; حصاد زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة | مجلة المجتمع

العنوان حصاد زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة

الكاتب د. أحمد يوسف

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996

مشاهدات 42

نشر في العدد 1209

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 23-يوليو-1996

•١٦٪ من ميزانية إسرائيل تأتي من الولايات المتحدة على شكل دعم أمريكي مباشر أو قروض إضافة إلى المساعدات والتبرعات التي تقدمها المؤسسات اليهودية المختلفة 

•لقد حاول هنري كسينجر خلق مبررات لسياسة نتنياهو الجديدة بدعوى أن آليات عملية السلام الحالية بحاجة إلى إعادة ترتيب! 

تأتي زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة في وقت تعقدت فيه مراهنات الأطراف الفلسطينية والعربية والأمريكية على مستقبل العملية السلمية تلك العملية التي بنت عليها الدول الغربية الكثير من آمالها، ليس فقط في استقرار منطقة الشرق الأوسط الحيوية لاقتصادياتها ولكن أيضا للحفاظ على استمرارية النظام العربي الموالي والحليف لها، بأمل تركيز جهوده وتحركاته لتحجيم المد الإسلامي المتعاظم، والذي ترى فيه المنظومة الغربية خطرا يتهدد مصالحها وامتيازاتها السياسية والاقتصادية بالمنطقة!. لقد كان بيريز متفهما لهذه الرؤية الغربية، وجاءت أفكاره ليس أكثر من مناورات في هذا الإطار، ولكن المحصلة النهائية للتوجهات الإسرائيلية السلمية لن تخرج في حقيقتها عن الرؤية الكلية للحركة الصهيونية، والتي لا زالت حتى الآن هي المحرك الحقيقي لخيارات إسرائيل السياسية، وإن كانت قوة الدفع لها تتفاوت بين المواقف المتطرفة لتكتل الليكود والبرجماتية والمرونة التي تظهرها مواقف حزب العمل والقوى اليسارية المتحالفة معه. 

لقد عاد الليكود إلى الحكم في وقت مفاجئ للجميع، وقبل أن تستقر عربة التسوية على عتبة المرحلة الثانية لتترك الجميع يقف مشدوها من شدة الذهول نفق في نهاية الضوء لقد جاءت الانتخابات بصقور الليكود والقوى اليمينية المتطرفة لتقلب طاولة الأماني والأحلام رأسًا على عقب، وتجعل السياسيين في العواصم الأوروبية وواشنطن يعاودون البحث عن مخرج آمن للأزمة المستعصية بالشرق الأوسط في وقت ظن الجميع أن طريق أوسلو- واشنطن ستصل إلى مبتغاها، بعدما تمهدت الدروب وانجلت العوائق وشرعت الرسميات العربية بالهرولة المخزية تجاه إسرائيل، لذلك يأتي نتنياهو وهو ضامن بأن قائمة تحفظاته وشروطه ستجد لها آذانا صاغية في واشنطن، وأن الجميع في الحزبين الديمقراطي والجمهوري سيحاولون التقرب وإبداء التفهم للأجندة الإسرائيلية الليكودية- اليمينية ورؤيتها المتطرفة للعملية السلمية لقد حملت حقيبة نتنياهو إلى الولايات المتحدة ثلاث رسائل مهمة إلى البيت الأبيض والكونجرس، والجالية اليهودية، وهي وإن تنوعت في دلالاتها لكن مضمونها يبقى واحدا أن إسرائيل تصر على لاءاتها الثلاث، وهي: لا لتقسيم القدس... لا لتسليم الجولان... لا للدولة الفلسطينية... وعلى العالم أن يعي هذه اللاءات وأن يقرر- بعد ذلك- الشكل الذي يراه لتحقيق السلام. 

