العنوان حسن البنا.. الرائد المجدد
الكاتب عبد المجيد المهندس
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1977
مشاهدات 88
نشر في العدد 339
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 01-مارس-1977
- داعية عرف كيف يدعو الناس إلى الله
- ثم أين وصل التحقيق.. في اغتياله؟
في الإسماعيلية
دخل حسن البنا الإسماعيلية، وذهنه مليء بالأفكار والمشاريع.. دخلها ومعه حصيلة تجارب في الدعوة، بدأها وهو في المحمودية والقاهرة.. يحمل في نفسه مرارة الواقع الذي يعيشه المجتمع المصري.. ويمتلئ صدره بالحسرة على هبوط همة رجال الإسلام.. وهناك انطلق يسعى لهذه الدعوة.. وبعد سنة.. وبعد تجربة صاحبها الحذر.. وممارسة تحذوها الدراسة.. تشكلت أول كتائب الإخوان.. وكانت الخلية الأولى التي تكاثرت منها خلايا الإخوان الأخرى وهنا نود أن نرصد العوامل التي ساعدت البنا على نجاحه.. والأسباب التي جعلت من مجتمع الإسماعيلية المنقسم يتقبل هذا القادم الغريب.. ومن مذكراته نرصد الآتي:
- عند دخوله الإسماعيلية لم يتعجل.. بل بدأ بدراسة هذا المجتمع الجديد.. يقول البنا «كان هدفي في هذه الفترة- يقصد فترة مقدمه الأول- دراسة الناس والأوضاع دراسة دقيقة، ومعرفة عوامل التأثير في هذا المجتمع الجديد وقد عرفت أن هذه العوامل أربعة العلماء أولًا وشيوخ الطرق ثانيًا والأعيان ثالثًا والأندية رابعًا».
- بدأ بدراسة مجالات الدعوة في هذا المجتمع ونوعية الناس هناك فوجد جمهور المساجد فئتين متصارعتين حول مذهبين.. وبينهما صراع لا يهدأ.. بناء عليه اتجه البنا إلى جمهور آخر هو جمهور المقاهي.. البعيد عن الخلافات والأكثر حاجة للدعوة.. خاصة وأن للبنا تجربة رائدة في مجال المقاهي بدأها في القاهرة..
- نوعية المواضيع التي يتحدث بها كانت خلاف ما سمعه أهل المجتمع.. ابتعد عن مجالات الخلاف... وراعى عدم الإطالة.. وانتقى مواضيع عملية تتطلب سعيًا من الناس لتنفيذها.. ولجأ إلى لغة سهلة يتقبلها العامة.. ويشعرون منها أن الحديث موجه لضمائرهم ونواياهم.
- تواضعه الجم ونكرانه لذاته وخلقه الفاضل كان أهم أسس النجاح.. فقد كسب الناس بذكاء مدهش.. لقد وضع لكل إنسان في هذا المجتمع أسلوبًا خاصًا في التعامل لا يعرضه للاحتكاك فالعلماء وشيوخ الطرق سلك معهم سبيلًا معينًا والأعيان سلك معهم سبيلًا آخر وجمهور الأندية سبيلًا آخر كذلك يقول البنا:
- «فالعلماء سلكت معهم مسلك الصداقة والتوقير والإجلال الكامل، وحرصت على ألا أتقدم أحدًا منهم في درس أو محاضرة أو خطبة.. وإذا كنت أدرس وقدم أحدهم تنحيت له وقدمته إلى الناس.. وكان لهذا الأسلوب أثره في أنفسهم فظفرت منهم بالكلمة الطيبة».
- ومع الأعيان يسلك أسلوب الحياد بين معسكريهم.. فإذا كان في زيارة أحد المعسكرين ذكر المعسكر الآخر بالخير يقول: «وبهذا الأسلوب استطعت أن أظفر بصداقة الطرفين واحترامهما جميعًا ولقد كان لهذا الأسلوب أثره في اجتماع الطبقات المختلفة على دعوة الإخوان حين نشأت بعد ذلك».
جـ- وفي الأندية.. نادى العمال وفرع جمعية منع المسكرات... يقول «اتصلت بالناحيتين وأخذت ألقي بعض المحاضرات الدينية والاجتماعية والتاريخية التي كانت سببًا في تهيئة نفوس كثير من المثقفين للدعوة المستقبلة».
