; حسن البنا.. الرأي الآخر | مجلة المجتمع

العنوان حسن البنا.. الرأي الآخر

الكاتب عبدالقادر عبار

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989

مشاهدات 69

نشر في العدد 909

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 21-مارس-1989

  • التعتيم الإعلامي على الإمام البنا لا ينفرج إلا لمزيد من الدس والتشويه.
  •  من الخطأ الكبير توسيع هوة الخلاف بين الجماعات الإسلامية في زمن يحاول فيه الكيد العالمي ضرب الصحوة الإسلامية.

«... حسن البنا كما عرفته داعية للإسلام، وداعية للمحبة، أما محبة الناس له فلم أجد لها نظيرًا مدى ما عشت من سنوات، ولست بالناسي ولا المستثني، إن سيرة الأستاذ البنا أجدر بكتاب منها بمقال.. وحق الشباب أن يسمعوا برجل ضرب الإعلام عليه نطاقًا من التعتيم، لا يكاد ينفرج إلا لمزيد من الدس والتسميم والتشويه، عليه رحمة الله ورضوانه».

هذه شهادة واقعية ناطقة جاءت على لسان الدكتور حسان حتحوت عن حديثه عن الإمام الشهيد حسن البنا بمقال له بمجلة الأمة عدد ٥٥ ص ٢٩، تذكرت هذه الكلمات الصادقة للدكتور حسان، وأنا أقرأ العمود الصحفي للدكتور- أحميدة النَيفر- بالصفحة الدينية لجريدة الصباح- التونسية- بتاريخ الجمعة ١٩ جمادى الثانية ١٤۰۹ الموافق لـ ۲۷ يناير ۱۹۸۹، في ركنه الخاص «شذى الأغر»، والذي خصص الحديث فيه عن المقارنة بين- جمال البنا- وشقيقه- حسن البنا، واختار له عنوانًا تحريضيًا: «البنا» الآخر.

  • النيفر يحاول الاصطياد؟!

وهي لمحة دفاعية تعريفية- تلميعية- حاول فيها الدكتور- النيفر- باعتزال، كشف النقاب عن بعض الأسباب الرئيسية الخافية، التي يراها تكمن وراء ظاهرة «تهميش» هذا الرجل «البنا» الآخر، حسب تعبيره، من طرف الإسلاميين. 

يقول الدكتور النيفر بعد أن يقدم جمال البنا بكونه محاميًا مصريًا، وخبيرًا دوليًا عايش الدعوة، فعالج قضاياها الواقعية نضالًا وكتابة، وأسس سنة ١٩٥٣ جمعية لرعاية المسجونين وأسرهم، وهو اليوم رئيس الاتحاد الإسلامي الدولي للعمل، ويذكر أهم مؤلفاته، ويلفت النظر إلى كونه شقيق الشيخ حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر، ثم يقول: ومع كل هذا فإن الرجل مغمور في الوطن العربي، وفي صفوف الإسلاميين والمهتمين بشؤون الصحوة الدينية، ثم يتساءل: هل وراء هذا التجاهل من تفسير؟ وتأتي- الكلمة/ المقال- لتقصي وطرح وتوضيح نقاط الاختلاف الجذري في وجهات النظر: فكرًا وفعلًا بين الإمام الشهيد حسن البنا وبين شقيقه جمال البنا، ويخلص من ذلك ضمنيًا على الأقل إلى اتهام الإسلاميين، وتخطئة المهتمين بالمستقبل الإسلامي على موقفهم إزاء جمال البنا، الذي يبدو حسب الدكتور- النيفر- أنه مظلوم مبخوس الجانب تعريفًا وشهرة، بالمقارنة مع شقيقه الشهيد.. لا لشيء إلا لأنه يملك رأيًا آخر مغايرًا، ووجهة نظر واقعية موضوعية في العمل الإسلامي، والإصلاح والتغيير، لا تلتقي ووجهة نظر حركة الإخوان وبقية الحركات الوطنية الأخرى!

  • دس وتشويه

وهذا التفسير/ الاستنتاج، الذي توصل إليه الدكتور- النيفر- والذي قد يتوهم القارئ العادي موضوعيته وصحته- يبدو- عندي على الأقل- فضفاضًا وغير واقعي في مجمله، وهو ما جعلني أقرّ ما جاء في خاتمة مقال الدكتور حتحوت من كون التعتيم الإعلامي عن الإمام الشهيد لا يكاد ينفرج إلا لمزيد من الدس والتسميم والتشويه، وبالمناسبة فأنا هنا لست بصدد الدفاع عن الإمام الشهيد، ولا عن شقيقه، فكلاهما مؤمن مسلم داعية من موقعه ونظرته، وكلاهما يصبّ عمله وجهده في بحر الدعوة والإسلام، إذا رافقه الإخلاص والتوفيق، ولكني رأيت نفسي مدفوعًا إلى تحبير هذه الخواطر تعقيبًا على كلام الدكتور- النيفر- شعورًا مني بأن معالجة القصور وتتبع الأخطاء والسقطات، لا يجب أن تكون بهذا الشكل، بهذه الإثارات المشحونة التي تحتمل أكثر من تأويل... وفي هذا المجال أراني مأخوذًا بما أبداه الدكتور حسان حتحوت في نفس المقال الذي استعرنا منه الشهادة التي افتتحنا بها هذه الخواطر.

قال الدكتور حسان: «طالما فكرت في خط سير التاريخ، وطالما تمنيت لو اجتنبت الإخوان أمورًا فعلتها، أو فعلت أمورًا اجتنبتها، «ولا أرى من الإخلاص أو الكفاءة أن ينغلق الناس على مواقفهم، فلا يرون عيوبهم، وبهذا يمهدون لأنفسهم أو لغيرهم الوقوع فيها مرة أخرى»، ولكني كنت دائمًا أسائل نفسي: هل لو يتغير السلوك كانت النتيجة ستتغير؟ فأراني مقتنعًا أن- لا- ولو لم تحدث الظروف لاختلقت ظروف غيرها لتكون ذريعة للنتيجة نفسها».

والرأي عندي- وهو صواب قد يحتمل الخطأ، ورأي الدكتور النيفر خطأ قد يحتمل الصواب- أنه ليس الإسلاميون، والإخوان، هم الذين لمعوا وجه الإمام البنا حتى ذُكِرَ فاشتهر فَشُكِر، بل هناك عوامل أخرى قد تكون ذاتية، وموضوعية، هي التي رشحت الإمام الشهيد للذكر والشهرة، وقد أراني مضطرًا للتذكير ببعضها كالإخلاص والتقوى والتجرد والتوفيق واجتباء الله سبحانه ومحبته...

  • نقاط لا بد من مناقشتها

بعد هذا نرى من الضروري الوقوف عند النقاط التي يرجح الدكتور النيفر أنها كانت موطن الخلاف وموضع البلوى: إذ يبدو حسب الدكتور النيفر أن الشقيقين لا يلتقيان إلا عند الأسلوب الميسر في الكتابة، وهو كما يقول: اتفاق ظاهري يخفي اختلافًا أعمق، «أول ما يلفت نظرك وأنت تطالع مؤلفات جمال البنا هو أسلوبه الميسر، الذي يجعل الفكرة قريبة أيًا كان الموضوع المطروح، وهو يذكر في ذلك بأسلوب شقيقه في رسائله ووصاياه وخطبه، لكن هذا الاتفاق الظاهري يخفي اختلافًا أعمق يمس نظرة كل من الرجلين إلى الواقع الاجتماعي والسياسي في البلاد العربية، فجمال البنا بحكم تكوينه القانوني ينظر للواقع على أنه معطًى موضوعي يجب أن نفهمه أولًا، ونحلل عوامل الحركة والسكون فيه»، وينسى الدكتور أن يذكر القارئ بنظرة شقيقه الإمام إلى الواقع، التي يرى أنها دون النظرة الأولى، وهذا يخدش من موضوعية المقارنة والتحليل.

وما لفت نظري هو أن إهمال وسكوت الكاتب عن التذكير بوجهة النظر الأخرى المقابلة، تمادى به إلى آخر المقال، واهتم بالتركيز على إبراز فلسفة جمال البنا في التغيير والتعامل مع الواقع، ربما لأنها وجدت هوى في نفسه، وهذا من حقه، إلا أنه يبقى مؤاخذًا على التقصير في الكشف عن وجهة النظر المغايرة بنفس الحجم وبنفس الحماس، حتى تصدق الدعوة إلى المعالجة التي يراها جديرة بالعناية على حد تعبيره في آخر المقال.

ويجمل الدكتور النيفر وجوه الاختلاف بين الرجلين في:

١ - النظرة إلى الواقع: فهمًا وتحليلًا.

٢ - التعامل مع الواقع : تفاعلًا وتحاورًا، أخذًا وعطاء.

٣- المسألة الاجتماعية- المسألة السياسية، من أين نبدأ؟

  • المطلوب: تضييق الفجوة

ويبدو من خلال استقراء الواقع الإسلامي في مناخ الصحوة الدينية، أن أمر الاختلاف وتباين وجهات النظر لم يعد مقتصرًا ومحصورًا بين شخصين، بل توسع ليشمل التنظيمات الإسلامية المعاصرة واتجاهاتها في التغيير، في ساحة العمل الإسلامي الواسع.

وإنه لمن الخطأ، خاصة في الوقت الراهن حيث يتضافر الكيد العالمي بكل أضداده ليشل حركة الصحوة الدينية، ويحد من فاعليتها- أن نحاول ونتفلسف- في تضخيم الفروق، وتوسيع الهوة بين الجماعات الإسلامية والتنظيمات الدينية، وكلها تعمل في الدعوة إلى الله، بل الواجب تضييق الفجوة، ومحو الجفوة ما وجدنا إلى ذلك سبيلًا.

ولم تر الساحة الإسلامية مثل حسن البنا- رحمه الله- في شدة حرصه على التأليف بين جماعات العاملين للإسلام، ووعيه وإلحاحه على ذلك في شتى المناسبات، مع تميزه باتخاذ الأساليب الرقيقة لتحقيق ذلك. وبالمناسبة نرى أن نختم هذه الخواطر بكلمات خالدة للإمام الشهيد في هذا الإطار: «.. وأما موقفنا من الهيئات الإسلامية جميعًا على اختلاف نزعاتها، فموقف حب وإخاء وتعاون وولاء، نحبها ونعاونها، ونحاول جاهدين أن نقرب وجهات النظر، ونوفق بين مختلف الفكر توفيقًا ينتصر به الحق في ظل التعاون والحب، ولا يباعد بيننا وبينها رأي فقهي أو خلاف مذهبي، فدين الله يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، ولقد وفقنا الله إلى خطة مثلى، إذ نتحرى الحق في أسلوب لين يستهوي القلوب، وتطمئن إليه العقول، ونعتقد أنه سيأتي اليوم الذي تزول فيه الأسماء والألقاب والفوارق الشكلية والحواجز النظرية، وتحل محلها وحدة عملية تجمع صفوف الكتيبة المحمدية، حيث لا يكون هناك إلا إخوة مسلمون، للدين عاملون، وفي سبيله مجاهدون» «من رسالة المؤتمر السادس» والله سبحانه أعلم.

الرابط المختصر :