسود وأن يهزم عدوه ويرد الكيد، ويحق الحق ويقطع دابر الكفار والمشركين، ويعلي كلمتي الحق والدين.
فهل ذكرنا رمضان بهؤلاء الأبطال، وبهذه الدروس والعبر، فانتشينا وانبعثنا إلى المجد والسؤدد أم انخذلنا وعصينا، بل وتأمرنا مع عدونا على عباد الله وجنده؟ وقد أذهلني كثيرًا ما نسمع ونرى عن أحوال الشعب الفلسطيني وسلطته، ذلك الشعب الذي يقاسي ظلم الاحتلال وبغيه، وتلك السلطات التي اصطفت مع العدو اليهودي الذي يسلطهم على المؤمنين بالله الذين يقاومون الأعداء ويضحون بكل ثمين وغال في سبيل رفعة شعبهم وعزة أمتهم، فتقوم تلك السلطات بمعاونة الصهاينة وقوى أجنبية بالتمرد على الشرعية وزرع القلاقل في أرجاء الوطن الفلسطيني نيابة عن الأعداء. ويستعملون في ذلك ما يسمى بالأجهزة الأمنية التي أسست لحماية الشعب الفلسطيني، ولكنها الآن تستغل لقهره.
وقد هالني ما أظهرته تلك المليشيات المسلحة المعروفة بالأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية، من شراسة واضحة في ملاحقة كل القوى الوطنية المخلصة، وخاصة حركة حماس، وما أبدته من وقاحة وهمجية في هدم المؤسسات الخيرية والجمعيات الإسلامية. وقد سجلت حركة حماس في تقرير لها ألف اعتداء على الحركة في الضفة الغربية من قبل المليشيات المسلحة التي تخرج من مقرات الأجهزة الأمنية التي تدعمها الإدارة الأمريكية في الآونة الأخيرة بمبلغ 86 مليون دولار، حسب ما أفادت به وزارة الخارجية الأمريكية وصرحت به كونداليزا رايس. وشملت تلك الاعتداءات 639 عملية اختطاف واعتقال للناشطين ضد العدو، وعمليات إطلاق نار على المواطنين 175، و165 اعتداء على المؤسسات وجمعيات خاصة لأفراد من حماس، و25 اعتداء على وسائل الإعلام، و17 اعتداء على الحياة التشريعية و24 على المجالس البلدية... إلخ.
والغريب أن تلك الاعتداءات ليس فيها اعتداء واحد، ولو بطريق الخطأ، على مؤسسة أو مرفق يهودي، كما قبضت السلطة مبلغ 800 ألف دولار للتشويش على المجاهدين إعلاميًا، هذا عدا ما تقوم به من حصار وقطع الرواتب وبذر الفتن.
وبعد، أتظن يا صديقي أن هذه أمة حاسبت نفسها وقاست خطوها، وراجعت أهدافها وراقبت ربها، ووزنت أعمالها؟ وأن تلك السلطات ربيت أو أربت على العزائم، أم أنها تجري وراء الأهواء والسحت الحرام، وتربي على الضياع والإفك؟ وصدق الله: ﴿وَلَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (التوبة: 42).
ويسترون أنفسهم بادعاءات باطلة حتى يخدعوا، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. ﴿لَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَـْٔذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ *وَلَوْ أَرَادُوا۟ ٱلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا۟ لَهُۥ عُدَّةًۭ وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُوا۟ مَعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ *لَوْ خَرَجُوا۟ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًۭا وَلَأَوْضَعُوا۟ خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (التوبة 43 – 47)
وأين هؤلاء من الذين عاشوا مجد الإيمان وربوا على العزة والكرامة وحاسبوا أنفسهم حتى على الموتة التي لا يملكونها.
وقد رأينا خالد بن الوليد الذي قضى حياته كلها مجاهدًا في سبيل الله يقول عند موته: "لقد دخلت حوالي مائة معركة وما في جسدي شبر إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة سيف. وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء." ونحن نقولها اليوم، فلا نامت أعين الجبناء.