; حسني مبارك في دور جديد | مجلة المجتمع

العنوان حسني مبارك في دور جديد

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1982

مشاهدات 65

نشر في العدد 569

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 04-مايو-1982

 هل يستطيع حسني مبارك فكاكًا من المعادلة الأمريكية بعد تنفيذ كامب ديفيد.. الجواب لا.

 العودة المصرية إلى معترك السياسة العربية ذات إطارين الأول أمريكي والثاني صهيوني.. كيف؟ ولماذا؟

 حرب الخليج هي أفضل البوابات التي يمكن أن يدخل منها حسني مبارك صف الأنظمة العربية لأنها تعطيه لمعانًا قوميًّا بعد أن خان الأمة.

 النظام المصري سيتجنب محور الصمود والتصدي ويدس نفسه في المحور العربي الآخر!!

 عودة حسني مبارك ستتيح له ابتزازًا ماليًّا بحجة إعادة تعمير سيناء التي أحرقها اليهود يوم الانسحاب.

جميع المؤشرات والمعطيات السياسية في المنطقة العربية تؤكد أن النظام المصري سيعود إلى صف الأنظمة العربية. نقول الأنظمة لئلا يلتبس الأمر على القارئ الذي تعود على الفصل بين ما هو موقف حكومي.. وما هو موقف شعبي، فالشعوب الإسلامية والعربية بخاصة لم تقطع علائقها مع جماهير مصر، فأهل مصر لم يوقِّعوا على كامب ديفيد، والشعب في مصر لم ينافس شعوب المنطقة على تخطيط خارطة العمل السياسي العربية، كما أنه لم يخن المسلمين وقضيتهم في القدس والأراضي العربية المحتلة.. كل هذا لأن شعب الكنانة الطيب ما زال داخل الصف الشعبي «الإسلامي- العربي» يرفض دخول اللعبة الدولية التي غرقت فيها بعض الأنظمة من الرأس إلى القدمين، ولقد أثبت الشعب المصري وعيه وثقته بنفسه وانفصاله عن حاكمه عندما وجه رصاصات الإباء نحو السادات رمز المعادلة الدولية الاستسلامية في المنطقة العربية ليؤكد بالتالي فصل تطلعات الشعوب عن معادلات الحكام.

وإذا عدنا إلى موضوع عودة النظام المصري إلى صف الأنظمة العربية فإننا لابد وأن نحدد العودة التي باتت وشيكة بالإطارين التاليين:

  • الإطار الأمريكي:

إن الاعتراف المصري بشرعية الوجود الإسرائيلي كان ولا يزال هدفًا استراتيجيا للسياسة «الأمريكية» له الأولوية المطلقة في المعادلة «الشرق أوسطية»، بل هو نقلة نوعية في أوضاع المنطقة كما قال أحد المراقبين المحليين، ولهذه النقلة جانبان الأولى فض النزاع المصري- الإسرائيلي، والثاني إعادة النظام المصري من خلال الواجهة العلنية العريضة إلى صف الأنظمة العربية وتعتبر الولايات المتحدة الجانب الثاني نقطة مركزية في سياسة المنطقة، إذ لابد أن تعمل واشنطن لمساعدة نظام مصر في العودة إلى صف الأنظمة، حيث إن هناك دورًا يجب أن يلعبه حسني مبارك ونظامه وهذه المساعدة، وهذا الدور لابد وأن يدخلان ضمن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة والتي تنطوي على أمور أساسية لا تخرج عنها عودة نظام مبارك إلى أنظمة العرب ومن هذه الأمور:

1. الحفاظ على الاعتراف المصري بإسرائيل الذي هو بحد ذاته كما أشرنا هدف استراتيجي لأمريكا في المنطقة

2. تحديد هوية الدور المصري بالنسبة للأزمات العربية الأساسية مثل «الصراع اللبناني» «الحرب الإيرانية العراقية»- «مسألة الحكم الذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية» «قضية السلام العربي الإسرائيلي بشكل عام».

3. إعطاء مصر «حسني مبارك» زخمًا إضافيًّا يتمكن من خلاله رسم العلاقة بين الأنظمة العربية والاتحاد السوفييتي بحيث لا تختل المعادلة الأمريكية «الشرق أوسطية- الخليجية».

وبمراجعة النقاط السابقة نجد أن مصر أعطت إسرائيل مشروعية الدولة التي يمكن أن تتعامل مع (۱۳۰) دولة في العالم، وسوف نلقي بعض الأضواء على هذه النقطة لدى حديثنا عن الإطار الثاني وهو الإطار الصهيوني لعودة النظام المصري إلى صف الأنظمة العربية.

لكن ماذا عن الدور المصري بالنسبة للأزمات العربية الأساسية؟

تقول صحيفة كريستان ساينس مونيتور في عددها الصادر يوم 19/4/1982 «تقترب مصر باطراد من الصف العربي، فبالإضافة إلى تزويد العراق بإمدادات منتظمة من الأسلحة السوفييتية وقطع الغيار منذ «مارس» ۱۹۸۱. فقد وافقت مصر مؤخرًا على تزويد العراق بمعدات عسكرية تبلغ قیمتها 1.5 بليون دولار».