- يتضح من كل هذا أن حسن البنا لم يكن صاحب حظ.. وأن جماعة الإخوان ليست وليدة صدفة.. بل كان هناك عمل دقيق.. وهناك سعي مرسوم.. وجماعة الإخوان ما هي إلا ثمار هذا السعي وهذا التخطيط.
وانطلقت كتائب الإخوان
قامت أول تشكيلة من الإخوان المسلمين.. من أولئك الذين تابعوا دروس البنا.. من المقاهي.. من العمال.. وتحول النجار والحداد داعية إلى الله.. وانطلقت كتائب الإخوان في جوف مجتمع الإسماعيلية.. وبدأ الناس يسمعون بجماعة الإخوان المسلمين.. وكان أهم أسباب اشتهار الجماعة هو المشروع الذي خططوا له.. مشروع بناء دار ومسجد ومكتبة للجماعة.. الإعلان عن هذا المشروع.. كان في حقيقته إعلانًا عن قيام جماعة جديدة.. وكان لا بد من الاستعانة بالناس.. وكان لا بد من الاحتكاك بهم وتعريفهم بالجماعة وأهدافها.. ومن هنا انطلقت الإشاعات.. وبدأت معاكسات المغرضين.. وحيكت المؤامرات.. وتوالت الاحتكاكات لقمع هذا المشروع.. أنه رجل يثير الإعجاب.. شاب يافع.. وغريب في المجتمع.. يقف أمام هذه التحديات.. كل التحديات.. ليخرج في النهاية منتصرًا.. ويتمم المشروع..
وتنساب دعوة الإخوان على المناطق المجاورة للإسماعيلية.. بل تنتشر في قرى القطر المصري.. وتتأسس الشعب هناك.. ويتسع مجال الدعوة.. وتصل القاهرة...العاصمة.. المركز الذي يبث كل الاتجاهات حسنها وسيئها.. وتنمو شعبة الإخوان.. وتنشط في تقديم الدروس الأسبوعية والمواعظ... وهناك.. في الإسماعيلية.. كان البنا يفكر في الانتقال إلى القاهرة.. بعدما استقرت نفسه على تجربته هذه.. واقتنع بها فكان لا بد أن يستجمع كل قواه لها.. ويجعلها التجربة الرائدة والقطب الذي تتجمع حوله كل التجارب.. كان لا بد من الانتقال للقاهرة مركز البث والإشعاع.. وعندما يقرر.. يبدأ في اختيار البديل الذي يخلفه في الإسماعيلية.. وتبدأ أول فتنة داخل الجماعة... ويبدأ الصراع الأول على القيادة وعلى خلافة البنا.. وعندما يقرر اختياره لأحد مؤسسي الجماعة.. تبدأ المؤامرات.. وتحاك المعاكسات.. وكالعادة.. يتحطم كل هذا أمام صمود هذا الرجل.. أمام شخصيته القوية.. وقبل رحيله إلى القاهرة.. يعقد قرانه ويتزوج.. ثم ينتقل إلى القاهرة ليبدأ عهدًا جديدًا..
في القاهرة
القاهرة آنذاك.. كانت تموج بمبادئ الإلحاد والعلمانية.. فقيام حكومة أتاتورك.. شجع الكثيرين للمطالبة بالاقتداء بها وتشجيع ملك الأفغان آنذاك الذي قرر المضي في طريق أتاتورك..
وقيام الجامعة المصرية التي كان من أهدافها اللحاق بأوروبا ونهضتها ومحاربة الأفكار الإسلامية عن طريق الدعوة لضدها.. وهي القومية المصرية.
والنهضة النسائية التي كان المقصود من ورائها إفساد مقومات الأسرة المسلمة وإخراج المرأة عن حذرها واختلاطها بالرجال وكسر حاجز الحياء الذي ينشئه الفكر الإسلامي.
ومحاربة الفكر الديني.. بمحاربة «الغيبية» ومواجهتها «بالعلمية» والتشكيك بالتاريخ الإسلامي... والتراث الإسلامي..
والصراع الحزبي الذي ابتليت به القاهرة آنذاك والخضوع والخنوع للمستعمر الأجنبي.. واستسلام الملك لمطالب المستعمر..
ونشاط الماسونية وتوجيهها للإعلام والصحف والسينما وإبراز الفنانات والفنانين في كل أجهزة الإعلام..
هذا الجو العام.. الرهيب.. يحتاج إلى جهود جبارة لإنقاذ ما بقى من صلاح في هذا المجتمع..
لذلك اتخذ مركز القاهرة مركزًا عامًا للإخوان لكي يواجه كل هذه التحديات.. ويركز الجهود.. كل الجهود في القاهرة..
ويتلخص نشاط الإخوان في القاهرة منذ مجيء حسن البنا حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية بالآتي:
- المحاضرات والدروس في الدور والمساجد وتأسيس درس الثلاثاء.
- إصدار عدد من الرسائل والنشرات مع رسالة المرشد العام ثم مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية ثم مجلة النذير.
- إنشاء الشعب في القاهرة وزيادة شعب الأقاليم ونشر الشعب في خارج مصر.
- تركيز الدعوة في الجامعة والمدارس وتنظيم التشكيلات الكشفية.
- إقامة عدة مؤتمرات دورية للإخوان وإحياء الاحتفالات الإسلامية في القاهرة والأقاليم.
- المساهمة في مناصرة القضايا الإسلامية الوطنية وبخاصة قضية فلسطين.
- المساهمة في الحركات الإسلامية كحركة مقاومة التبشير وحركة تشجيع التعليم الديني.
- مهاجمة الحكومات المقصرة إسلاميًا ومهاجمة الحزبية.
الجماعة في عهد القوة
في الحرب العالمية الثانية.. بينما روميل القائد الألماني يتقدم إلى العلمين.. إلى القاهرة.. كان الشعب المصري يهتف بسقوط الإنجليز... ويعبر عن استيائه للمستعمر بهتافه لروميل.. واضطر الإنجليز لاعتقال كل الشخصيات المعادية.. فاعتقل البنا.. آنذاك كتب أخطر رسائله للإخوان.. رسالة بين الأمس واليوم.. وسجل فيها وصيته... وكان يتحدث في هذه الرسالة حديث المودع.. وسجل كل ما كان يدور في خلده ولم يفصح عنه.. وشاء الله أن يفرج عن البنا لأن يوم استشهاده لم يكن في عام ١٩٤٢م.. بل في عام ١٩٤٩م.. وما بين هذين العامين اتجه جزء من نشاط الجماعة وجهة جديدة.. وبدأ تشكيل النظام الخاص برئاسة السندي وأحمد عادل كمال.. وكان من الطبيعي أن يتجه هذا النظام إلى الطابع العسكري.. تأصل روح الكشفية في أنفس شباب الجماعة.. واشتياقهم الشديد لتنفيذ آيات الجهاد.. وجههم إلى المران العسكري والتدريب على السلاح.. فكان البرنامج الأسري لهذا التدريب برنامجًا عسكريًا فالسور المقررة هي سورتا الأنفال والتوبة حفظًا ودراسة.. دروس في التخلص من البوليس السري... ودروس في القانون المصري ومعرفة مواضع الاحتجاج.. فكان التنظيم الخاص بمثابة ميليشيا للجماعة كما هو بلغة العصر الحاضر.
ومن جانب آخر كانت الجماعة في صراع حاد مع الأحزاب وخاصة مع حزب الأغلبية.. حزب الوفد.. كان حزب الوفد يشعر بسيطرة الإخوان على القاعدة الجماهيرية.. والمثقفة بالذات.. وخاصة مجال الجامعة.. واتخذ الوفد عيونًا له داخل جماعة الإخوان واستطاع أن يستميل أحمد السكري الذي كان الرجل الثاني في الجماعة.. واستطاع السكري أن يحدث انشقاقًا داخل الجماعة أدى في النهاية إلى فصله من جماعة الإخوان..
وتتوالى الأحداث بعد ذلك.. وتشتعل حرب فلسطين عام ١٩٤٨م.. وتنطلق كتائب الإخوان لتزاول أمرًا تعشقه.. ألا وهو الجهاد في سبيل الله.. ومن جانب آخر تغلق الحكومة شُعب الإخوان الموجودة في مدن القناة كلها.. لأنها مراكز ينطلق منها المجاهدون.
وتشيد جميع أجهزة الإعلام بدور الإخوان في فلسطين.. بل يذعر الإعلام الغربي من وجود أناس يحملون أرواحهم على أكفهم لملاقاة الموت.. وتشتعل المظاهرات في الجامعة.. بل في القاهرة كلها.. وتضطرب البلاد.. فالشعب يطالب بتدخل الجيوش العربية.. ويعلن النقراشي حل جماعة الإخوان المسلمين نهائيًا.. وتفرض الرقابة المطلقة على الشهيد.. ويعتقل جميع الإخوان العاملين.. ويستقبل المجاهدون في فلسطين بالسلاسل والسجون.. وتمر الأحداث سريعة سريعة.. مليئة بالرعب.. ليغتال النقراشي.. ومن بعدها بعدة أيام.. تستقر طلقات في جسد الإمام الشهيد.. ليكون مقتله هدية في يوم ميلاد الملك..
قبل مقتل الشهيد
إن الموت له موعد لا يخلفه أبدًا.. وقد يتعرض الإنسان للموت مرات عديدة.. ولكن يأبى الموت أن يأتي إلا في موعده.. يقول والد البنا «لما بلغ حسن الخامسة من عمره وبلغ أخوه عبد الرحمن الثالثة، ناما ذات يوم في إحدى حجرات الدار بمنزلنا بالمحمودية.. وكان لنا جار أراد أن يقيم في داره جدارًا جديد مكان جدار متداع.. فلما شرع يهدم الجدار القديم سقط وسقط معه سقف بيتنا.. وحسن وأخوه نائمان.. فإذا بهما يغدوان تحت الأنقاض.. ويظلان تحتها زمنًا طويلًا حتى لم يبق لدينا أي شك في أنهما قد قضيا نحبهما وما أشد دهشتي ودهشة الجميع عندما رُفعت الأنقاض فإذا هما لم يصابا حتى بخدش واحد.. إذ أدركتهما عناية الله بأن أقامت فوقهما درعًا من الأخشاب حال دون سقوط الأحجار والأتربة فوقهما.. فكانت نجاتهما من الموت أعجوبة».
إن القدر كان يخبئ لهذا الصبي دور البطولة في قصة تاريخ هذا العصر.. والموت موعده بعيد.. موعده ١٢ فبراير سنة ١٩٤٩م.. يروي عبد الرحمن الساعاتي أخو البنا قائلًا «لقد جاءه قبل مقتله بأيام الحاج أمين الحسيني يخبره أن القوم يأتمرون لقتله فأجابه حسن البنا:- ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا﴾ (النساء: 78).
وإن إحدى بناته رأت في منامها مقتل أبيها وأخبرته بذلك، ويقول والده «لقد قلت له:- يا حسن بلاش خروج النهاردة» قال: «هو فيه مفر من المكتوب» رغم كل هذا.. ورغم ما تجمع لدى الإخوان من معلومات كلها تؤكد نية الحكومة في اغتيال حسن البنا.. خاصة بعد مقتل النقراشي.. رغم كل هذا.. فإن حسن البنا كان مؤمنًا بالله إيمانًا عميقًا.. ومؤمنًا بقضائه وقدره.. ولقد لقى حتفه في الساعة التي كُتبت له.. وفي الموعد الذي حُدد لملك الموت.. إنها مشيئة الله..
الشهود في مقتل الشهيد
الأستاذ محمد أحمد الناغي.. في الستين من عمره.. يعمل مديرًا لمكتب مدير عام مصلحة البريد.. من مواليد «الزرقا» بلد إبراهيم عبد الهادي.. عضو في جمعية الشبان المسلمين كان في مقدمة من سئلوا، في التحقيق لصلته الوثيقة بالإمام الشهيد.. خاصة في أيامه الأخيرة.. جلس أمام المحقق يدلي بمعلوماته «أنا لم أعلم بالحادث إلا من الراديو.. وقد أسفت أشد الأسف.. لأني كنت أجالس الشيخ حسن لغاية الساعة ثمانية وخمس دقائق مساء أمس بدار جمعية الشبان المسلمين.. ولما دعوته إلى الانصراف معي قال لي إنه تعود السهر حتى الساعة التاسعة أو التاسعة والنصف مساءً..»
- ما هي الظروف التي جمعتك بالشيخ حسن ليلة مصرعه؟
«الظروف، إني كنت أحب دائمًا أن يطالعني بأموره.. كما أبذل مجهودًا متواضعًا من أجله.. ومن أجل جمعية الإخوان المسلمين... وذلك تمشيًا مع مبادئ الشبان المسلمين في الإصلاح وجمع القلوب.. وقد علمت يوم الجمعة -أول أمس- عن طريق معالي محمد زكي علي باشا وزير الدولة -الذي كان يشرفني باتفاقه معي في هذا السعي- بأن معاليه على علم بأن الشيخ البنا على استعداد للإرشاد عن أماكن الأسلحة والمفرقعات والمحطة السرية للإذاعة، إذا عاونت الحكومة في الإفراج عن المقبوض عليهم.. الذين لا غبار عليهم.. فاستأذنت معاليه في تبليغ ذلك لدولة رئيس الحكومة، فأذن لي بوصفي «بلديات» رئيس الحكومة.. وفعلًا اتصلت بدولة الرئيس فرحب بالفكرة.. وعلى ذلك ذهبت أمس إلى الجمعية ظهرًا... وسألت عن الشيخ البنا فقالوا إنه لم يحضر بعد وأن هناك من ينتظره.. فانتهى تفكيري إلى استدعاء محمد الليثي أفندي، وكلفته بالذهاب إلى الشيخ حسن مبكرًا لأتحدث معه في هذا الشأن..».
مع الشاهد الثاني
يدخل شاب في السابعة والعشرين من عمره.. ثم يجلس - اسمي محمد يوسف الليثي.. أعمل موظفًا باتحاد اليانصيب ومولود بالقاهرة.. ومقيم بها.. وعضو في جمعية الشبان المسلمين.. ويستطرد ذاكرًا التفاصيل التالية «أنا كنت جالسًا في الجمعية حين حضر إلي الفراش عاشور وقال لي الأستاذ الناغي عايزك.. فذهبت لأقابله في حجرة الدكتور الدرديري.. ولما سألني عن الشيخ حسن البنا قلت له «لم أره».. فذكر لي أن بعض الأشخاص كانوا ينتظرونه والظاهر إنهم مشوا. ثم سألني: "هل الشيخ حسن يحضر بعد الساعة الواحدة».. فقال لي إنه يريد مقابلته لأمر هام.. فلما ذكرت له أن الشيخ حسن ليس لديه تليفون، سألني عن كيفية الاتصال به.. فأشرت عليه بأن يرسل إليه أحد السعاة.. ثم عدت فاقترحت عليه أن أذهب أنا لإحضار الشيخ.. ولكن اشترطت أن أذكر إنني من طرف الأستاذ الناغي إذا ما قبض علي في الطريق.. ووافق الناغي.. وفي هذه الأثناء كان يردد إنه يريد إنهاء موضوع الشيخ حسن.. وفهمت منه أن حديثًا قد دار بينه وبين الشيخ حسن وزكي علي باشا في جمعية الشبان بعد صلاة الجمعة.. وقبل أن أذهب لاستدعاء الشيخ حسن، طلب مني الأستاذ الناغي أن أطلب له زكي باشا بالتليفون.. ولكني لم أجده لا في البيت ولا في المكتب.. وفعلًا توجهت إلى منزل الشيخ حسن.. فلما رآني سألني عما ورائي.. فقلت له: "يظهر أن الأستاذ الناغي عنده أخبار كويسة بخصوص الموضوع اللي اتكلمتم فيه أمس".. وهنا قال لي الشيخ: «أخبار كويسة إيه، والحكومة اعتقلت الرجل العجوز اللي عمره ثمانين سنة.. وكنت اقترحت أن أنزل عنده، واخترته لكبر سنه لئلا يُقال إني رايح لأي شيء!» وأخيرًا اتفق معي الشيخ حسن على مقابلة الأستاذ الناغي الساعة السادسة.. فقلت له: "ما تخليها خمسة".. فقال: «وهو كذلك».. وكتبت ورقة للأستاذ الناغي بعد ذلك أخبره أن الشيخ سيحضر الساعة الخامسة مساءً.
لحظات وقوع الجريمة
ويكمل الشاهد «الليثي» قائلًا «وحضر الشيخ حسن البنا في الميعاد.. ومعه زوج اخته الأستاذ عبد الكريم منصور.. واختلى بالشيخ الأستاذ الناغي في حجرة الدكتور الدرديري.. وقفلوها عليهم لمدة ساعتين، أو أكثر.. وعندما فتح الباب دخلت أنا والأستاذ عبد الكريم.. وهنا مال الأستاذ الناغي على الشيخ حسن.. وتكلموا في السر.. وبعد انصرافه بعشر دقائق قام الشيخ حسن قائلًا: «السلام عليكم بقى».. وطلب تاكسي... فأرسل الأستاذ عبد الكريم أحد سعاة الجمعية واسمه عوض لإحضار التاكسي... فلما أحضره نزلنا نحن الثلاثة.. ومشيت أنا مع الشيخ حسن من باب اللياقة حتى أودعه.. ولما وصلت إلى أخر السلم من تحت في الحوش.. حضر الغفير إبراهيم وقال لي: «التليفون عايزك»... فقال لي الشيخ حسن: «سلام عليكم بقى.. اتفضل أنت اتكلم بالتليفون».. وكنا قريبين من باب الخروج بخطوتين.. فخرجت معهم وركبوا التاكسي.. وعندما تحركت بهم العربية.. دخلت أنا في طريقي للتليفون.. وهنا سمعت صوت طلق ناري.. فعدت فورًا... فوجدت واحد لابس جلابية بلدي وتلفيعةفوق دماغه.. ما قدرتش أتبينها.. ويمكن تكون بيضة أو مزركشة وهو شخص رفيع لونه قمحي.. أسمر شوية وشايب... ولكني لم أستطع تبين ملامحه بالضبط.. لأن المسافة بيني وبينه كانت ستة أمتار.. ووجدته مصوبًا مسدسه نحوي وأنا أصيح «امسك.. امسك»... فأطلق علي رصاصة.. فجريت ناحية الإسعاف ببطء.. وأخذت ازوغ في الجري وأصيح «امسك.. امسك» وفي الوقت ده أطلق علي رصاصة ثانية.. فاعتقدت إني أاصبت.. وكان الجاني ساعتها بيجري في اتجاهي.. فتفاديته ورجعت ثاني إلى الجمعية.. فسابني وجري على الرصيف الشرقي -أي الأيمن- وفي هذا الوقت انتبهت إلى زميل ثان للجاني.. وماكنتش شايفه من الأصل.. لابس بالطو وبيجري في نفس الاتجاه.. وتقابل الاثنان قرب أجانس الأتومبيلات المواجه لمصلحة الكيمياء على طول وركبوا في عربية.. فخفت اتبعهم فيضربوني وأثناء رجوعي شفت الشيخ حسن نزل من العربية.. ودخل الجمعية.. وبعدين خرج ثاني.. وركب التاكسي قائلًا "قتلت.. قتلت" وهنا قال الناس إن السواق جري خلف العربية اللي ركب فيها الاثنين الجناة.. ولكني وجدت السواق نائم ومختفي في أرضية التاكسي في مكان القيادة.. وأنا بابص على الشيخ حسن البنا وهو راكب فيه.. فأخذت أصرخ مناديًا على الإسعاف.. ودخلت الجمعية أسأل هل طلبوا الإسعاف أم لا؟ فلما رجعت وجدت التاكسي مشي على ناحية الإسعاف.. فلحقت بهم هناك.. فوجدتهم وضعوا الشيخ حسن على نقالة وهو يتشاهد.. وبعد ذلك نقلوه هو والأستاذ عبد الكريم منصور إلى قصر العيني".
مشهد الجريمة من زاوية أخرى
- اسمي علي محمود نفادي.. سائق تاكسي رقم ٣٤٨٦- وعمري خمسة وثلاثين.. من أبناء أسيوط.. ومقيم في بولاق.. «كنت سارح بعربيتي التاكسي حوالي الساعة الثامنة.. وهي ملكي.. وكنت ماشي بها في شارع الملكة نازلي... وجاي من ناحية الأنتكاخانة في طريقي إلى جهة الإسعاف.. وكنت ماشي بها بسرعة عادية.. فواحد واقف أمام بناء جمعية المسلمين.. ساعي أو فراش.. نادى عليا.. فوقفت.. وشاورلي.. فدورت ووقفت بالعربية أمام باب الجمعية.. ومقدمها كان لجهة وابور المجاري.. وبعد كدة قلت للساعي «مين اللي حايركب» فقال «الشيخ حسن البنا».. ومافيش ثانية واحدة بعد كدة، وشفت الشيخ حسن البنا خرج من باب الجمعية اللي كنت واقف أمامها وركب السيارة بتاعتي في المقعد الخلفي ومعاه واحد أفندي