; حضارتنا.. ليست حجارة فخارية | مجلة المجتمع

العنوان حضارتنا.. ليست حجارة فخارية

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1989

مشاهدات 66

نشر في العدد 898

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 03-يناير-1989

ترى لماذا يحرص الغرب ومقلدو الغرب من أبناء العرب والمسلمين على إبراز إبداع المسلمين في مجالات الفن والأدب والعلوم والخط العربي واعتباره الجانب الأساسي الذي أجاده المسلمون دون غيره؟ وإن هذا التراث وحسب هو تراث المسلمين وإن الإسلام ساهم في الإبداع المادي فتراثه لا يتجاوز خطوطًا منقوشة على جدار أو قطعة من آجر وفخار، ورسومات على الورق وكتب في الطب والفلك والرياضيات أو غيرها، وهذا كل ما في الأمر، فحضارة الإسلام من وجهة النظر هذه مثلها كمثل حضارة الصين والإغريق والرومان وغيرها من سائر الحضارات؟ إن وجهة النظر هذه تتجاهل أعظم منجزات الإسلام، وسبب نزول الوحي على الرسول المصطفى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم... ألا وهو تغيير الإنسان والمجتمعات والأمم ونقلها من الكفر إلى الإيمان ومن الجاهلية إلى الإسلام ومن الشرك إلى التوحيد، وأن هذا المفتاح الذي فتح به رسول الله بعلم الله وبإذنه قلوب العرب  هو الذي أحيى الأمة الجاهلية المصطرعة المتقاتلة في الجزيرة العربية ليفتح بها العالم بعد أن نقلها بالإسلام نقلته الجبارة من مجتمع بدوي متخلف متناحر إلى أمة عظيمة ذات رسالة وحضارة وأمجاد وفتوحات تعتبر أعجوبة في تاريخ الإنسانية على مدى وجودها.

إن الإسلام لم يأت في الأساس لينشئ قصيدة أو يؤلف كتبا في العلوم والأدب، وإن كان هذا من أهم ما دعا إليه الإسلام وأول ما عناه. بقوله «اقرأ،» وحارب الأمية لذلك حربًا لا هوادة فيها، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل شرط إطلاق سراح المشركين من أسرى غزوة بدر أن يعلم كل واحد منهم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.

ولكن أهم دعوة دعا إليها الإسلام هي دعوة التوحيد أي الإيمان بالله وحده تحت شعار «لا إله إلا الله»، وجعل الله عز وجل وكتابه القرآن الكريم دستورا للبشرية ومصدر اعتقادها وتشريعاتها جميعًا في كل مجال وفي كل ميدان: في الفكر والسلوك وفي العادات والتقاليد في النظام الاجتماعي والاقتصادي، وفي النشاط السياسي والعسكري، وفي كل نشاط أو حركة بشرية لأي إنسان ولكل إنسان وفي كل مكان وفي كل زمان. 

فهو الدستور الفصل والنهائي الذي أنزله الله واختاره وارتضاه للبشرية كآخر دين سماوي قبل قيام الساعة.. وهو خاتمة الديانات السماوية جميعا، والرسول النبي صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء الذين اختارهم الله عز وجل هداة للبشر على امتداد تاريخها منذ بزغ فجر الإنسان على الأرض من لدن آدم ونوح ومرورا بأبي الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين.

إن الإسلام جاء هاديا للإنسان ومنقذا له من عبودية الشرك والعبودية لغير الله سواء كانت لإنسان أو غير ذلك إلى العبودية المطلقة لله تعالى من خلال الإقرار الشفهي والعملي والممارسة الحياتية ومن خلال الشعائر والشرائح.

وتلك هي مهمة الإسلام، وهي أعظم منجزاته. ليست عظمة الحضارة الإسلامية في جرة فخارية، بقدر ما هي في التحول التاريخي الذي أحال اليد التي صنعت جرة الفخار من يد مشركة نجسة إلى يد طاهرة متوضئة ومن يد عاطلة إلى يد مبدعة. والذي جعل قومًا يئدون بناتهم ويشربون الخمر ويلعبون الميسر إلى قوم يهتفون بصيحة «الله أكبر» فیتصدع إیوان كسری ويتهاوى ملك قيصر أن عظمة الإسلام وإبداعه تتجلي في سير العظماء من الصحابة والتابعين والذين عاشوا وتربوا في ظلاله، وتلك النفوس التي أحياها بالإيمان وجعلها تنبض بخشية الله.. انظروا إلى الفاروق عمر بن الخطاب الذي وأد ابنته في جاهليته وهي بضعة من لحمه ودمه دون أن يرف له جفن، نراه في الإسلام يقول رضي الله عنه قولته المشهورة «لو أن بغلة عثرت بالعراق لخشيت أن يكون المسؤول عنها يوم القيامة عمر، لم لم يمهد لها الطريق». 

إن هذا الموقف لتلك النفس البشرية، والذي صنعه الإسلام والرجل هو الرجل، هذا التحول الفكري والنفسي الرهيب من قمة القسوة والجمود والانحطاط الجاهلي الى قمة الخشية والمسؤولية والإيمان الإسلامي، لهو من أعظم منجزات الإسلام ومن أكبر مآثره.. ومثل هذه الأمثلة كثيرة.

فإن هذا الموقف وحده وهذه القصة المكتوبة وحدها تتضاءل أمامها أعظم اللوحات المرسومة وأعظم الاختراعات التي توصل إليها المسلمون في سالف عصورهم.. فإن ما اخترعوه قد سبقهم فيه الآن أمم كثيرة وأضافوا إليه الكثير وأبدعوا حتى فاقوا أمة المسلمين في كثير منه. غير أن أمم الأرض جميعا سواء في تاريخها الحاضر أو ماضيها الغابر ليس في رجالها مثل عمر ولا من هو أعلى شأنا من عمر رضي الله عنه، فما بالك بجيل كامل من الرجال صنعه الإسلام، ما عمر بن الخطاب إلا فرد واحد منه!

تلك هي عظمة الإسلام وهذه هي روحه التي يتوجب إبرازها لئلا يتحول الإبداع الإسلامي في مجال صنع الرجال والحضارات إلى مجرد أثر جامد ميت في المعارض والمتاحف، أو يصبح الإسلام وهو الدين الحي المتجدد حبيس الورق والطين.

الرابط المختصر :