العنوان حسرة العربي
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993
مشاهدات 29
نشر في العدد 1039
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 23-فبراير-1993
حسرة العربي
بقلم محمد الجاهوش- الكويت
في ظاهر غرناطة مكان يسمى إلى اليوم حسرة العربي، وهو المكان الذي وقف
عنده أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الطوائف في الأندلس، يبكي ملكه الذي ضاع وزال،
ويلقي على «الحمراء» نظرة الوداع الأخير، فقالت له أمه:
ابك مثل النساء ملكًا مضاعًا *** لم تحافظ عليه مثل الرجال
تلك كانت حسرة عربي ركن إلى دنياه، وعاش حياة الترف واللهو والنعيم،
وانغمس في المعاصي والشهوات، وأحاط نفسه ببطانة السوء، وأصم سمعه عما يقوله
الناصحون المشفقون.
أهمل شؤون البلاد، ولم يبال بمصالح العباد، فعطلت دور العلم، وانحسر
تأثير العلماء، وخلت الساحة من أهل الرأي وذوي الحجا، وشح وجود الشجعان من سلالات
العظماء الفاتحين الذين حملوا نور الإسلام إلى تلك الديار، وأنشأوا- على هداه-
حضارة قدمت للإنسان كل معاني الخير والجمال، وأعطته حريته، ورفعت من قدره، وخلصته
من جور كان يعيشه، ومن ظلم ما انفك يلاحقه أنى سارت ركائبه.
فـنعمت الأرض بنور ربها، وازينت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وأبهج نباتها
فلله تلك العقول المتفتحة، والأذهان المتوقدة التي أعجزت الزمان أن يأتي على ما
بنت وشادت، وما خلفته من تراث في عالم المعرفة والثقافة، والآداب والفنون.
لقد أخفقت كل عوامل الهدم والحقد أن تعري تلك الديار من آثار حضارة
الإسلام، وما تزال مآذنها شاهقة تطاول الجوزاء سموًا ورفعة، شاهدة على عظمة
الأجداد، وسبقهم في شتى مجالات الحياة.
لقد انتصروا بإسلامهم العظيم، وفرحت الدنيا بمقدمهم، واستقبلتهم
استقبال الأم الرؤوم لأبناء بررة طالت شقة سفرهم، وقد أعيتها الحيلة، ولم تسعفها
الوسيلة أن تعيدهم إلى حضنها؛ لتبرد غلة فؤاد ظامئ، وحرقة قلب شفيق.
فلما فجأها مقدمهم، فتحت إليهم ذراعيها، وضمتهم إلى صدرها، وأضفت
عليهم مدخور عطفها، وغمرتهم بفيض حنانها، فسعدت وسعدوا، وفرحت وفرحوا، ونعمت بهم
حينًا من الدهر، يذبون عن الديار، ويحمون الذمار، يحرسون الفضيلة، ويدافعون عن
الشرف والعفاف، فاندحر الظلم وساد العدل، وعم النور وانقشع الظلام، وطويت صفحة
الرذيلة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا طائعين مختارين، وغدا من كانوا أعوانًا
للشيطان جندًا أشاوس في كتائب الرحمن، لقد لامس الإسلام أعماق الوجدان، ففجر
الطاقات واستخرج الفطرة من مكامنها، فعادت للرجولة حقيقة معانيها، وللفتوة أصالة
مفاهيمها، تكاتفت السواعد، وتشابكت الأيد- بعدما اتحدت القلوب- وانطلق الجميع
بكلمة التوحيد متعاونين متضافرين؛ فقامت الدولة، ونشأت الحضارة، وعم الرخاء،
وانتشر الأمن، وألقت الأرض ما فيها من خيرات، وتحققت بشائر النبوة، فجاب الناس
الفيافي والقفار، واجتازوا الصحاري والفلوات، لا يخشون إلا الله والذئب على
أغنامهم.
ودار الزمن دورته- وكم للزمن من دورات وغدرات- فنشأ نسل من الأحفاد في
ظلال النعمة الوارفة والخير الوفير، وانطلق- جامحًا مع الرغبات والأهواء- يجني
ثمار مجد ما تعبت في غرس فسائله يداه، ولا عرق جبينه في تعهده وسقياه، فهان عنده-
وما عز عليه- أن ينحدر من سامقات القمم التي شاد الأجداد معاقلهم فوق رباها، وبنوا
للمجد حصونًا في عاليات ذراها.
واستمر النزول!! إنه سهل ميسور، لا يبذل فيه جهد، ولا ينجم عنه مشقة
أو عناء. ومن أخذ البلاد بغير حرب يهون عليه تسليم البلاد
وانتقض البنيان حتى أتى الهدم على القواعد، فكانت حسرة أبي عبد الله
الصغير حسرة شعب مظلوم، وكارثة أمة غدرها بنوها قبل أعدائها، ومصاب دين أضاعه
أتباعه، وما رعوه حق رعايته، فصمت الأذان في تلك الربوع، وخلت مساجدها من الركع
السجود، أقفلت معاهدها، وأطفئ نور العلم في جامعاتها، هتكت أعراض الحرائر المصونات
وربات الخدر العفيفات، ومارس فرسان «الصليب» في محاكم التفتيش ما سارت بحديثه
الركبان من الجور والعسف والظلم والأذى، حتى غدت- بحق- رمزًا تاريخيًا، ومثل سوء
لأبشع صور التوحش والهمجية والقسوة الحاقدة.
نعم، لقد مارسوا كل ذلك- وأكثر منه- مع من وهبوهم نور الحياة،
وأخرجوهم من ظلمات الجهل، ومضايق الفقر، مع من مهدوا لهم الدروب، وأجروا الأنهار،
وغرسوا الأشجار، وحموا الأعراض، وحقنوا الدماء، وأرسوا قواعد الأمن والسلام،
وجعلوا تلك الديار مضرب المثل في التقدم والازدهار.
لقد بالغوا في الجور- وما أنصفوا- وقابلوا جميل الإحسان ببالغ
الإساءة.
وهكذا هم في كل زمان ومكان، فهل وعينا الدرس، واستخلصنا العظة، وحصل
الاعتبار؟
كم تمنينا- وبعض الأماني سراب- أن تكون حسرة أبي عبد الله آخر
الحسرات، ونكبته نهاية النكبات وما خسرناه- هناك- خاتمة الخسائر؟!!
ما كان أيسر ذلك لو أننا وعينا الدرس، ورجعنا إلى مصدر عزتنا، ومكمن
قوتنا والتقينا على كلمة سواء، ولكن يبدو أننا أمة استسهلت ذرف الدموع، وألفت حياة
التبعية، وما عاد في إحساسها منزع نحو العلا ومجابهة الصعاب، وما زال فينا من
يؤملون - يا لخيبة الأمل- أن يعيد الدمع ما ضاع، وأن يرد ما سلب.
ونسي المساكين أن أنهار الدموع لا تنبت زرعًا، ولا تبني مجدًا، وإنما
تغرق من يذرفها، وتزيده حسرات، نعم لو أن تذرافها مما يفيد لكانت أمتنا في
الذؤابة؛ لأنها أتقنت فن البكاء.
أبكي لو ان البكا يجدي فوا أسفا *** كم قرحت بدموع الأسى أجفان؟
هل رد أندلسًا دمع ومسكنة؟ *** وهل يرد فلسطين الأولو هانوا؟
لا، إن الأولى هانوا قد تنازلوا عنها، فهي هديتهم لمغتصبيها مقابل
السلام ولا عجب، أليسوا أبناء حزيران؟
أدمت سياط حزيران ظهورهم *** فأدمنوها وباسوا كف من ضربا
سيبقى التاريخ يذكر أن أبا عبد الله الصغير بكى وطنه السليب ومجده
المضاع، وأن أمه لم ترحم دموعه، وعنفته بأقسى ما يؤلم الرجال، ليت شعري، فما الذي
سيحفظه التاريخ عمن يرقصون على أشلاء الوطن، ويطربون على آهاته، ويشربون على
أناته؟ وأمهاتهم من حولهم أول من يبارك خطاهم، ويعلقن لهم الحروز ليحفظنهم من حسد
العيون!!
أفيلام المرء- بعد هذا- إذا ما ذهبت نفسه حسرات؟