وقد لاحظت الصحيفة في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير الذي عقد في تونس في الشهر الماضي: «أن العراق أرجأ اقتراحًا يقضي بنقل مقر الجامعة العربية إلى تونس، كما سحب اقتراحًا يندد بقوات حفظ السلام بسيناء أثناء اجتماع وزراء خارجية عدم الانحياز في الكويت في الشهر الماضي أيضًا.

وما ذكرته الصحيفة الأمريكية يعطينا ملاحظات قد تلقى الضوء على دخول حسني مبارك في صف الأنظمة وذلك كما يلي:

1. أن نظام مبارك يرغب في العودة هذه المرة من أوسع البوابات العربية.. «بوابة العراق.. وحرب الخليج». حيث يحرص مبارك على ارتداء الزي القومي في دخوله الجديد، وليست بعيدة عنا تصريحات مبارك اليومية التي يحاول من خلالها ارتداء هذا الزي.

2. إن نظام حسني مبارك سيقوم بعملية تعويض بعد أن سكتت مدافعه وإلى الأبد على الحدود مع فلسطين المحتلة.. بحيث سيعلن «كما نتوقع» في وقت قريب حربه على النظام الإيراني الذي يقلق عددًا لا بأس به من الدول العربية في الخليج.

3. إن نظام حسني مبارك سيجيد استغلال حاجة العراق للدفاع عن نفسه وحاجة دول عربية أخرى لحماية نفسها من النظام الإيراني.. ليظهر بمظهر البريق الثوري الاستغلالي وسط المهمة العربية مراودًا من جديد على شعارات الدول التي تسمي نفسها دول الصمود والتصدي.

والذي يجعلنا ندخل كل هذا في إطار الاستراتيجية الأمريكية ما ذكره أحد المراقبين في الكويت من أن «الإدارة الأمريكية توشك الآن أن تنتقل من حالة السلب في تطورات الحرب الإيرانية- العراقية، إلى حالة الإيجاب التي تتحول معها الحرب وتفاعلاتها إلى موضع الأولوية في اهتمامات واشنطن.

وإزاء الكشف عن هوية الدور المصري الذي يحتاج إلى تلميع قومي كما أشرنا قبل قليل، فإن المراقبين لا يستبعدون أن تدفع واشنطن بحسني مبارك ليأخذ دورًا عسكريًّا مباشرًا في الحرب الدائرة بشمال الخليج، ولا سيما أن رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ قال: إن إعادة مصر للصف العربي تحظَى الآن بأولوية خاصة».

على أن النظام المصري لم يُغفل ثقل دول مجلس التعاون الخليجي في الميدان العربي، وهذا ما جعل «كريستان ساینس مونيتور» تلاحظ أن مصر تسعى وتركز في موضوع تحسين علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليج عن طريق «عمان» مع الإشادة بمبادرة الأمير فهد للسلام وإعتبارها مبادرة معقولة لحل الأزمة «العربية- اليهودية» بشكل عام.

والملاحظ أن التكتيك المصري الذي دأب على مغازلة الأنظمة العربية، منذ زمن يلقى تجاوبًا في بعض العواصم العربية، وقد نشرت نصوص كثير من البرقيات والتعليقات الإذاعية العربية المرحبة على حد قولها بـ «عودة مصر إلى الصف العربي».

أما ما يتعلق بمواضع الأزمات الأخرى «لبنان- الضفة الغربية وغزة» فإن نظام حسني مبارك لن يتعدى الخط الأحمر الذي لا ترغب حكومة مناحيم بيغن بتعديه، وبمعنى آخر فإن مبارك أسقط من حسابه التدخل في المشكلة اللبنانية لأنها في منظوره الجديد مسألة خارجة عن توجهاته وهي مشكلة إسرائيلية سورية لا يريد الدخول فيها.

وتبقى الضفة الغربية وغزة موضوع المساومة التي نعتقد أنها كانت ثمن صفقة الانسحاب اليهودي من سيناء، أي أن نظام مبارك أسقط من حسابه أيضًا عودة الضفة والقطاع إلى الأرض العربية مع عودته إلى الصف «العربي»!!. ليصبح بعد ذلك رسول السلام الإسرائيلي بين حكومة اليهود والحكومات العربية. وإذا أردنا إلقاء المزيد من الأضواء على هذا الموقف فإننا نقول:

إن حسني مبارك خرج من عملية الصلح الإسرائيلي مكبلًا بقيود كامب ديفيد مشدودًا إلى سياستها، وقد لا يعني هذا الكلام بالضرورة أن حسني مبارك سيعمل لصلح عربي- إسرائيلي من خلال كامب ديفيد نفسها، وإنما هناك إرهاصات قوية تشير إلى أن مبارك سيتولى القيام بدور الوسيط بين العرب وإسرائيل من خلال مبادرات أخرى عديدة كالمبادرات الأوربية ومبادرة الأمير فهد.

  • الإطار الصهيوني:

إن عودة النظام المصري إلى ساحة الأنظمة العربية يستند إلى إطار آخر لا يخرج عن لعبة التوافق بين سياسة حكومة العدو الصهيوني وسياسة الولايات المتحدة، ولعلنا نذكر تمامًا أن مناحيم بيغن رئيس الوزارة اليهودية صرح مرارًا وبوضوح أن عودة سيناء إلى مصر وإتمام عملية الانسحاب الإسرائيلي منها عملية مرتبطة بعدة أمور منها:

1. استمرار السلام من الجانب المصري مع تحقيق شرائط ذلك العسكرية والسياسية.

2. عدم اشتراك مصر في المستقبل في أية محاولة عسكرية عربية ضد إسرائيل.

3. قطع الصلة مع كل ما هو فلسطيني بحيث تستقل إسرائيل في معالجة موضوع الفلسطينيين في الداخل على طريقتها.

4. قطع الصلة بمنظمة التحرير ومشتقاتها سياسيًّا وعسكريَا.

5. عدم الارتباط بأي اتفاق دولي ويشمل ذلك العرب يخل أو يناقض أو يتعارض مع أي بند من بنود اتفاقات كامب ديفيد.

كل هذا يعني أن التوجه المصري الذي يمكن أن يختاره حسني مبارك لعودته إلى الصف العربي إنما هو توجه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتعارض مع التوجه الصهيوني في المنطقة العربية، وبهذا لن يكون نظام مبارك إلا أداة تنفيذية.. أداة مكبلة بقيود السلام مع إسرائيل الذي نتوقع أن يحمل الوبال الخفي على الأمة، وقد لا يمضي عقد واحد من الزمان إلا ونجد بصمات الإستراتيجية الصهيونية قد دخلت أكثر من قطر عربي عبر شعارات قد يتم تأليفها في القريب العاجل من أجل «السلام»!!

  • السياسة المصرية إطار ثانوي

ويبقى هذا الإطار ثانويًّا إذا ما قيس بالإطارين السابقين، ونقض بهذا الإطار التوجه المصري الذاتي نحو الصف.. «صف الأنظمة العربية». فحسني مبارك تمكن اليوم من إكمال مشوار السادات بوجه أكثر قبولًا عند الأنظمة.. وهو بالتالي لابد وأن يستغل الإمكانات المصرية للعودة إلى الأنظمة.. ولكن ضمن شكل محوري يتجنب فيه ما يلي:

1. المحور المسمى بدول الرفض.. «الصمود والتصدي»، ذلك أن هذا المحور ما زال يعلن عن سياسة معارضة لسياسة حسني مبارك على الرغم من أن بعض المراقبين أكَّدوا أن هناك ثَمة اتصالات بين بعض عواصم هذا المحور وبين القاهرة ولا سيما «دمشق»!!

2. الرغبات الروسية في المنطقة ذلك أن السياسة المصرية المرتبطة بالاستراتيجية الأمريكية لا تتوافق بشكل من الأشكال مع التوجه الروسي الذي قد يلعب معادلته بالوقوف إلى جانب إيران في حربه مع العراق كما يشير بعض السياسيين في الغرب.. وهذا يكمل سياسة السادات السابقة الذي طرد الروس.

وإلى جانب هذا نعتقد أن نظام حسني مبارك لن يغفل عن اصطناع شعارات تصنيع مصر من خلال تقوية صلاتها بالدول العربية الممولة، وقد تفتح له الخزانة العربية مصراعيها بدعوى تحسين الاقتصاد المصري وتعمير سيناء التي خربتها وأحرقتها قنابل اليهود يوم الانسحاب.

وبعد، فإن عودة النظام المصري إلى حظيرة الأنظمة العربية إنما هي عودة تنطلق من استراتيجية جديدة تتوافق والتوجه الأمريكاني.. وتتوافق مع الرغبة اليهودية بما يخص المصالح اليهودية في المنطقة، والنقطة الوحيدة التي تخرج من هذا الإطار.. هي النقطة التي يمكن أن يدخل منها «مبارك» إلى الصف عبر بوابة حرب الخليج.. بحيث تكون نقطة في صفحة المكاسب العراقية ضمن الحرب مع إيران.

وهنا لابد من لفت نظر الأنظمة العربية إلى خطورة الاستغلالية السياسية لدى أطراف «كامب ديفيد» الذين سيمثلهم حسني مبارك أينما اتجه داخل صف الأنظمة العربية، والذين قد يجيدون استغلال ظرف عربي ما لتمرير سياستهم وجر أكثر من طرف عربي إلى سياسة الاستسلام المصري مع العدو الصهيوني اللدود!!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2043

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1104

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان