; حسن البنا في رحاب الخلود | مجلة المجتمع

العنوان حسن البنا في رحاب الخلود

الكاتب د. مصطفى السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1984

مشاهدات 63

نشر في العدد 659

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 21-فبراير-1984

ليس للعظمة مقياس خاص فقد يكون العظيم عالمًا، أو فاتحًا أو مخترعًا، أو مربيًا روحيًا، أو زعيمًا سياسيًا، ولكن أجدر العظماء بالخلود هم الذين يبنون الأمم، وينشئون الأجيال، ويغيرون مجرى التاريخ.

وحسن البنا كان أحد هؤلاء الخالدين، بل هو- في رأيي- أبرز الخالدين في تاريخ الإسلام في القرن الرابع عشر، ليس لأنه كان عالمًا أو خطيبًا، ففي معاصريه من كانوا أكثر منه علمًا، وأنصع بيانًا، ولكن لأنه الرجل الذي بنى دعوة، وأنشأ جيلًا، وهز تاريخ مصر الحديث خاصة، والشرق العربي عامة، هزًا عنيفًا ما تزال الأحداث تتأثر بمجراه. 

وحسبك أن تعلم أن مؤرخًا ما لن يستطيع أن يؤرخ لمصر الحديثة، أو لقضية فلسطين، أو للقضية العربية عامة، أو لقضايا العالم الإسلامي، دون أن يترك فيه مكانًا لحسن البنا، ومهما اختلفت فيه آراء المؤرخين، فلن يختلفوا قط في أنه أبرز الشخصيات المصرية أو العربية أثرًا في الحوادث التي ما زالت تتابع منذ أكثر من ربع قرن حتى الآن..  وهذا وحده أبرز مظاهر الخلود لفقيدنا العظيم. 

وإذا غمط الناس قدر هذا المصلح الكبير في عصرنا الحاضر، غمطوه قدره في حياته، وغمطوه قدره بعد استشهاده، فذلك شأن العظماء من معاصريهم في كل زمان، ألم تر الشيخ محمد عبده كيف كان في حياته متهمًا بالكفر والزندقة من علماء الأزهر، تجري الشائعات حوله في كل ناحية من نواحي شخصيته، لتبرز للناس بصورة غير محببة إليهم، فما انقضى على موته نحو من ثلاثين سنة حتى كان الأزهر- علماءً وطلابًا - يحتفلون بذكراه ويمجدون علمه ونبوغه وفضله؟

وحسن البنا لم يمت عند كل الذين خاصموه وخاصمهم في حياته، بل لم تنقطع أسباب العداوة بينه وبين كثيرين من الذين وقفت دعوته في وجوههم، بل لا تزال الحرب قائمة بين دعوته وبين الذين لا يؤمنون بها، وبيد أكثرهم الملك والسلطان والجاه والأموال، والصحف والإذاعات، فكيف يرجى منهم أن ينصفوه، ولم يصلوا إلى مآربهم من القضاء على دعوته؟!

ولن يضير حسن البنا أن يغمطه الناس أو ذوو النفوذ منهم قدره، ويجحدوا فضله، فعظماء الإسلام في التاريخ القديم والحديث، لا يعملون أبدًا ليعرف الناس أقدارهم أو ليحيطوهم بالرعاية والثناء. إن الإسلام ليصوغ هؤلاء العظماء صياغة خاصة لا يعرفها التاريخ في غيرنا من الأمم، فهو يربيهم على الروحانية المشرقة، والإيمان العظيم، لا تنفصم عراهما، والوعي العجيب لحقائق الحياة وأسرار الوجود، والفناء الخالص في فكرتهم، والتضحية البالغة في سبيل أدائها، والحب الإنساني الرائع للناس، على اختلاف نزعاتهم.

ثم هم مع ذلك كله لا يرون إلا الله، ولا يرغبون إلا في ثوابه، ولا يخشون إلا من حسابه، ولا يطلبون الزلفى إلا عنده، ولا يرجون الأمن والكرامة إلا في رحابه، فلن يكون في نفوسهم متسع لشهوة الثناء، أو رغبة الجاه، أو الأمل بحب من تنزلهم المطامع والأهواء إلى درجات الحقد أو الغفلة أو الشقاء. هيهات أن يبعثهم على العمل

في الحياة ما تفيض به الحياة من رغبات وشهوات، فما هم إلا النور المرسل من السماء ليكشف عن أهل الخلود ظلماتهم، ثم يظل في السماء دائمًا وأبدًا، ولن يختلط بتراب الأرض، إلا كما تقع أشعة الشمس على أعلى القصور وأدناها!

وبعد: فكيف كان حسن البنا في واقعه الذي عاش فيه، ثم في عالمه الذي خلد فيه؟

إن مثل هذا الرجل العظيم لن تسع الصفحات القليلة للتحدث عنه، بل لن يكفي في تحليل شخصيته، وتعداد أعماله ومآثره كتاب محدود الصفحات، ولقد كتب السيد رشيد رضا -رحمه الله- عن الإمام محمد عبده ثلاثة مجلدات في تاريخ أعماله ومآثره، فإذا أراد مؤرخ أن يؤرخ لحسن البنا على ذلك النمط، كان الحديث عنه في بضعة مجلدات كبار، ولعل الدعوة الإسلامية تستطيع أن تقوم بهذا الواجب قبل أن ينقرض الجيل الذي رافق حسن البنا في جهاده، وأخذ عنه مبادئ دعوته، وعرف من دقائق حياته مالا يعرفه إلا الأفراد القلائل، واطلع على أسرار حركته وجهاده ما لم يعرف منه إلا القليل النادر.

إن هذه أمانة في عنق أصحابه وتلاميذه، لن يطالبهم بها حسن البنا، بل ستطالبهم بها الأجيال المسلمة الآتية التي رفع لها الإمام الشهيد اللواء، ومهد لها الطريق، ورفع عنها القيود والأغلال.

ولقد قُدِّر لي أن أعرف حسن البنا في أواخر حياته، وأن أكون على مقربة منه في أيام محنته الأخيرة، ثم في أيام استشهاده، ثم قدر لي بعد ذلك أن أطوف في بعض أنحاء مصر، في مدنها وقراها، وفي ساحلها وداخلها، فوالله ما رأيت إنسانًا أروع في الفداء، وأخلص في النصح، وأنبل في التربية، وأكرم في النفس، وأعمق أثرًا في الإصلاح، من حسن البنا -رحمه الله-!

لقد كانت كل قرى الشر في الأرض تتحداه:

الاستعمار، والملك والباشوات والأحزاب والأزهر، والفساد والانحلال، ثم جهل الجماهير بمصلحتها، لقد كان كل ذلك يتحداه ويقف في طريق إصلاحه ودعوته، ومشى كالطود لا يعبأ بالرياح، ولا يبالي بالمعاول، ولا يتراجع أمام العاصفة، وإن كان ينحني لها حتى تأخذ طريقها، ولا ينكص على عقبه برغم كل تهديد ووعيد، ولا يضعف إيمانه بالنصر، وإن أظلمت الدنيا من حوله، ولا ينهزم من المعركة مهما تكاثرت القوى وتألبت عليه.

وكان مع ذلك كله يتسع صدره لأعدائه كما يتسع لأصدقائه، لم يكن يكره أحدًا من أعدائه كراهة حقد، فالرجل العظيم لا يعرف الحقد إلى قلبه سبيلًا، ولكنه يكره من أعدائه باطلهم وفسادهم وافتراءهم وتفننهم في الشر، وأضرارهم بمصالح الشعب، كما كان يكره من بعض أنصاره لجاجهم وقلة تبصرهم، وتمردهم على الحق، وإيذاءهم للدعوة بسلوكهم وأخلاقهم. وهو مع ذلك يقول ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وهو جريح يوم أحد: «اللهم اهِد قومي فإنهم لا يعلمون».

وما زال بأعدائه نصحًا وإشفاقًا، وما زال أعداؤه به كيدًا وتأمرًا، حتى قتلوه في الظلام وحيدًا أعزل، مجردًا من كل قوة وجاه وأنصار قتلوه وهم أقوياء وهو الضعيف، وهم الحاكمون وهو المطارد، وهم المسلحون وهو الأعزل، وقتلوه وهم الأشقياء وهو السعيد.. ثم أصبحوا مطرودين من رحمة الله، وهو مغمور برحمة الله، وهم الآن مشتتون في ديار الغربة، وهو الآن في رحاب الخلود!

رضي الله عنه، وأكرم مثواه، وأجزل مثوبته.

الرابط المختصر :