; حضارة التجدد والانبعاث | مجلة المجتمع

العنوان حضارة التجدد والانبعاث

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2010

مشاهدات 81

نشر في العدد 1900

نشر في الصفحة 66

السبت 01-مايو-2010

يتساءل البعض قائلًا: إنه لم يقم في تاريخ البشرية دليل مؤكد على أن حضارة ما سقطت وانهارت ثم عادت إلى الظهور مرة أخرى «ولو بصيغ ومعطيات مختلفة»، فما هو الدليل التاريخي العقلي -وليس الاعتقادي فحسب- على أن الحضارة الإسلامية قادرة على إحياء نفسها والانبعاث كرات أخرى؟

والجواب: إننا إذا اتفقنا على أن أية حضارة تتميز عن الأخريات بدوافعها وتصوراتها وأهدافها، وبالتالي بملامحها المستقلة «التي قد تلتقي مع الحضارات الأخرى في عدد من مفرداتها، ولكنها في نهاية الأمر تحمل نمطها المستقل»، إذا اتفقنا على ذلك، وهي مسألة يكاد يلتقي عليها معظم فلاسفة التاريخ ودارسي الحضارات، قلنا: إن حضارة الإسلام قديرة على الاستعادة للأسباب التالية وبإيجاز تام: 

أولًا: حضارة الإسلام هي انعكاس بالضرورة للتأسيسات المركزية لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبما أن هذه التأسيسات قدرت بإرادة الله وجهود الأجداد، على أن تحمي نفسها من التحريف بشتى صيغه، فإنها ستظل قديرة على تشكيل نسقها الحضاري المتميز القائم على قاعدتي الوحي والوجود معًا. 

ثانيًا: إن الفعل الحضاري في الإسلام هو فعل إيماني بالضرورة، بمعنى أنه يعكس ضرورات الإيمان ومطالبه في مستوياته العقدية والتشريعية والسلوكية، ومن ثم فإن الجماعة أو الأمة المسلمة، بمجرد أن تتهيأ لها الأسباب، ستجد نفسها ملزمة بنسج فعلها الحضاري المتميز الذي يستمد نسقه وتكوينه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فالمسألة -إذن- ليست خيارًا، ولكنها نتيجة محتومة تترتب على مطالب الإيمان. 

ثالثًا: إن وظيفة المسلم في العالم هي بالمنطوق القرآني وظيفة استخلافية عمرانية، أي وظيفة حضارية، ويصعب الفصل -على ذلك- بين نشاط المسلم في شتى مستوياته وبين السياق الحضاري العام الذي يعمل فيه. 

رابعًا: على المستوى التاريخي الصرف هناك شواهد وحالات واقعية عديدة ازدهرت فيها حضارة الإسلام، أو تجددت، في هذه البيئة أو تلك، وفي هذه المرحلة وكلنا يذكر ما حدث في أعقاب سقوط الخلافة العباسية ودمار قاعدتها في بغداد عام ٦٥٦هـ.

لقد كانت على درجة من الهول خيل للكثيرين معها أنه لن تقوم للإسلام أو الحضارته قائمة.. ولكن الذي حدث بعد ذلك أمران يثيران الدهشة، أولهما: أن الحضارة الإسلامية المنكسرة في بغداد، انسحبت إلى بيئات أخرى: الشام ومصر والمغرب، وازدادت تألقًا هناك حيث ظهر عمالقة الفكر والثقافة الإسلامية من مثل: ابن خلدون، وابن تيمية، وابن القيم، والسيوطي، وابن حجر والسخاوي.. وغيرهم كثيرون .. كما شهد العصر المملوكي في مصر والشام ازدهارًا عمرانيًا لا تزال آثاره باقية حتى اليوم.

وأما ثاني الظاهرتين: فهي تحوّل المغول الوثنيين أنفسهم، بأجنحتهم الثلاثة: الإيراني- العراقي، والهندي، والقفقاسي، إلى الإسلام وإرفاد حضارته بالمزيد من الطاقات الشابة المبدعة، فيما دفع ابن خلدون إلى صياغة تحفظه المعروف بخصوص أحد مبادئه التاريخية، وهو أن المغلوب مولع دائمًا بتقليد الغالب..

ودائمًا كانت الأمة الإسلامية، وهي تنكسر أو تنسحب في هذه الجبهة أو تلك، تجد انبعاثها وتجددها وديمومتها في جبهات جديدة.. وتلك هي إحدى الملامح الأساسية لتاريخ هذه الأمة. 

واليوم فإن الخطاب الإسلامي يزداد تألقًا في الساحة الغربية نفسها، ويكسب المئات والألوف من أبناء الشعوب الغربية، بما ينطوي عليه من توازن مدهش بين قيم الروح والمادة، ومن وعد مؤكد بتحرير الإنسان من سائر صيغ الطاغوتية والصنمية والقهر والاستلاب.◘

الرابط المختصر :