; حصلت على أفضل أُمّ لأولادي وفقدت زوجتي | مجلة المجتمع

العنوان حصلت على أفضل أُمّ لأولادي وفقدت زوجتي

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2010

مشاهدات 404

نشر في العدد 1896

نشر في الصفحة 54

السبت 03-أبريل-2010

مشكلتي

الأخ الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: لقد تابعت تناولك لبعض المشكلات التي عرضتها مجلتنا الغراء المجتمع مجلة كل المسلمين، وهذا ما شجعني للكتابة إليك، ولكن أرجو ألا تظن أنني أطلب الكمال في الدنيا، فهذا مستحيل ولكنني حقًا أعاني، وبعد أن كنت خائفًا على مستقبل حياتي الزوجية أيقنت أنها قد انتهت وينقصها فقط شهادة الوفاة الرسمية، رغم أنني محسود على تلك الزوجة الجميلة الوفية الملتزمة وأم الأولاد الفاضلة، وأقر بكل ذلك بل وأضيف على كل ما يقوله أقاربنا وخاصة أمي إنها متفانية في رضائي.

ولكن كل هؤلاء لا يشعرون بمعاناتي فأنا أعيش وحيدًا مع زوجة لا تعلم من حقوق الزوج سوى حقه في أن يراها بدون حجاب، وعلى مضض، ومستعدة أن تسلمه نفسها، وكأنها مغتصبة لقضاء حاجته؛ لأنها يوميا تصحو مع الفجر للقيام بأعباء بيت الزوجية والأولاد.

ولنبدأ الحكاية: كنا معًا في الجامعة، وكنت متفوقًا ولي نشاطي الجامعي، وتم اختياري الطالب المثالي، وأنا في البكالوريوس وتعرفت عليها في حفلة التكريم، حيث كانت الطالبة المثالية بالسنة الثانية، وبهرني جمالها وثقتها بنفسها ودار بيننا حديث ولكنها أنهته بأدب ولباقة وانصرفت ثم تخرجت وعملت بإحدى الشركات، وبعد ٥ سنوات من عملي كلفت لإجراء مقابلة لبعض المتقدمين للعمل، وكانت المفاجأة أني وجدت زميلتي (زوجتي فيما بعد) وقد تم ترشيحها وخلال ستة أشهر تم الاتفاق على الزواج وكانت في قمة التجاوب العاطفي، واتفقنا على أن تترك العمل بعد أن رزقنا الله بأول مولود فالحمد لله راتبي من الوظيفة كاف.

ودارت الأيام، ولم أكن أعلم أنني سأفقد محبوبتي، وأكتسب أفضل أم لأبنائي ولاحظت بداية التغيير، واعتبرت ذلك طبيعيًا لفرحتها بالأمومة، وكانت أعباء العمل ومسؤولياته تزداد واحتياجاتنا المادية تتطلب المزيد فانشغلت أنا الآخر، وكنت أظل إلى ما بعد منتصف الليل في العمل لنبني بيتنا، وفجأة وبعد مرور أكثر من ١٥ عامًا استيقظت على فاجعة من أنا ومن هذه الست الحاجة أم محمود!!

وزنها تضاعف! وفترت عاطفتها! أصبحت بالنسبة لها أبو عيالها الملبي لطلباتها المادية حقًا إن لدينا أربعة أبناء محل تقدير وأفخر بهم، ولكن الثمن كان غاليًا، لقد ضاعت محبوبتي وضيعتني معها.. أنا في داخلي رجل يصرخ أريد أن أعيش فأنا ما زلت في منتصف الأربعينيات، لماذا أدفن مع هذه الأم الفاضلة؟ أريد زوجتي.

إن استمرار حياتي معها سيقضي على القدر الباقي من شبابي، أليس من حقي أن أعيش حياتي؟! أنا والحمد لله وفي وسأعطيها كل ما يكفيها وأولادها وأكثر، فهذا هو كل ما يهمها مني.

ودعني أهمس في أذنك! إنه في إحدى جولاتي كمدير مشروعات تعرفت عليها، مهندسة في بداية الثلاثينيات لم تتزوج بعد أشعر بارتياح عندما أزور المشروع الذي تعمل به أرجوك أرجوك لا تتسرع وتقول: إنها السبب فيما تشعر به، قد يكون أنا الذي أبحث عن شيء ما، ثم شاء الله أن أجده لعلي أكون قد خلطت الأوراق.. بانتظار ردك وأدعو الله أن يوفقك وييسر الخير على يديك.

التحليل

الباحث عن شبابه

عندما كنت أقلب أوراقي وأعيد قراءة رسائل القراء الأعزاء وأعيش شخصيات كل محاور المشكلة زارني مجموعة من الأصدقاء المقربين والطريف أن أحدهم قال عندما اطلع على هذه الرسالة: إنني أعاني من عدم تجدد حياتي، فرد عليه الآخر ضاحكا: كلنا ذلك الرجل، إلا أنني تألمت كثيرًا أن تعبر هذه الرسالة عن حالة ليست فريدة... ودعونا نعود إلى المشكلة.

إن الغذاء العاطفي ضروري وأساسي لنمونا الوجداني ولا يقل أهمية عن غذاء الروح وغذاء الجسد وغذاء العقل حيث تشير كل الدراسات والأبحاث التطبيقية وعلم النفس الاجتماعي إلى أن أي اضطراب في المنظومة الوجدانية لأنفسنا يؤثر سلبًا على كل محاور حياتنا، وإذا ما غفل الزوجان عن التغذية العاطفية لزواجهما فقد ينمو، ولكن كما تنمو الثمار في الصوبات الزجاجية بالهرمونات، قد يبدو شكلها منتظما وكبيرا، ولكنها للأسف بدون نكهة، ثم لا نفيق إلا وقد ولت سنوات نبكيها، وواقع نحاول الهرب منه ومستقبل غامض.

وتقع مسؤولية الغذاء العاطفي على كلا الزوجين، ولا يمكن أن يلقي أحدهما بالتبعية على الآخر، ورغم أن عطاءاتنا واحتياجاتنا العاطفية قد لا تكون متوافقة مع زوجاتنا الاعتبارات كثيرة منها التنشئة وطبيعة الاختلافات البشرية وتجاربنا وتوقعاتنا عن إمكانيات واحتياجات أزواجنا وغيرها الكثير كما تشير لذلك نتائج أبحاث أثر عوامل الإشباع العاطفي على التوازن النفسي، إلا أنه يجب أن يتوافق الزوجان في تبادلهما العاطفي، وهذا ليس معناه تساويهما سواء في الكم أو الكيف ولكن الأهم أن يحرص كل طرف على إشباع ذاته بالعطاء العاطفي لأننا نحتاج إلى الشعور بالقدرة على العطاء العاطفي لأزواجنا، فإننا نحتاج إلى عطاءات أزواجنا العاطفية وإشعارهم أنهم قادرون على تلبية احتياجاتنا العاطفية، ولابد لكل من الزوجين أن يكون لديه من الأحاسيس التي يستشعر بها حاجة زوجه دون طلبه وعليه أيضًا أن يبث إليه حاجاته حتى دون جرح مشاعره بإحساسه بالقصور أو عدم القدرة على العطاء حتى يزيد أو يطور من عطاءاته العاطفية.

إن من الأخطاء الفادحة، بل والمدمرة - وإن استمر عقد الزواج لدى الجهات الرسمية قائمًا، أو حتى لو كان الأزواج لديهم من ضبط إيقاع حركتهم كزوجين أمام الأهل - أن يغفل أو يتغافل أحد الزوجين عن الإشباع العاطفي لشجرة زواجهما، وإلا فسرعان ما تجف ثم تتحجر إن استمرت قائمة.

ولنا في رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فرغم أعباء الرسالة وبناء أمة التوحيد، وترسيخ معالم المجتمع الإيماني وجهاد الشرك، إلا أنه ورد في سيرته صلى الله عليه وسلم كيف كان زوجًا يحسن التعامل مع زوجاته.

فكما ورد عنه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري، قوله صلى الله عليه وسلم عن خديجة رضي الله عنها: إني رزقت حبها (رواه مسلم)، في حين يرى بعض الأزواج أن مجرد التعبير عن الحب نوع من الضعف ومنقص للرجولة!! كما كان من هديه صلى الله عليه وسلم تجاهل المنقصة والتركيز على الإيجابية حيث قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها بآخر، (رواه مسلم).

أما حديث مسابقته لعائشة فهو درس للتواصل والمعايشة الزوجية.

وبعد السيرة العطرة - عسى الله أن يوفقنا إلى الاقتداء بها - نرى أن المشكلة لم تبدأ الآن، ولكن ما يعنيه الباحث عن شبابه هو أعراض لمشكلة هو المسؤول بالقدر الأكبر عنها، بصفته نال تكليف القوامة على الأسرة، فلم تتحول الزوجة الجميلة الرشيقة المتفاعلة إلى أم الأولاد وتفقد سمات الزوجية كما يصفها صاحبنا وغيره فجأة، فقد كان مشغولا ببناء مستقبل الأسرة، وأعتقد خطأ أن نبع الحب بينهما سيظل يروي شجرة زواجهما وتظل مورقة مزدهرة دون حرص وبذل منهما، واضطربت أولوياته فأصبح في سبيل تحقيق أحلامه المادية يقضي كل وقته وجل جهده في العمل فلم يبق شيء حتى يغذي وجدانه وزوجته بما يحافظ على رونق حياتهما، فلم يلحظ التغيير البطيء الذي بدأ يتسرب لهما، وغفل أو تغافل عن فيروس الفتور العاطفي، الذي خيم عليهما الآن أو لاعتقاده - كقول بعض البسطاء: لقد تزوجنا بعد قصة حب ثم لتربي أولادنا ونصنع مستقبلهم، فتتحول الأسرة إلى مصنع لإنتاج وتربية الأولاد، وكأن الحب مرحلة تمهيدية للزواج، ثم تكفي الإشباعات - إن تمت حيث لا يمكن أن تشبع دون حب، وإنما تكون مجرد قضاء حاجة - لاستمرار الزواج والحرص على تربية الأولاد كدافع للاستمرار.

وعلى الجانب الآخر يقارن الباحث عن شبابه الصورة الحالية لزوجته بما كانت عليه في بداية زواجها قبل الحمل والولادة وما فعلته السنون بها وعدم معايشته الوجدانية لها، وهذا في رأيي هو العامل الأكثر سلبية فيما وصلت إليه حالتها، فمن غير الطبيعي أن تعيش الزوجة في أمان نفسي وإشباع عاطفي وحسن معاملة من زوج هو أيضا يعتني بنفسه بدءًا من كلمات رقيقة تخرج من فم ذي رائحة زكية حتى التغافل عن الأخطاء ثم بعد ذلك تهمل نفسها وتنسى دورها كزوجة وتعيش دور الأم فقط، لذا أرى أن الباحث عن شبابه هو المسؤول عنه هو الذي أضاعه وضيع معه شباب لأنه زوجته.

الأثر

واضح في أنه محاولة لاستعادة عجلة الزمن يكون هذا النوع من الأزواج عادة مستعدًا للتأثر بأي نسمة تهز مشاعره وتوقظ عواطفه، وفي كل الأحوال يكون الأولاد الذين هم. كما يدعي - السبب في التضحية بسنوات العمر المتأثرين سلبا نتيجة ضياع البيت الذي تسوده المودة والرحمة بين أبويهما، وإن استمر شكلًا، أو كما يحدث عادة يُنسف بالزواج الثاني.

ولا أعارض الزواج الثاني على الإطلاق، ولكني لا أوصي به هروبا من مشكلات الزواج الحالي دون البذل المناسب لإصلاحه؛ لأن الزواج الثاني لن يخلو أيضًا من مشكلات، فهل يتم الهروب منها إلى زواج ثالث؟

أما إن أخلص الزوج النية وبذل الجهد الجهيد للإصلاح ولم يتمكن فلا حرج أن يتزوج زواجا ثانيا.

الحل

إجابة سؤالك: أليس من حقي أن أعيش؟ بلى من حقك ولكن لست وحدك فقط الذي من حقه أن يعيش، بل زوجتك أيضًا من حقها عليك أن تحيا معًا كل لحظة بكل حب وأمل للغد، بل واجبك أن تعيش ولكن قد تختلف الكيفية.. ولعلي أوضحت في التحليل أنك مسؤول بالقدر الأعظم عما وصلتما إليه أنت وزوجتك، وحتى لا أدعك تجتر الماضي للتعرف على الأسباب دعنا نرسم معا برنامج إعادة الحياة إلى شجرة زواجكما، بدافع مهم جدًا هو رغبتك في أن تعيش، ولعلك تلاحظ أنني قلت: معًا، لأنني سأسرد إطارًا عامًا. ولكل إنسان بصمته النفسية، ولكل زوجين خصوصياتهما، فالسعادة الزوجية ليست معادلة كيميائية ولكنها محصلة تفاعل بين زوجين لصياغة وشائج سعادتهما، فعليك أن تبدع وتتفنن في تطبيق البرنامج لتصوغ سعادتك وزوجتك:

۱- الإخلاص والدعاء واتخاذ قرارك المصيري بإنجاح زواجك.

۲- العناية بذاتك، وكأنك سوف تتقدم لزوجة جديدة، ولا حرج، بل يجب أن تتعلم كيف يعبر المحب عن حبه، وأن تتعلم ما الجديد في العلاقة الخاصة، فهناك عشرات المواقع العلمية، وحتى بعض المواقع الإسلامية التي تتناول المعاشرة الزوجية دون خدش حياء القارئ، بما يساعد على تحقيق المودة والرحمة بين الزوجين، وقم بإجراء اختبارات صحية عامة، وابدأ برنامجًا صحيًا للحياة.

3- أحسن الظن بنفسك وبزوجتك بصياغة صورة ذهنية إيجابية عن نفسك وزوجتك كزوجين قادرين على النجاح.

٤ - تفنن في عمل علاقات متعددة زوجتك، بدءًا من الأخوة في الله بأن

يكون لكما وردكما اليومي معا، التريض على الأقل مرة أسبوعيا، على أمل أن تنتظم ٣ مرات وتكون فرصة لبناء جسر من الصداقة والمصارحة بذكاء وجداني احرص على أن يكون هناك حديث عاطفي يوميا ولو لدقائق، تنسيان فيه أعباء البيت والحياة، وأسبوعيا أعد لنزهة ولو ساعة. و شهريا ولو يوما، وسنويا إجازة بمفردكما ولو ٣ أيام.

رائع جدًا أن نهرب من أعباء العمل بحديث عاطفي ولو لدقيقة واحدة، أهد زوجتك هدايا تذكرها بالأيام الأولى لزواجكما عطرًا ملابس نوم حاول بحذر أن تستثير غيرتها برابطة عنق لم

تتعود على لونها أو عطر جذاب، متهربا من إجابة سؤالها إلى أين؟! فاجئها بعلاقة حميمة بعد ذهابك إلى العمل اطلب إجازة وكلمها بالتليفون لتخبرها بشوقك إليها - أو تصنع - وادعها إلى نزهة وغداء، وكرر ذلك بعد شهر ولكن لتقضيا وقتًا طيبًا في غرفة النوم.

أخي الكريم ثق في توفيق الله لك، وأنك مأجور لبعث المودة والرحمة بينك وبين زوجتك، ولكن احذر أن يومئ لك الشيطان أن البرنامج مكلف نفسيًا وماديا.

أود أن أوضح أن البعض ينظر بتعجب الزوجين في العقد الثامن أو التاسع من عمرهما، ويتمتعان بل ويشعان مودة ورحمة في المكان الذي يحلان به، إن المودة والرحمة توفيق من الله لزوجين اجتهدا في تطبيق برنامج حياتي كامل وتعبدا لله بالإحسان لبعضهما، فمن الله عليهما بالمودة والرحمة بينهما، وإن شاء الله نتناول نموذجا لهذا البرنامج في حلقات قادمة مع أطيب دعواتي لك بالتوفيق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل