; حضارتنا.. حضارة مؤسسات | مجلة المجتمع

العنوان حضارتنا.. حضارة مؤسسات

الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي

تاريخ النشر السبت 09-يناير-2010

مشاهدات 59

نشر في العدد 1884

نشر في الصفحة 38

السبت 09-يناير-2010

  • منابع الحضارة الإسلامية ومكونات التزاماتها متفردة متميزة لامتلاكها مواصفات مستمدة من منهج رباني يمنحها القوة والفاعلية والرقابة الذاتية
  • الحضارة الإسلامية ذات قيم عليا ومكانة فارعة ومثل رائعة تبني الإنسان على الإيمان وتعمل على تحقيق أفضل صورة ممكنة لإنسانيته
  • الدساتير والبرلمانات مجرد لعب تتلاهي بها الشعوب فيغيرونها ويبدلونها حسب الأمزجة والأهواء مقارنة بالحضارة الإسلامية راسخة القواعد والبنيان
  • من المؤسسات الحضارية الإسلامية المبكرة المالية والوقف والقضاء.. كما أن أسس الدبلوماسية والسفارات الدائمة وضعها المسلمون قبل غيرهم

حضارتنا هي الحضارة الحقة حضارة المؤسسات الراسخة الجادة، مع ذلك يظن البعض - من دارسين وغيرهم ممن هم بحاجة إلى اطلاع أوسع ونظر أعمق وانصاف أكثر - أن الحضارة الإسلامية ليست حضارة مؤسسات، لكن الحقيقة والواقع عكس ذلك تمامًا، وإذا كان هذا الظن يصح ويصلح لغيرها جميعا، فهو لا يصح معها أبدًا بحال.

يتضح هذا الأمر جليًا من اطلاع عام على أي من جوانب هذه الحضارة الإسلامية ومنهجها، بل حتى لو كانت خالية من المؤسسات، فلا يمثل ذلك لها عيبًا، دون غيرها جميعًا، لأن ما ينطبق عليها لا ينطبق على غيرها، مما لا يتوافر لهذا الغير، حيث ان منابع هذه الحضارة الإسلامية وبنائها ومكونات التزاماتها متفردة متميزة مترقية تمتلك ما يغنيها عن ذلك الذي حرم منه غيرها، لامتلاك هذه الحضارة الإسلامية مواصفات مستمدة من منهجها الرباني الذي يمنحها من القوة والفاعلية والرقابة الذاتية ما يغنيها عنه وزيادة والأحداث التاريخية شاهد حي عليه يمنحها هذا ليستا لغيرها البتة:

إن قيام الإنسان بهذا المنهج الرباني - عقيدة وعبادة وشريعة - يجعله يحاسب نفسه ويلزمها الانسجام مع تعاليمه ذاتيًا. مراقبًا الله تعالى في كل أعماله، ظاهرًا وباطنًا، كي يكون عمله عند الله مقبولاً، حين يجري حسب شرعه حفاظًا عليه.

إن هذا المنهج رباني، أنزله الله سبحانه وتعالى لإسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة، يسعى لذلك جهده الله خلقه ويعلم ما ينفعه ويقومه ويُقيمه معمرًا الأرض ومخضرًا لها، أخذا بها إلى طريق الله المنير تلك مهمته التي يسعى جاهدًا لتحقيقها، باذلًا وسعه من أجلها، وطبيعة هذا المنهج الرباني إعلاء الخلق الإنساني. 

بإنشاء وبناء رقابة ذاتية، لا يمكن توفرها في غيره بحال، ولا يدعى ذلك لأنها أبدًا. ما جرى ويجري اليوم في العالم من حولنا أكبر الأدلة عليه، مما لا يحتاج إلى مزيد، بل هو يزيد، تجدها روضت الآخرين بقواها المتنوعة وتقنياتها البارعة وامتلاكها أزمة التوجيه، مما جعلها تمتلك مقود المسير والمصير بتمكن واعتداد.

امتلاكها خير المؤسسات

مع كل ذلك فإن الحضارة الإسلامية تبقى هي حضارة المؤسسات الحقة سبقت بها غيرها من كل نوع جاد وفاعل ومؤثر أفضل مما عداها، تلك التي تدعى لها المؤسسات الكثيرة المبثوثة في جوانب الحياة كافة، إلى حد الامتلاء، يسري ذلك في كافة الحضارات لتصير خادمة لأهدافها، بتناسب مضامينها وأشكالها، فقد أعطت بهذا أسوا سمعة لها، لعله هو السمت الحقيقي الذي تمتلكه أو تؤدي إليه، لخلوها تماما من تلك المواصفات المؤثرة التي امتلكتها الحضارة الإسلامية وميزتها وعاشت بها لقرون. 

صيغ هذا التمايز

الحق أن هذا التمايز والتفرد والاختلاف بينهما، أمر لا بد منه، نظرًا لاختلاف مباني ومعاني ومتابع كل منهما: إذن فمهما كان وادعي للحضارات الأخرى، من مؤسسات تقوم بها وترعاها وتعليها وتسمو بها، فإن أكثرها - إن لم يكن كلها - شكل بلا مضمون عرضة للمساومة والاحتيال والالتفاف عليه سهل في أجوائها، لا تصح المقارنة، ربما كانت مؤسساتهم لتمرير منافعها وتحقيق غاياتها ليست لخدمة مجتمعها وتثبيت قيم نبيلة لبناء حياة كريمة تموج بالمثل العليا، تغلب عليها وتحدد مسارها وتسوقها في إطارها منافعها على غرار واحد وإن اختلفت في الظاهر أشكالها المتنوعة، حتى لون تبدل إعلامها وأعلامها.

لقد غدا من الواضح تمامًا أنه من خلال هذه المؤسسات لديهم ترتكب أبشع الشنائع وأعتى الفظائع وأسوا الصنائع ثم يغيرون في مهماتها كما يحبون يغيرون مواد دساتيرهم. ليتخذوا غيرها بديلة، مثلما يحلو لهم ويشتهون بل إن هذه المؤسسات بأنواعها الأمنية والمالية والسياسية. كالبرلمانات والهيئات العالمية أو الأممية ليست في النهاية - كما تبدو أحيانًا إلا لعبًا خادعة بها تساس مصائر الأمم، مما يتم تحت قيبها، تدور كلها في ملك الكبار. 

نماذج فاضحة طريفة

من طرائف ما يذكر ويروى في ذلك ما يبين أهمية ومهمة ودور مثل هذه المؤسسات أنه حين قام المصريون بثورتهم المعروفة سنة ١٩١٩م - كانت إسلامية النشاء نزع شعارها والبست غيره مغايراً - كان تشرشل الإنجليزي، السياسي العتيد المعروف، وزيرا يومها في وزارة المحافظين القائمة الحاكمة. عندما عرفت أخبارها مما نشرته الصحف هناك، سأل تشرشل: ماذا يريد المصريون؟ قالوا له: يريدون دستورًا وبرلمانًا، فقال: أعطوهم لعبة يتلهون بها! 

التشريع الإسلامي الموثوق

سبحان الله العلي القدير الذي جعل الشرع والتشريع له، وأنزله وجعله منهجا أساسا يتبعه الإنسان ويجتهد في ذلك فهو كما قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (١٠١هـ): إنما نحن متبعون للشرع ولسنا مبتدعين.

الأسلوب والسمت المتوافر في الحضارات الأخرى مغاير تماما لسمت الحضارة الإسلامية ذات القيم العليا والمكانة الفارعة والمثل الرائعة التي تبني الإنسان على الإيمان وتعمل على تحقيق إنسانيته، كما تبني الحياة بكل جوانبها ونتاجاتها ومبتكراتها في الميادين كافة العلمية والتقنية المتقدمة، لتجعلها في خدمة الإنسان وما ينفعه، والخير لديها ملك مشاع لكل راغب. 

محضن النشأة المؤهل

نجد مؤسسات الحضارة الإسلامية تتمتع بأصالة النشأة كالدواوين مثلًا، ومعه جرى الانتفاع بما سبق من جهد البشرية فهي متفتحة متقدمة مترقية والحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها، كل مؤسساتها منبثقة عن هذا المنهج مغترفة من نبعه ومرتبطة به، وإن تعثرت مسيرتها أحيانا تسير دربها الطويل، الذي ما أكثر ما كان محفوفًا بأشد الأخطار من كل لون وصوب بالسهام المشرعة، دون خجل في أحايين كثيرة وبشتى الألوان، رغم ما كانت تسديه لبني الإنسان من نصح ورعاية وحماية حقة الأمر لا يقاس على ما شد من ذلك وعنه لكم أصيبت من ذلك، ورغم ذلك كانت دومًا تقوم من كبواتها لتقيم ما نأى من نبواتها ما دانت الفئة المؤمنة لمنهجها إذ يتولى مجتمعها زد ذلك إلى أحضانه وفي إيوانه ردًا جميلا، حيثما أمكنهم سعيًا وبذلا، طال وقته أم قصر، هذا السمت هو ما أبقاها بعون الله تعالى، وهو الذي يمكنها - إن شاء الله تعالى - من العودة لدفع عجلتها من جديد لترعى موكبها الخير وتدير دولاب الحياة الإنسانية الكريمة، حيث هناك تتحقق إنسانيته، كما لا يمكن له أن يراها في ظل أي مما عداها أبد الدهر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ (26)﴾ (إبراهيم: 24-26)، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن».

متانة الحضارة الإسلامية

يمكن القول باطمئنان كبير إنه لو لم تكن الحضارة الإسلامية بهذه المواصفات لما كانت أو قامت ولوقعت في أوائل الدرب وقعة لا قيام بعدها، كما لو أن جزءًا يسيرًا مما أصابها أصاب غيرها لانتهى أمره وغدا أثرًا بعد عين، لكنها ثبتت وتثبت بسبب بنائها المتين على منهج رب العالمين، به سرعان ما تعود عودًا حميدًا مباركًا.

يبدو واضحًا أن إقامة المؤسسات في الحياة الإسلامية وحضارتها كانت جد مبكرة رافقت نشأتها منذ أيامها الأولى. أعني بدايات الهجرة النبوية الشريفة (على صاحبها الصلاة والسلام)، أي بدايات السنة الهجرية الأولى حين كتب الرسول الكريم ﷺ الوثيقة أو الصحيفة المدنية، أول دستور مكتوب في العالم، لتنظيم العلاقات الاجتماعية والإدارية والإنسانية وتأسيس مرجعيتها، ثم نشأت الإدارات المتنوعة. يكشف ذلك كله كتاب مهم ورائع ونادر في موضوعه تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، لعلي بن محمد بن مسعود الخزاعي (۷۸۹هـ) الأندلسي الأصل العدوة المغربية ولادة ونشأة ودراية ثم قامت من بعد ذلك أيام الراشدين الإدارات المتنوعة ومنها الدواوين، واستمر نموها توسعًا وتجددًا واستيعابًا لكن الأمر بحاجة إلى دراسات مستقلة تعتني بهذه الجوانب الحضارية الإسلامية، المهملة عديدًا من موضوعاتها وميادينها وإبداعاتها.

ولقد شملت مؤسسات الحضارة الإسلامية جوانب الحياة الإنسانية كافة سلمًا وحربًا وبكل أبعادها، بذلك أيضًا وضعت هذه الحضارة أسسًا لما يعتبر إبداعًا جديدًا حتى اليوم، مثل ما أبدعت في كل الجوانب الحضارية والإنسانية المتقدمة، ويشمل ذلك العلوم البحتة والتقنيات العلمية واحدة من ثمارها وهداياها للحضارة الحديثة ومن ورائهم الآخرون.

من المؤسسات الحضارية الإسلامية المبكرة أشير إلى المالية والوقف والقضاء بل إن أسس الدبلوماسية والسفارات الدائمة وضعها المسلمون ابتداء، كان أحد القضاة الأندلسيين قد تولى بواكير هذا الإبداع القاضي الأندلسي:

منذر بن سعيد البلوطي (٣٥٥هـ)، قاضي الجماعة بقرطبة = (قاضي القضاة بالمشرق) الذي سبق أن تولى قضاء مدينة ماردة (شرق مدينة بطليوس على نهر وادي بانة، ثم تولى قضاء مدينة لاردة (بين برشلونة وسرقسطة شمالًا).

مؤسسة القضاء نموذجًا

موضوع القضاء في الحضارة الإسلامية يشمل غير باحات التحاكم بالسمت الكريم الفريد المتميز العادل بحق وإنصاف، نظام الحسبة وديوان المظالم وردها، وعلى أعلى المستويات

والشواهد جد كثيرة

كما نشأ في الحياة الإسلامية نظام العرفاء للمهن المتنوعة والاختصاصات العملية والعلمية تعريف المهندسين، وقد وردت إشارة بذلك وقال ابن حيان: الفيت بخط ابن دحون الفقيه، قال: مسلمة بن عبدالله العريف المهندس: بدأ عبد الرحمن الناصر لدين الله بنيان الزهراء أول سنة خمس وعشرين وثلاثمائة[2] لكن المشكلة الكبرى في ذلك تكمن في ضياع الأمهات التي أتلفها التوحش، وأبادها حرقًا أعداء الحضارة الفذة. الإنسانية الحقة، ثم ضعف أو قلة الدراسات الجادة أو غيابها، لعل هذا أحد الثمار المرة للسبب السابق توًا.

[1] الكتاب من تحقيق د.إحسان عباس ونشر دار الغرب الإسلامي ويقع في نحو تسعمائة صفحة أو يزيد.

[2] نفح الطيب المقري (٥٦٧/١) أزهار الرياض المقري (٢٦٩/٢).


من عظماء المسلمين

الحسن بن الهيثم

ولد أبو علي الحسن بن الحسن الهيثم في البصرة عام ٣٥٤ هـ - ٩٦٥م، ذلك العالم الذي كان له دور واسع في العلوم الطبيعية والبصريات وعلم الضوء والفلك والهندسة والرياضيات والفلسفة.

نشأ في وسط علمي مزدهر، فأقبل بكل دأب وصبر ومثابرة وإخلاص ينهل من هذه العلوم، ويوسع ثقافته مستخدما ذهنه اللماح وذكاءه ومنهجه الدقيق في التحصيل المنظم الواعي، لا القراءة العابرة السريعة وأغراه علم الطب الذي ازدهر في أيامه، ولمعت أسماء أعلامه، فاتجه إلى هذا العلم يتحرى نظرياته وأصوله، كما درس الفلسفة أيضًا.

كان كثير الترحال والسفر يتقلب في البلاد طالبا المعرفة، ساعيا وراء مرجع علمي سمع به، أو أستاذ نابغة يأخذ عنه العلم ويسترشد بحكمته.

ولكنه أدرك أن الاكتفاء بتصفح المؤلفات العلمية واكتساب المعارف بالنظر والسمع قد يؤدي إلى ضياع المعلومات ونسيانها وتبخرها من الذهن، فعمد إلى أسلوب العالم الجاد في الاستفادة من مكتسباته العلمية والمحافظة عليها، فجعلها على شكل مذكرات ينسقها ويرتبها ويبوبها في جذاذات صغيرة من الأوراق بحيث يسهل الرجوع إليها حين يزمع تأليف كتاب من كتبه العلمية القيمة ومن أشهر أعماله المناظر (أو علم الضوء)، صورة الكسوف اختلاف منظر القمر رؤية الكواكب التنبيه على ما في الرصد من الغلط تربيع الدائرة، أصول المساحة، أعمدة المثلثات، كيفيات الإظلال رسالة في الشفق، شرح أصول إقليدس في الهندسة والعدد الجامع في أصول الحساب تحليل المسائل الهندسية تحليل المسائل العددية.

درس ظواهر انكسار الضوء وانعكاسه بشكل مفصل، وهو تاريخيا أول من قام بتجارب الكاميرا (Camera)، وهو الاسم المشتق من الكلمة العربية قمرة، وتعني الغرفة المظلمة بشباك صغير.

توفي عام ١٠٣٩م، وقد وصل ما كتبه إلى ۲۳۷ مخطوطة ورسالة في مختلف فروع العلم والمعرفة.

الرابط المختصر :