العنوان الشاعر العالم- حسين مجيب رائدًا للأدب الإسلامي المقارن (2-6)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 71
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 44
السبت 11-أبريل-2009
إعداد: مبارك عبد الله
حسين مجيب المصري من الأدباء والشعراء والباحثين الذين أهملهم البحث الأدبي، وقد كنت على صلة به في حياته، وعرفت ما يكابده من متاعب ومصاعب في سبيل البحث العلمي والأدب، وخاصة بعد أن كف بصره في العقود الأخيرة من حياته المعمرة، حيث كان يستأجر من يقرأ له ومن يملي عليه أبحاثه...
باحث طويل الباع أصدر أكثر من أربعين كتابًا من الحجم الكبير في شتى فروع البحث العلمي الأدبي
أتقن إحدى عشرة لغة ساعدت في غزارة إنتاجه وخصوبة عطائه وجعلته مرجعًا في دراسة الأدب المقارن
وقد كتبت عنه دراسة طويلة، نشرتها مجلة «وجهات نظر»، عرضت فيها لحياته وإنتاجه بصفة عامة، وكشفت عن عطائه الغزير في مجال الأدب؛ حيث كان شاعرًا خصب الإنتاج (له أكثر من عشرة دواوين) كما كان باحثًا طويل الباع؛ حيث أصدر أكثر من أربعين كتابًا من الحجم الكبير في شتى فروع البحث العلمي الأدبي، وساعده على غزارة إنتاجه وخصوبة عطائه، معرفته بإحدى عشرة لغة معظمها من اللغات الشرقية، التي أتقنها إتقانًا تامًا، وجعلته مرجعًا يرجع إليه الأساتذة والطلاب ليترجم لهم أو يصحح ترجماتهم، وقد حقق بذلك الشرط الأول في دراسة الأدب المقارن.
باكورة المقارنة:
وكان تفوقه في اللغات الشرقية خاصة دافعًا إلى التأليف في هذه الآداب قبل أن يركز على الدراسة المقارنة، فقد أخرج عام ١٩٤٨م، دراسة بعنوان: «فارسيات وتركيات» تضمنت فصولًا قصارًا في موضوعات خاصة بالأدبين الفارسي والتركي، مثل الصدق والكذب في إيران القديمة، وحريم السلطان والشاعر القتيل وخديجة الشركسية... وغيرها من الموضوعات المستمدة من تاريخ وأشعار الترك والفرس.
وفي عام ١٩٥٠م ظهر كتاب آخر الحسين مجيب المصري بعنوان «من أدب الفرس والترك»، وهو يشبه الكتاب السابق، مع بعض العمق، وفيه موازنات ومقارنات أكثر منه بين شعراء الفارسية والتركية، مثل: شاعران سجينان، وشاعران ضحاكان، وغضبة الأرض، وهي موازنة بين شاعرين وصفا زلزالًا.. وغير ذلك.
وهذه باكورة مقارنة في الأدب الإسلامي بين الأدبين الفارسي والتركي، ثم تتوسع لتكون المقارنة بين الآداب الفارسية والتركية والعربية والأردية.
العربي والتركي:
كتابه «المصري» أول جهود المقارنة الحقيقية في الأدب الإسلامي وصارت موضوعاته مجالًا لدراسات معمقة
يعد كتاب «المصري» (دراسة في الأدب الإسلامي المقارن) أول جهود المقارنة الحقيقة، وقد تضمن فصولًا مهمة منها: الترك والشعر العربي والغزل في الشعر العربي والتركي الرثاء عند العرب والترك الطبيعة في الشعر التركي والعربي، ليلى والمجنون عند العرب والترك (يلاحظ أن محمد غنيمى هلال، اهتم فيما بعد بليلي والمجنون عند الفرس)، مولد النبي في العربية والتركية الهجاء في الشعر العربي والتركي، التصوف في شعر العرب والترك الأدب الشعبي عند العرب والترك، الشعراء الملوك عند الترك والعرب.
وقد صارت معظم هذه الموضوعات مجالًا لدراسات معمقة ومطولة، قام بها حسين مجيب المصري نفسه، وتلاميذه وآخرون من الباحثين.
شهر رمضان:
يحتفل المسلمون بشهر رمضان كل عام ويتميز كل بلد إسلامي بطريقة معينة في التعبير عن هذا الاهتمام، وقد كانت الحفاوة الإسلامية بشهر رمضان موضوعًا لفت نظر حسين مجيب المصري، من خلال إحدى القصائد الشاعر تركي من شعراء القرن الثامن عشر اسمه «ثابت»، نظمها في مدح الصدر الأعظم (رئيس الوزراء في دولة الخلافة العثمانية)، ومهد لها طويلا بذكر رمضان ووصف الاحتفال به في إستانبول، واستقبال العثمانيين له بالحفاوة والترحاب وإقامة الزينات والتعبير عن الحضارة التركية في ذروتها، وقد كان تأثير هذه القصيدة عميقًا وواسعًا لدرجة أن سبعة شعراء عارضوها، وقد كانت المادة التي حصل عليها المصري دافعًا له كي يعقد مقارنة بين ما نظمه كل من شعراء العربية والفارسية إلى جانب ما نظمه الشعراء الأتراك، وجاءت دراسته المقارنة «رمضان في الشعر العربي والفارسى والتركى»، لتمثل موضوعا بكرًا في مجال الدرس المقارن في الأدب الإسلامي.
سلمان وأبو أيوب:
وقد استطاع «المصري»، أن يضع عينيه على اثنين من صحابة رسول الله ﷺ ليكونا موضع دراسة مقارنة، الأول هو «سلمان الفارسي» رضي الله عنه، ولسلمان دور مهم في مرحلة بناء الإسلام والدعوة إليه، وكانت أصوله الفارسية ونظرة العرب والأتراك إليه من خلال الشعر، مجالًا خصبًا، دفع المؤلف إلى إخراج كتاب مهم عن هذا الصحابي الجليل بعنوان «سلمان الفارسي بين العرب والفرس والترك».
أما الآخر، فهو الصحابي الجليل «أبو أيوب الأنصاري»رضي الله عنه الذي استضاف النبي ﷺ عقب وصوله مهاجرًا من مكة إلى المدينة، وهو الذي أصر على الخروج مع جيش المسلمين لفتح القسطنطينية في عهد الأمويين، ولم يقبل بالبقاء عندما رجاه يزيد بن معاوية أن يبقى لكبر سنه حيث كان قد شارف الثمانين أو تجاوزها، ونزل يزيد على رغبة أبي أيوب، ونفذ وصيته أن يدفن على أسوار القسطنطينية، إذا مات ولم تفتح.
وعندما استطاع «محمد الفاتح»، أن يفتحها، كان أول ما فعله هو نقل رفات أبي أيوب، وإقامة مسجد له مازال قائمًا حتى اليوم، وكان سلاطين آل عثمان يتوجون فيه، وجعله الأتراك مزارًا يعقدون فيه قرآن الأزواج الشباب، ويقومون عنده بختان الصبيان، ويحظى بشهرة عالمية جعلته معلمًا سياحيًا يرتاده الأوروبيون قبل غيرهم عند زيارتهم لإستانبول .
(*) أستاذ الأدب والنقد