ثاني.. وأنا كنت راكب من قبلهم أمام عجلة القيادة.. لأني منزلتش من العربية أبدًا.. ويادوب حابتدي أضرب مارش علشان أقوم العربية.. بصيت لقيت ضرب النار شغال في العربية من ورايا.. فافتكرت لما سمعت أول ضربة أنها طوبة جت في العربية أو حاجة.. فبصيت ورايا لقيت وش واحد حواليه كوفية.. فرحت غاطس في مكاني على دواسة العربية.. تحت عجلة القيادة.. وماشفتش إيه اللي جرى بعد كدة.. وإنما سمعت ضرب النار شغال باستمرار.. وبعد ما بطل ضرب النار.. لقيت الأهالي تجمعوا حوالين العربية فقمت ووجدت الاثنين اللي راكبين متعورين وبيقولوا «آه.. ولا إله إلا الله».. والناس اللي تجمعت قالت لي «اطلع يا سواق على الإسعاف».. فسوقت العربية وفيها الاثنين المتعورين وناس كتير ركبت على الرفارف لغاية ما وصلت الإسعاف نقلوا المصابين من العربية.. ونقلوني أنا كمان.. لأنه كان أغمى علي من الخضة.. ومادرتش بنفسي بعد كدة إلا وحضرات الضباط لما جم يسألوني على اللي حصل.. فحكيت لهم اللي حصل ده.. وفضلوا حاجزيني في أوضة الإسعاف لغاية ما جابوني وحجزوا السيارة بتاعتي كمان في الإسعاف».
اللحظات الأخيرة.. ثم النهاية
ومن التحقيق.. عرف أن البنا وصل إلى قصر العيني حوالي الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم في سيارة الإسعاف.. ونقل إلى كشك الحوادث حيث اُجريت له الإسعافات الأولية.. وفي الساعة العاشرة والنصف وصل الطبيب الجراح محمد الزنيني ليجد الشيخ قد نُقل إلى قاعة العمليات.. نُزعت عنه سترته كما نُزع عنه القميص وبقى بالسروال.. وكان يرتدي حلية كحلية اللون. بدأ الإعياء يدب في جسد الشيخ القوي الذي ظل يتحمل تلك الجروح حتى تلك اللحظة.. وظل يغالب النهاية بروحه القوية.. وإرادته الغلابة.. وسأله الطبيب المعالج عن حالته.. فقال «نفس.. نفس» وكانت هذه آخر كلمات نطق بها..
ثبت من الفحص أن رصاصات الجاني الأثيم قد استقرت في الرئة اليمنى وتحت الإبط الأيمن.. بينما سببت رصاصتان أخريان كسرًا مضاعفًا في ذراعه اليمنى.. وجرحًا عميقًا في فخذه الأيسر..
عند وصوله إلى قصر العيني كانت حالته تسير نحو الخطورة.. بينما النزيف الداخلي يشتد ويعنف... وضغط الدم على القلب والرئة... فأوقفهما عن الحركة... وصعدت الروح الطاهرة إلى بارئها.. لتسدل الستار عن آخر مشهد في رواية حافلة لأحد أبطال الإسلام.. الإمام الشهيد حسن البنا..
خلف الكواليس
يقول والده عندما اُخبر عن دفن ابنه «.. ونسيت نفسي عندما طلب الحكمدار مني أن يتولى دفن جثة ابني..» فقد دفنت جثة الشهيد بلا مراسيم دفن ولا جنازة.. وانتهى التحقيق في القضية إلى حفظها بعد أن استمر ثلاثة أشهر وذلك في وزارة إبراهيم عبد الهادي.. وفُتح التحقيق في وزارة حسين سري باشا ولكن انتهى إلى الحفظ كذلك.. وفُتح التحقيق مرة ثالثة في وزارة النحاس باشا ليعود من جديد إلى الحفظ.
وفي سنة ١٩٥٢م وبعد الحركة العسكرية التي قام بها محمد نجيب فُتحت القضية للمرة الرابعة وحولت إلى نيابة أمن الدولة ليصدر حكمًا ضد أربعة متهمين في أغسطس سنة ١٩٥٤م كالآتي:
٢٥ سنة للمخبر أحمد حسين جاد
١٥ سنة لكل من الأميرالاي محمود عبد المجيد والسائق محفوظ
وسنة مع الشغل للبكباشي محمد الجزار.
هذا اجتهاد ظرفي لا علاقة له بالمنهج الأساسي للإخوان المسلمين وهو: الفرد المسلم فالأسرة المسلمة فالمجتمع المسلم، فالدولة المسلمة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل