العنوان حضارة أم جاهلية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1970
مشاهدات 118
نشر في العدد 31
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 13-أكتوبر-1970
هل العلم جنس وسرير؟
بلغ سيل الحضارة المادية زباه، وعلت صخبات أمواجه وارتفع هدیره وطفح الكيل، وامتلأت أرض الله بمفاسد البشر.. بعد أن سوّلت لهم أنفسهم أمورًا جمة.. طبقها عقلهم تطبيقًا بليدًا.. فراحوا يفرغون سموم حقدهم على كل من عرف له طريقًا مستقيمًا.. وهم في قرارة أنفسهم يعرفون أن هذا هو الحق، ولكنهم -لفرط عنادهم- يتنكرون له.. ويقفون منه موقفًا عدائيًّا.
وإن ما وصل إليه العالم من سفاهة في التفكير، وفداحة في التدبير، لينذر بسوء عقبى.. ويرمي إلى هاوية.. وما الموقف الآن إلا نذير.. يلوح بأن في الأفق شارات تضيء.
وعلامات تبرق بأن هذا السخف قد آن أوان زواله.. وقربت نهايته.. وتلاحقت أنفاسه معلنة احتضاره.
وإن الحضارة المادية التي عمرت الأرض على حسب رأي مريديها.. قد بلغت شأوها المنشود وارتقت سلمًا طالما نظرت أقاصيه فإذا بها تبلغه بعد جهد وعمل دائبين. وإنها وإن كانت كما يتصور واضعوها بأنها وصلت.. إلا أنها وصلت نقطة فنائها.
هذا مفهوم ينطلق من أفكار الجهال مجندي الفكرة السوداء الداعين إلى إقامة صرح الجهل فوق أساس باطل لا يلبث أن تنهد أركانه وتتقوض عروشها.. ثم يهوي إلى حضيض ودرك أسفل...
وإنه لمفهوم إن كان يتصور.. أو كان لذي لب أن يتعقّل فيه وينظر فسوف يجد أن ذلك العقل ما هو إلا صفحة سوداء زادتها الأيام تعاسة فأصبحت لا ترى.. فهي على غير هدى تسير وفي كل وادٍ تتخبط.. وقد زادها جهلها عمى.. فلا تجد في الطريق معالم موصلة.. ولا نورًا ربما يلقي بعض الضوء على وهدات الطريق الوعرة... هي جاهلية.. في كمها وكيفها... ولا جدال.
وهي ضلال وعمى في معناها ومغزاها ولا ريب.
وهي ضياع وهلاك وفساد في مسيرتها وفي تقدمها المزعوم ولا شك،
أية حضارة يزعم الغرب أنها هي.
جنس وسرير
أهي التفسخ والانحلال والعري.. أم على رأي أحد الشعراء المشبوهين كما يقول إنه يرى العالم «جنس وسرير».. بعد أن كان هذا الشاعر نفسه.. يدعو المرأة إلى أن تثور على شرق يراها «وليمة فوق السرير» أليست جاهلية المتناقضات في نفس الرجل.
إن ما يشهد في أوروبا وأمريكا ليعطي الصورة المثلى لأن يتلمس الإنسان مواضع قدمه قبل أن يخطو.. وأن يضع أمام بصره كشاف الطريق قبل أن ينظر إلى بعيد.
إن الإباحية التي انطلقت صرخة في الأرجاء.. تدعو إلى الإفلات من الواقع إنما تصور العجز في النفس على أن الحيوانية أقرب.. وأن الشهوة في النفس هي المسيطرة فليست أكثر من خنازير في هيئة آدميين.. هذه أجدى دعائم الحضارة المادية.
وظهور الأفكار الجاحدة.. وتزايد نعراتها.. والدعوة إلى طرح الدين جانبًا والوقوف جهارًا لإعلان «لا إله والحياة مادة» على الملأ.. دونما وعي.. وإنما مس أصاب عقل رجل بليد.. أوحي إلى البقية الجاهلة المقلدة كالقردة التي لا تحسن إلا التقليد.. أن تساير على جهل مشهود هذا القول فكأنها سلبت ما وهبها الله من عقل وفطنة وذكاء ومنطق فخرست فهي لا تحير جوابًا.. ولا تدري كلامًا.
والحضارة التي قيل عنها إنها منقذة العالم من ظلام كان يعيش فيه ثم جاءت لتخرج الناس من تلك الجاهلية إلى نور البصيرة.. فإذا بها هي التي تضيع ليضيع وراءها المنقذون.. ويترددون في حمأة الرذيلة ومهالك الأمور.. ومواطن الوباء.. التي سرعان ما انتشرت ووجدت لها السوق الرائجة.
هذه الحضارة التي رفعت علمها فوق سطح القمر. وهي بعد لم تحل مشكلة في نفس إنسان.. فمن جرائها.. يولد الطفل بلا أب.. ويحيا ويعيش وهو لا يعرف من أين أتى. الثقافة الجنسية التي تعلم القارئ الحكيم كيف يكون حيوانًا في علاقاته الجنسية.. هذه الحضارة لماذا نراها تتعثر وتتلكأ.. ذلك لأنها لم تضع في حكمها فطرة الإنسان فشطت به عن فطرته وأصبح كالبهيمة.. انحط أسفل من حيوانية الحيوان وفقد كل مقومات النفس الإنسانية المدركة.. أن فساد الأخلاق.. وانحطاط القيم هو الذي أودى بالأمم إلى الهلاك والدمار..
وإشاعة الفوضى على هذا النحو الملحوظ.. يجعلنا نقف موقف مَن يرثي البشرية لأنها تصنع الفناء وتعجل الأجل..
وثمة نظرة خاصة.. في أخريات هذا الموضوع.. بصفتنا ممن يعتز وينادي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا ورسولًا.. نقف ونشهد ونمحص وندقق.. ترى كل هذا هل انتهى في محيطه.. أم أنه يخطط لأبعد وأبعد.. وهذا التساؤل يسترعي اهتمامًا وإصغاءً وبحثًا للموضوع عن تفهم.. إن حقد الحضارة المادية على الإسلام واضح كالشمس في رابعة النهار.. هم يعلمون يقينًا أن هذا الدين هو الصخرة التي تتحطم عليها آمالهم وأمواج تمنياتهم.. ولذلك فما فتنوا يكيلون بكيلهم وما زالوا يناوشون الأمر أهله. جندت كل الطاقات وعلى جميع المستويات لأن يخدشوا هذا الحصن الحصين ولو خدشًا بسيطًا حتى يحددوا فيه الثغرات لعلهم بدخولهم إليه يزيدون ثلماته وبعد ذلك يعملون المعاول في أساسه من الداخل بعد أن تكسرت معاولهم في الخارج ولذلك فهم ماضون.. بلا كلل ولا ملل.. همهم الذي يستحوذ عليهم.. تفكيرهم وجهدهم.. عملهم الدائب.. يوم أن يوقفوا الإسلام في نفوس المسلمين ويشككوهم في دينهم فقد بلغوا غاية المراتب والأماني..
وبعملهم هذا حققوا ما استطاعوا بسبب كسلنا وتراخينا وإعطائنا لهم الفرص.. ونحن نعرف المكائد والخداع من جانبهم.. وهم يعلنون الكلام صراحًا ولم يتوانوا لحظة ولم يتأخروا ساعة عن نيل مرادهم.
فما أشيع فينا من فتنة وما انبث من مسايرة لطباعهم.. كما يغض المسلم بصره في الشارع وإلا وقع في الجريمة أشاعوها في الأخلاق، والأفكار، والنفوس، والقلوب.
إسلام أمريكي وآخر روسي
وجعلوا الإسلام على نمط أمريكي ومن شاء فهو روسي يتمشى مع عقلياتهم.. أنى شاءوا فصدق ضعيف العقل ومريض القلب.. فجارى حديثهم وهمس به للآخر.. ودليل تصديقنا لما أشاعوا.. نظرة إلى واقع مجتمعنا المسلم وما يزخر به من شباب ماجن وفتيات كاسيات عاريات.. لا يقمن للدين وزنًا وإنما الدنيا شغلهم وطلبهم.. وسعيهم.. زينة وتفاخر. وبعد: هذه الأمة تعيش أعظم محنة لها.. فدينها في خطر.. كيانها الذي يلفها يعصمها ويحميها.. یهوي وينحدر... وليس إلا الإسلام حاميًا ومنقذًا.. وليس غيره بنافع ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ... ﴾ (آل عمران: 85) لأنه دين الفطرة السليمة.. وواضع الحق.. وميزان العدل.. ونبراس الحياة القويمة.
هذه الأمة قد أحدق بها الفناء.. وسيوف الباطل تتناوش رؤوس الحق تريد أن تجعلها حصيدًا.. فهل من متدبر.. وهل من واعٍ؟ وهل من رجل رشيد قد أهمه أمر أمته ودینه فتيقن وتفهم.. أم أن الكرى لم يزل يغشي الأجفان يسهدها؟ إن الصرخات الغيورة التي انطلقت من ذي قبل قد ذهبت هباءً.. إن الوقت قد حان ودين الله يحمل البشرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. وإن الله لحافظ لهذه الأمة إن اتبعت منهجه - سبيل الحق والرشاد ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).
فأعطوا كلمة «لا إله إلا الله» حقها توف بحقكم.. وارفعوا راية الله أمة الإسلام فالله معكم.. عسى أن تكون هذه الكلمة عظة لنا وعبرة.. وهديًا وإرشادًا وسبيلًا إلى الحق المبين.
أحمد محمد عبد الله
ثانوية الشويخ