إن واشنطن تتحمل- دون شك- الجزء الأكبر من الحرج جراء في تغيير في قواعد اللعبة التي قامت على معادلة الأرض مقابل السلام والتي استثمرت فيها واشنطن جهودا دبلوماسية واستخدمت ضغوطا سياسية واقتصادية لجعل الأطراف العربية والدولية تتراضى القبول بها. وحيث إنه لم يعد هناك متسع من الوقت أمام إدارة كلينتون لترميم تبعات دخول نتنياهو- المفاجئ- على خط التسوية وتعطيله لها، فإن واشنطن- في الأغلب- ستعمل على تهدئة ردود الفعل العربية الرسمية ومحاولة إرجاء أي تحركات لها لما بعد الانتخابات الأمريكية... وستحاول كذلك استعطاف الطرف الإسرائيلي بأن يخفف من لغة التطرف والرفض لحين معاودة البحث عن صيغة جديدة لمعادلة التسوية بطريقة يتحقق فيها للطرف الإسرائيلي مبتغاه، ويكون بوسع الرسميات العربية قبول الفشل والخسارة، وهضم الإهانات المتكررة وتسويق شعارات بديلة للمرحلة القادمة. 

اليهود وجديد نتنياهو في بلاط كلينتون:

من المعروف أن الرئيس بيل كلينتون قد قام بتطوير علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل من وضعية الحليف إلى الشريك الكامل، وجعل الكثير من الشخصيات اليهودية البارزة من كبار مستشاريه وامتلأت كذلك أجهزة ودوائر الحزب الديمقراطي بالسياسيين اليهود المتعاطفين- بالطبع- مع إسرائيل والحركة الصهيونية. حتى أن أحد حاخامات واشنطن تحدث عن المركز الثقافي والسياسي الذي تبوأته جاليته اليهودية في أمريكا قائلا: «إننا لم نعد تشعر- و-لأول مرة- في التاريخ الأمريكي- بأننا نعيش في الشتات، إذ لم تعد الولايات المتحدة دولة يحكمها للغوييم- أي غير اليهود- بل صارت فيها إدارة يشارك فيها اليهود في صنع قرارها مشاركة كاملة وعلى كل المستويات». 

لقد أحدث بيل كلينتون- فعلا- تغييرا حقيقيا في العلاقة بين الإدارة الأمريكية وبين اليهود بعد أن أجرى سلسلة من التغييرات التي عززت السلطة اليهودية، حتى غد هناك سبعة يهود من أصل أحد عشر مسؤولا رفيعا في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية أمثال ساندي بيرغر، دان شيفر، دنیس روس، دان كيرتز، والحالة كذلك لا تختلف في مكتب الرئيس المزدحم باليهود المتحمسين إضافة إلى الكونجرس الذي به حوالي ٣٠ شخصية يهودية، وأكثر من مائتي نائب وعضو مجلس شيوخ هم في حقيقة أغلبهم أكثر تجاوبا وولاء للأجندة الإسرائيلية من اليهود أنفسهم!!

لذلك فإن حالة الإرباك التي صاحبت سقوط زعيم حزب العمل الإسرائيلي شيمون بيريز في انتخابات مايو الماضي قد تمت تسويتها – نسبيا- الآن خلال زيارة نتنياهو لواشنطن، حيث أبدى البيت الأبيض تفهما لمطالب إسرائيل واهتماماتها الأمنية والتي تتطلب- حسب الرؤية الإسرائيلية- إجراء بعض التعديلات الجوهرية، والتي من الممكن أن تؤدي إلى تداعي قطار سلام الشرق الأوسط عن مساره ولكن واشنطن مع ذلك وبرغم الحرج والإهانة مصرة كما جاء على لسان الرئيس بيل كلينتون- على أن تظل العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم ولن تتغير... ويضيف كلينتون- الذي كان يتحدث خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع نتنياهو في 9 يوليو- قائلا: إن الوشائج التي توجد بيننا ما زالت محتفظة بما هي عليه من قوة أبدا، وإنه ليغمرني شعور بالفخر لأن علاقاتنا تتسم بقدر من الاتساع والعمق والثبات يفوق ما كانت عليه في أي وقت في تاريخ إسرائيل... وأنا عاقد العزم على إبقائها على هذا النحو!!. ونظرا لأهمية تصريحات البيت الأبيض لتفهم طبيعة الموقف الأمريكي الاستراتيجي المنحاز- دائما- لإسرائيل ودعمها سياسيا واقتصاديا وعسكريا، مهما تغيرت وتبدلت مواقف الطرف الإسرائيلي، فإننا سنترك لكلمات الرئيس كلينتون خلال المؤتمر الصحفي المذكور أن تعكس لنا خلاصة لقائه بنتنياهو، ذلك اللقاء الذي توقع له البعض أن يكون من الحدة والتوتر، بسبب تصريحات نتنياهو وتشريطاته المتطرفة لمسار العملية السلمية، ولكن تلك التوقعات لم تحدث وكانت الصيغة في مجملها منسجمة مع النهج العام في العلاقة مع إسرائيل، وأن الإدارة تسعى من خلال خطابها الرسمي التكيف مع الأجندة الإسرائيلية الجديدة، وإعطائها الوقت الكافي كي تتفهم المصلحة الأمريكية كذلك من عملية السلام. وتأتي كلمات كلينتون هذه تحقيقا لتلك السياسة وتفعيلا لها، حيث أشار قائلا: لقد تشجعت من تصريح رئيس الوزراء بأنه سيعمل عن كثب مع السلطة الفلسطينية تحقيقّا لتطبيق كامل يقوم به الجانبان لإعلان المبادئ والاتفاق المؤقت، وتخفيفًا لوطأة الظروف الاقتصادية التي يواجهها الفلسطينيون.

 واتفقنا كذلك على أهمية المفاوضات مع السوريين، ويعتقد كل منا أن من الأمور الحيوية أن يتواصل التآلف بين دول الشرق الأوسط من خلال مبادرات إقليمية، ومن خلال مؤسسات، وخاصة مؤسسات اقتصادية مثل القمة الاقتصادية التي ستعقد في القاهرة في خريف هذا العام، وتحدثنا باستفاضة عن التهديد الذي يشكله الإرهاب لمصالحنا المشتركة، فبعد الهجوم الوحشي في الظهران، يدرك الأمريكيون على نحو أفضل مما سبق أن على المجتمعات الحرة، كما ورد فيما كتبه رئيس الوزراء نفسه، أن تعبئ مواردها وإبداعها وإرادتها لاجتثاث هذا الشر من وسطنا، ولذلك يسعدني أن أعلن أننا اتفقنا على أن يعقد الفريق الأمريكي - الإسرائيلي الخاص بمكافحة الإرهاب - الذي تشكل في الربيع الماضي اجتماعه الأول في الشهر القائم. وسيمثل تعاوننا عنصرًا رئيسيًا في الجهود العالمية المبذولة لإلحاق الهزيمة بالإرهاب، وهي جهود تزعمها الأمريكيون في شرم الشيخ ومؤتمر الدول السبع ونقوم كذلك بزيادة جهودنا المشتركة لمكافحة التهديد الذي يحدق بإسرائيل نتيجة لانتشار الصواريخ، ووافقت الولايات المتحدة على تقديم معلومات مشتركة تتعلق بالإنذار المبكر في إسرائيل بحيث تبدأ ذلك قبل نهاية هذا العام، والآن اختتم كلمتي بما قلت لرئيس الوزراء في إحدى مداولاتنا السابقة عام ۱۹۹۲م، قلت حينئذ إنني لا أعتقد أن الولايات المتحدة تستطيع إحراز السلام نيابة عن إسرائيل، وأنه يمكن لإسرائيل وحدها وجاراتها اتخاذ تلك القرارات من خلال المفاوضات المباشرة، وشعرت أن إسهامنا ينبغي أن يتمثل في التقليل إلى أقصى حد من المخاطر التي تواجهها إسرائيل نتيجة تحقيق السلام كي تكتسب إسرائيل الثقة الضرورية لصنع السلام الذي من شأنه أن يبقى، ومازلت على ذلك الاعتقاد. وذلك هو السبب أن التزامنا بأمن إسرائيل يبقى صلدًا كالصخر، وإننا سنواصل القيام بكل ما هو لازم لكفالة تفوق إسرائيل النوعي، وأن على إسرائيل ولا أحد غيرها أن تقرر في نهاية المطاف البنود التي ستحقق إسرائيل السلام وفقا لها. 

ومرة أخرى، فإن لقاء البيت الأبيض لم يكن- كما هو واضح من تصريحات الرئيس – جوهريًا للمعاتبة والمراجعة لمخاطر خروج العملية السلمية عن مسارها، وإنما هو يأتي في سياق إرضاء الطرف الإسرائيلي، وتفهم توجهاته بجعل الأولوية المحاربة الإسلامية، بدعوى أن الإرهاب الإسلامي هو العقبة الحقيقية للسلام الذي تريده إسرائيل.

الكونجرس.. حقائق الشرق الأوسط:

جاء خطاب نتنياهو بالكونجرس مختلفا تماما عن نقاشاته في البيت الأبيض، حيث حاول أن يعطي انطباعا لأعضاء الكونجرس بأنه رجل الغرب الذي يحمل ثورة الإصلاح والتغيير لشكل الدولة العبرية وانفتاحها الاقتصادي لتخفيف عبء اعتمادها على الدعم الأمريكي... وانصرف حديث نتنياهو- بعد مقدمة سياسية أكدت على اللاءات الثلاث- بأنه يتطلع لبناء دولة تواكب التحديات الاقتصادية العالمية، ولذلك فإن لديه توجها إلى خصخصة الاقتصاد الإسرائيلي، والذي يمكن أن يعود بالنفع على الحكومة بما قيمته ۳۰مليار دولار، ولكنه أضاف بأن المعونة الأمريكية تظل مطلوبة حتى يتسنى لإسرائيل تحقيق طموحاتها تلك... وكما هو معلوم فإن ١٦٪ من ميزانية إسرائيل تأتي لها من الولايات المتحدة على شكل دعم أمريكي مباشر أو قروض، إضافة إلى المساعدات والتبرعات التي تقدمها المؤسسات اليهودية المختلفة بالولايات المتحدة. 

لقد حاول نتنياهو من خلال خبراته السياسية والإعلامية والدبلوماسية تطويع مسامع رجالات الكونجرس والتأثير عليهم لتفهم احتياجات إسرائيل الأمنية، وتطلعاتها لسلام يتحقق به ذلك، وبالرغم من تناقضات الخطاب مع مجمل آليات العملية السلمية إلا أن نتنياهو استطاع انتزاع إعجاب رجالات الكونجرس الذين صفقوا له لأكثر من عشر مرات وحتى عندما صرح أن القدس لن يعاد تقسيمها وإن أحدا لن يخرج من أي من شوارع عاصمتنا كان الوقوف والتصفيق له مطولا، ولعل هذا المشهد قد استفز الكثير من قيادات المؤسسات العربية في واشنطن، والتي عبرت عن استنكارها بإصدار العديد من البيانات التي تندد بالزيارة، وبالسلوك الذي يتناقض مع طبيعة الدور الذي تلعبه واشنطن كراعية لعملية السلام. 

لا شك أن نتنياهو قد نجح إلى حد ما في كسب التعاطف المطلوب لأجندته السياسية داخل الكونجرس الذي تسيطر عليه أغلبية جمهورية لا تخفي تأييدها للقوى السياسية الإسرائيلية، وقد لاحظ البعض بأن مقابلة نتنياهو للمرشح الجمهوري بوب دول وعضو الكونجرس «الفانسو داماتو» وآخرين من الحزب الجمهوري هي بمثابة تصديق على تأييده لبوب دول، وهي إشارة للناخب اليهودي التوجيه خياراته في اتجاه الجمهوريين، وقد أشار الصحفي يوسف بودا «أن نتنياهو قد أعطى التزامًا بتأييد بوب دول، والذي سبق أن وجد مساعدة ودعمًا سياسيًا وماليًا من دوائر الحزب الجمهوري خلال حملته الانتخابية، والتي فاز فيها على منافسه شیمون بیریز» «نیوفیدراست ١٥ يوليو ١٩٩٦م». 

كانت المحطة الثالثة والهامة في زيارة نتنياهو للولايات المتحدة هي نيويورك، حيث جرت العادة أنه كلما قامت شخصيات إسرائيلية مرموقة بزيارة واشنطن أن تقوم بالمرور على تجمعات الجالية اليهودية في نيويورك، حيث يتواجد قرابة مليون ونصف مليون يهودي - أمريكي في ذلك المحيط وتتوزع ولاءات هذه الجالية بين الأحزاب الإسرائيلية المختلفة، وإن طغى على اتجاهاتها تأييد اليمين المتطرف في إسرائيل، وبالتالي فإن زعامة الليكود تحظى في هذه المدينة بدعم وإسناد سیاسي، ومالي قوي بين هذه التجمعات ولقد كان الحماس للقاء نتنياهو كبيرًا، وبشكل لم يسبق له مثيل إذ تسابق حوالي ثلاثة آلاف من الشباب اليهودي المتدين إلى فندق شيراتون نيويورك للاستماع إلى كلمة رئيس وزراء إسرائيل الجديد وقد كانت كلمات نتنياهو إلى قيادات الجالية اليهودية أشبه بتعاليم الحركة الصهيونية عند انطلاقتها في أواخر القرن التاسع عشر، حيث دعت الشعب اليهودي إلى الهجرة إلى فلسطين «أرض الميعاد» التوطن وبناء الدولة.. لقد حمل خطاب نتنياهو رسالة سياسية ودينية تضمنت تشجيع الشباب اليهودي للذهاب لإسرائيل للاستجمام الروحي وتأكيد الولاء والانتماء، وكذلك لحمايته من الذوبان، وأشار نتنياهو قائلًا: «عندما قامت إسرائيل كدولة من وسط الرماد، كان عددنا ١٢ مليوناً من الأقوياء»، ولكن بعد مضي خمسين سنة فإن المتوقع أن يكون تعدادنا الآن بالنمو الطبيعي هو ٢٤ مليون يهودي، ولكن الحقيقة هي أنه ليس هناك إلا ١٢ مليون، لقد اختفى نصف شعبنا نتيجة للذوبان في مجتمعات الآخرين (واشنطن تايمز ١٣ يوليو ١٩٩٦م). وطالب نتنياهو-في مقابلة له مع تحالف القوى المعارضة لعملية سلام أوسلو-قيادات الجالية اليهودية ومنظماتها باعتماد برنامج لتمويل مبادرته تلك، وقال: «إن أعظم عمل للحركة الصهيونية اليوم هو أن تقوم بتعزيز بناء الهوية اليهودية» (واشنطن بوست ۱۳ يوليو ۱۹۹٦م)

حملة صهيونية لتلميع نتنياهو:

اكتظت جداول زيارة نتنياهو باللقاءات التي أجراها في مختلف المحافل السياسية والأكاديمية والإعلامية، والتي جردت إسرائيل من خلالها حملة لتلميع شخصية نتنياهو وأطروحاته السياسية وذلك بمحاولة التركيز على خلفيته ونشأته كطالب بالولايات المتحدة شب وترعرع وتعلم في أحضان الثقافة الغربية، ومتفهم لمتطلباتها الحضارية... وكذلك بالحديث عن «مشروعي»، المخاوف التي تهدد حكومته، والتي أناط بها الناخب الإسرائيلي تحقيق الأمن له قبل السلام. 

لقد غطت التحليلات واجهات الصحف والمجلات مستفيضة في عرض قدرات نتنياهو وتطلعاته في شق مسار آخر لعملية السلام قائم على حقائق توفير الأمن لشعب إسرائيل، ولو أدى ذلك لتعطيل العملية السلمية برمتها والخروج غير المشروع عما تم تحقيقه من اتفاقيات وإنجازات وخاصة على المسار الفلسطيني. 

لقد حاول هنري كسينجر- وزير الخارجية الأمريكي الأسبق- خلق مبررات للسياسة الإسرائيلية الجديدة بدعوى أن آليات عملية السلام الحالية بحاجة إلى إعادة ترتيب، وأن الصيغ التي كانت قائمة قبل مجيء الليكود إلى الحكم هي الأخرى تحتاج إلى معاودة النظر فيها والبحث عن مقاربات تنسجم مع تطلعات نتنياهو. واقترح كسينجر- المتفهم -بالطبع- لاحتياجات الطرف الإسرائيلي لا غير- استبدال شعار «الأرض مقابل السلام» إلى «الأرض مقابل الأمن الشخصي»، وأن على الزعيم الفلسطيني العمل على إنجاح عزل المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني في الضفة الغربية، وأنه يتوجب عليهم أن يضعوا جانبا – الآن- التفكير في قضايا القدس والدولة الفلسطينية. (واشنطن بوست أول يوليو ١٩٩٦م). 

أما المستشرق اليهودي برنارد لويس- المتخصص في دراسة التاريخ الإسلامي، وصاحب أطروحة صراع الثقافات بين الشرق والغرب- فيرى أن إنجازات عملية السلام لا يمكن التراجع عنها، لأن إسرائيل دولة ديمقراطية، وأن الإدارة الإسرائيلية الجديدة متوقع منها أن تحترم التزامات من سبقها. ولكن نتنياهو له أسلوبه الخاص والذي سيقود إلى نهج متشدد، ولكن لن يحيد عن هدفه النهائي في التعايش السلمي مع جيرانه. 

ويعتقد برنارد لويس بأن التهديد الحقيقي للسلام ليس في السياسة الإسرائيلية، ولكنه وكما كان في السابق إنما يأتي من هؤلاء الإسلاميين «حماس وحزب الله»، الذين يرون في أي سلام خيانة واستسلام، وسيظلون يلجئون إلى كل الوسائل لتعطيل قيام نهاية سلمية باستخدام مختلف الحروب المقدسة!. ويرى لويس بأن الاختبار الحقيقي أمام الباحثين عن السلام سيكون في مدى مقدرتهم على تحطيم هذه القوى (وول ستريت جورنال ١٠ يوليو ١٩٩٦ م).

 وقد أكد زلمان شوفال- أحد قيادات حزب الليكود وسفير إسرائيل السابق في واشنطن- بأن شعار الأرض مقابل السلام، لا أصل له، ويحمل مضامين لا أخلاقية وغير واقعية لا يمكن قبولها... وإن المطلوب هو إبداء كافة الأطراف مرونة تسمح بالتوصل لصيغ مرضية لأمن إسرائيل، وقد أشاد بفهم كسينجر وشعاره «السلام مقابل الأمن الشخصي»، وقال: إن ذلك يعني أن السلام إذا ما أريد له أن يتحقق فلابد أن يتم في إطار الأمن القومي لشعب إسرائيل (واشنطن- تايمز، 9 يوليو ١٩٩٦). 

وفي مقال لصحيفة الواشنطن منشور بتاريخ 7 يوليو كتب جيم هو قلائد بأن المطلوب الآن هو أجندة جديدة وتفاهم أمريكي - إسرائيلي جديد حول طبيعة عملية السلام يحفظ تواصل هذه العملية واستمرارية العلاقة الوطيدة بين واشنطن وتل أبيب. لقد تناولت بعض الصحف-على استحياء- تحفظات الموقف العربي وتوتره، وأشارت بأن عملية السلام هي في الحقيقة قد فقدت مصداقيتها، وأن قوة الدفع يمكن تحريكها لاحقًا إذا توفرت الظروف المناسبة لها. 

وفي تقرير خاص بالبنتاجون كتبه ستيفن بيلليتري أشار بأن العملية السلمية سوف تزداد تعقيدًا مع مجيء الليكود، وستصبح إسرائيل مع تزايد قوى اليمين المتطرف غير قادرة على تقديم تنازلات للأطراف العربية، وهذا بدوره سيخلق المزيد من التوتر والحرج للإدارة الأمريكية، والتي ستجد أن من الصعوبة التعامل مع سياسة الليكود إذا ما ظلت على ما هي عليه، فيما يتعلق بمواقفها تجاه القدس والدولة الفلسطينية والجولان.

خلاصة وتعقيب:

يبدو الآن بعد متابعة جولة نتنياهو في واشنطن، والاستماع- عن قرب- إلى وجهات نظر أمريكية في البيت الأبيض والخارجية، لا زالت تطالب الأطراف الفلسطينية والعربية بالتريث وعدم التسرع بالحكم على شعارات نتنياهو المتطرفة خلال حملته الانتخابية، تلك الشعارات التي لم تتغير مضامينها، وإن حاول نتنياهو تلميعها ببعض التصريحات الدبلوماسية، كالحديث عن رغبته برفع المعاناة عن الفلسطينيين والعمل على تحقيق الازدهار لمناطق الحكم الذاتي، وتطلعه إلى لقاء الأسد ونحو ذلك... وهي تصريحات لا تصدقها وقائع السياسة الإسرائيلية. 

ما يبدو الآن هو أن السياسة الأمريكية في عهد إدارة الرئيس بيل كلينتون ستظل تحافظ على قدسية علاقاتها الوطيدة بإسرائيل، وإن كان ثمن ذلك تفجر الموقف كله وانهيار عملية السلام... وإن واشنطن ستوالي الاستجابة لسياسات الابتزاز الإسرائيلية بغض النظر عن تقييمات وتوصيات أجهزتها الأمنية والسياسية، والتي توصلت إلى نتيجة مفادها أن المصالح الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة موجودة في العالم العربي، وليست في إسرائيل، كما أن الثمن الذي يمكن أن تدفعه أمريكا نتيجة لهذه السياسة المتحيزة لإسرائيل، والضارة بنفس القدر بالعلاقات العربية- الأمريكية سيكون فادحا. 

لقد أشار «جوستورك»، في دراسته إدارة كلينتون والمسألة الفلسطينية في الكتاب الذي نشره هذا العام بعنوان «سياسة الولايات المتحدة تجاه فلسطين من ولستون إلى كلينتون،» قائلا: إن العقلية الليكودية في إدارة الرئيس بيل كلينتون هي مع ما سبق أن نادى به مارتن إنديك- مستشار الرئيس لشؤون الشرق الأوسط والسفير الحالي في إسرائيل- بأن دور الولايات المتحدة تجاه طرفي الصراع ليس من الضرورة أن يكون عادلًا، بل عليها السعي لإقناع الفلسطينيين وإغرائهم بقبول المواقف الإسرائيلية». 

والآن - فيما أعتقد - بأن العقلية الليكودية في تلك الإدارة ستحاول التكيف مع أجندة نتنياهو، وستعمل على محاولة إقناع السوريين بالتفهم والاستجابة لمطالب حزب الليكود المستحيلة!. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل