; حقائق جديدة حول أكذوبة الهولوكوست.. التعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة | مجلة المجتمع

العنوان حقائق جديدة حول أكذوبة الهولوكوست.. التعاون الوثيق بين النازيين والصهاينة

الكاتب عبد الوهاب المسيري

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997

مشاهدات 63

نشر في العدد 1245

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 08-أبريل-1997

  • شاركت رابطة الثقافة اليهودية بنشاط ملحوظ في الدعاية للنازية داخل وخارج ألمانيا.

  • أقام النازيون أهم متحف يهودي في العالم في تشيكوسلوفاكيا ولا يزال هذا المتحف قائمًا حتى اليوم.

  • كان إسحاق شامير على علاقة وثيقة بالنازية.. وتؤكد الوثائق التعاون بين النازيين والصهاينة.

لعل معاهدة الهعفراه هي أهم أشكال التعاون المؤسسي بين النازيين والصهاينة، ولكن يجب ألا نغفل أشكال التعاون المؤسسي الأخرى المتنوعة والمتعددة والتي سنورد بعض أشكالها وجوانبها في بقية هذا المقال.

  1. المجالس اليهودية

«المجالس اليهودية» ترجمة للعبارة الألمانية «يودين رات Judenrat» وهي مجالس كان يقيمها النازيون بين الجماعات اليهودية التي تقع تحت سلطتهم، وكان سلوك أعضاء المجالس يندرج تحت واحد من أربعة أنماط:

 أ– تعاون من نوع ما في المجالات الاقتصادية والمادية.

ب– استعداد للاستجابة للمطالب النازية حين يتعلق الأمر بمصادرة الممتلكات والأشياء المادية الأخرى، مع رفض كامل لتسليم اليهود.

 ج- قبول اضطراري لإبادة جزء من الجماعة اليهودية على أمل إنقاذ الجزء الآخر.

د. خضوع كامل للمطالب النازية نظير حماية مصالح القيادة اليهودية.

 ويبدو أن القيادات اليهودية القديمة كانت تسلك وفق النمطين الأولين، ولكن النمطين الثالث والرابع سادا في المراحل الأخيرة حينما ترأست المجالس اليهودية شخصيات يهودية جديدة لم تضطلع بدور القيادة من قبل.

وكان النازيون يحاولون، قدر المستطاع أن يضموا إلى هذه المجالس العناصر الصهيونية أو اليهودية القومية باعتبارها عناصر حديثة تشاركهم الرؤية في أن أوروبا ليست وطن اليهود، وأنه يجب إخلاؤها منهم، وأن كفاح اليهود «باعتبارهم شعبًا عضويًا (فولك)» يجب أن ينصرف إلى الهجرة لا إلى المقاومة والثورة، وقد نجحت هذه المجالس في إدارة أمور الجماعات وضمان سكوتها، وكان كثير من الصهاينة أعضاء في هذه المجالس بل ويقال إن النازيين كانوا يفضلون الصهاينة على غيرهم من اليهود بسبب اتفاق الفريقين في المنطلقات الفكرية بينهما.

وتُثِيُر المجالس اليهودية قضية التعاون مع النازيين، وقد عَرَّفَتْ الموسوعة اليهودية (جودايكا) التعاون بأنه: علاقة تعني قدرًا من المشاركة، وأنها اتفاق إرادي حر بين فريقين، ومن ثم خلصت الموسوعة إلى أنه لا يمكن اتهام المجالس اليهودية بالتعاون مع النازيين، لأنها كانت مجرد أداة سلبية خاضعة للضغط النازي تنفذ ما يطلب منها، كما أن المقاومة على أي حال لم تكن تجدي فتيلًا لأن المخطط النازي كان لا بد أن ينفذ مهما كان حجم المقاومة.

 ووجهة النظر التي تطرحها الموسوعة اليهودية مقبولة إلى حد كبير، وتتسم بشيء من التعاطف الإنساني المطلوب مع أفراد وجدوا أنفسهم تحت سكين الجلاد فسلكوا سلوكًا إجراميًا قد لا يوافقون عليه بالضرورة ولهذا فلا يمكن أن يعدوا مسؤولين عما ارتكبوه من جرائم، لكن التعاطف الإنساني يجب ألا يعرف أي حدود، ويجب ألا يميز بين اليهود والأغيار، ولذا ينبغي أن يطبق هذا المعيار على كل من تعاون مع النازيين، فهم أيضًا كانوا يعيشون في ظل الإرهاب النازي، وكثيرون منهم نفذوا تعليمات النازي خشية الإرهاب ومن ثم لم يكن هناك أي قدر من المشاركة والاختيار الحر وانطلاقًا من ذلك، فإن محاكمة مجرمي الحرب، خصوصًا من صغار الموظفين، تصبح مسألة غير قانونية وغير إنسانية، بل إن قبول مثل هذه الأطروحة يجعل من الممكن استبعاد جميع المتعاونين تقريبًا من قوائم الاتهام، بل وتبرئة ساحتهم. فالنظام النازي كان نظامًا حديثًا شموليًا حقق مستوى عاليًا من الكفاءة العميقة في الوصول إلى جميع الأفراد وفي محاصرتهم إعلاميًا، وكان يمتلك جهازًا أمنيًا تنفيذيًا قادرًا على الحركة السريعة، وعلى معاقبة كل المنحرفين، وكان المنحرفون من الألمان يعاقبون بقسوة بالغة، لأنهم أعضاء في الشعب الألماني العضوي «المختار» وانحرافهم أمر غير مفهوم وغير مبرر، ويتطلب إنزال عقوبات عليهم تفوق ما ينزل على البشر العاديين من عقوبات.

أما افتراض عدم جدوى المقاومة من البداية فهو افتراض خاطئ، إذ يمكن للمرء تخيل ملايين الضحايا من اليهود وغير اليهود وقد رفضوا أن يستقلوا القطارات التي تقلهم إلى معسكرات السخرة والإبادة تحت ظروف الحرب، فلعل مثل هذه المقاومة كانت ستوقف آلة الحرب الألمانية أو على الأقل ترهقها لدرجة تجعل القيادة تعدل عن تنفيذ مخططها الإبادي، وهنا تبرز مسؤولية مجالس اليهود، فهي التي قامت بتهدئة الضحايا بشتي الوسائل وبإقناعهم بالرضوخ حتى تم تنفيذ المخطط النازي أو معظمه ويذهب أيزياه ترانك في كتاب له صدر عام (۱۹۷۲م) إلى أن هناك من يرى أنه لو لم يتبع اليهود تعليمات المجالس اليهودية لتمكن ما يزيد على نصفهم من الهرب من الإبادة.

ويرى المفكر الديني اليهودي ريتشارد روبنشتاين أن تراث يهود العالم منذ أن تركوا فلسطين بعد تحطيم الهيكل، ولد فيهم قابلية للاستسلام والخنوع، وأن هذه القابلية هي التي جعلت بإمكان المجالس اليهودية أن تلعب هذا الدور، وأن تضع أعضاء الجماعات اليهودية في براثن النازي.

٢- رابطة الثقافة اليهودية

رابطة الثقافة اليهودية «بالألمانية: يوديشر كولتوربوند Juedischer Kulturbund» منظمة ألمانية يهودية تأسست في ألمانيا النازية عام ۱۹۳۳م، بمبادرة من النظام النازي وبعض المثقفين الألمان اليهود مثل كورت باومان وكورت سنجر ويوليوس باب وفرنر ليفي، وتصدر الجماعة عن الإيمان بفكرة الشعب العضوي والشعب العضوي المنبوذ؛ حيث ذهبوا إلى أن أعضاء الجماعة اليهودية هم أعضاء في شعب عضوي «فولك»، ومن ثم لا يحق لهم المشاركة أو المساهمة في الحياة الثقافية العامة في ألمانيا، وهو افتراض قبله الصهاينة وكثير من المثقفين اليهود في ألمانيا وخارجها قبولًا تامًا، وكان مفهوم الشعب العضوي هو القيمة الحاكمة والمسلمة النهائية في المنظومة النازية، ولذا بارك جوبلز وزير الدعاية النازي نفسه فكرة تأسيس الرابطة التي استمرت في نشاطها حتى عام ١٩٤١م، وكانت بمثابة المنبر الأساسي للكتاب والموسيقيين اليهود، وقد بلغ عدد أعضائها ١٧ ألفًا ثم زاد إلى ۱۹ الفًا بعد عدة شهور، وكان يعمل فيها عدد كبير من الموظفين و١٢٥ من الموسيقيين والممثلين والمغنين، وكانت تطبع بعض منشوراتها بالعبرية واليديشية «الوعاء الثقافي لتراث الشعب العضوي».

ونظرًا لنجاح الرابطة تم في عام ۱۹۳۸م تأسيس شبكة قومية من فروع الرابطة في كل أنحاء المانيا بلغ عددها ١٦٨ فرعًا، وبلغ عدد أعضائها ۱۸۰ ألفًا «أي أنها كانت تضم معظم يهود ألمانيا الراشدين»، بل وبلغ حجم العضوية في برلين وحدها ما بين ۱۲ ألفًا و۱۸ ألفًا، وبلغ عدد الفنانين اليهود التابعين للرابطة حوالي ألفين، وقامت الرابطة بتنظيم ما يقرب من ٨٤٥٧ برنامجًا تشمل محاضرات وحفلات ومسرحيات وعروضًا فنية، وحققت إيرادًا بلغ مليونًا وربع مليون مارك، كما كان لها جريدتها الخاصة، وقد شاركت الرابطة بنشاط ملحوظ في الدعاية النازية، سواء في الداخل أم في الخارج، ففي الداخل، قامت الرابطة بزيادة التماسك العضوي والوعي اليهودي بين أعضاء الجماعة اليهودية، الأمر الذي يعني زيادة عزلتهم وإعطاء مصداقية للرؤية النازية لليهود، أما بالنسبة للخارج، فكانت تعطي صورة مشرقة للحكم النازي في علاقته باليهود وفي سماحه لهم بالإفصاح عن هويتهم العضوية، ورغم أن أغلب البرامج الثقافية والعلمية المقدمة من قبل الرابطة كانت تخضع لرقابة البوليس السري «جستابو» وغرفة الفنون والثقافة ثم الرقابة قيادات الحزب النازي في برلين، إلا أن السلطات النازية حرصت على استمرار نشاط الرابطة حتى بعد أحداث عام ۱۹۳۸م، حينما تم الهجوم على الممتلكات اليهودية وإلقاء أعداد كبيرة من أعضاء الجماعة اليهودية في معسكرات الاعتقال، واستجابت لمطالب رؤساء الرابطة الخاصة بالسماح لهم باستخدام المسارح الألمانية لتقديم عروض الرابطة وتأسيس دور عرض سينمائي خاصة بها، كما عرضت تقديم دعم مالي لها، وقامت بتقديم الأرباح التي حققتها من خلال جريدتها ودور العرض السينمائي إلى المنظمات المختصة بتنظيم هجرة أعضاء الجماعة اليهودية إلى خارج ألمانيا، وقد نجح بعض قادة الرابطة في الهجرة، وتم حل الرابطة بشكل نهائي عام ١٩٤١م بأمر من الحكومة.

ولم تكن هذه الرابطة حادثة عرضية في تاريخ علاقة النازيين بالجماعة اليهودية، فقد أظهر النازيون دائمًا اهتمامًا غير عادي بالثقافة اليهودية باعتبارها تعبيرًا عن أن الشعب اليهودي شعب عضوي مستقل، ولذا أسست السلطات النازية أهم متحف يهودي في العالم آنذاك في تشيكوسلوفاكيا «ولا يزال هذا المتحف قائمًا»، وفي مستوطنة تيريس آینشتات، ازدهرت الثقافة اليهودية، وكانت الفرق الموسيقية تقدم عروضًا للزوار الأجانب وتصور الأفلام وتوزعها على العالم.

لم يكن سلوك النازيين «هذا» ينم عن أي تسامح أو اضطهاد، وإنما هو تعبير عن إيمان بأن القومية العضوية تشكل أرضية تفاهم مشتركة بينهم وبين الصهاينة، وهي أرضية لا توجد بينهم وبين أي فريق يهودي آخر.

٣- تيريس آينشتات

«تیریس آينشتات» Thereseinstadt مدينة في تشيكوسلوفاكيا «وتسمي «تيريزين» بالتشيكية» حَوَّلها النازيون إلى مستوطنة نموذجية بين عامي ١٩٤١م و١٩٤٥م، رحل إليها حوالي ١٥٠ ألف يهودي من يهود وسط أوروبا وغربها من المتميزين أو المسنين أو اليهود من أبناء الزيجات المختلطة وقد أيد زعماء الجماعة اليهودية في تشيكوسلوفاكيا الخطة، باعتبار أن هذا يعني بقاء يهود تشيكوسلوفاكيا في وطنهم، ويقال إن الهدف النازي من تأسيس هذه المستوطنة النموذجية كان إعلاميًا بحيث تقدم للإعلام العالمي باعتبارها مثالًا على حياة اليهود الجديدة تحت حماية الرايخ الثالث «وهو اسم أحد الأفلام التي صورت في المستوطنة».

وقد أدار المستوطنة مجلس من الكبراء يضم القادة اليهود ويترأسه أحد كبراء اليهود كانت تعينه السلطات الألمانية، وتمتعت المستوطنة بحريات كثيرة، حيث كان لها نظامها التعليمي ونظامها البريدي المستقل ومكتباتها وهويتها الثقافية، ومن النظام في المستوطنة وتوزيع العمل فيها وتوطين المستوطنين الجدد والعناية بالصحة وبالمسنين والأطفال والإشراف على النشاط الثقافي، كما كان يتبع المستوطنة نظام قضائي مستقل «أي أن تيريس أينشتات كانت تتمتع بالحكم الذاتي»، وقد سمحت السلطات النازية لسلطات الصليب الأحمر بزيارة المستوطنة وبالاجتماع بمجلس الكبراء. 

وقد رُحِّلَ حوالي ١٤٠ ألفًا و۹۳۷ يهوديًا إلى مستوطنة تيريس آينشتات من بينهم ٢٣ ألفًا و٥٢٩ ماتوا فيها، أي حوالي ٢٥ %، ورَحَلَ حوالي ٨٨ ألفًا و١٩٦ إلى معسكرات الاعتقال، وحينما تم تحرير المستوطنة كان يوجد فيها ١٧ ألفًا و٢٤٧ شخصًا.

وتثير هذه المستوطنة الكثير من القضايا:

أ- يلاحظ اشتراك المجالس اليهودية مع السلطات النازية في كل الأنشطة سواء الإعداد والتخطيط للمستوطنة أو إدارتها أو مقابلة مندوبي الصليب الأحمر الدولي، وهذا التعاون يثير واحدة من أهم القضايا الأساسية في ظاهرة الإبادة النازية لليهود، أي مدى اشتراك قيادات الجماعات اليهودية في عملية الإبادة.

ب– وتثير المستوطنة قضية ترشيد الإبادة، فلم يكن النازيون مجرد جزارين على الطريقة التقليدية، وإنما كانوا يلجؤون إلى التخطيط العلمي الدقيق وإلى التفرقة بين اليهود المتميزين واليهود العاديين.

ج- ويمكن التساؤل أيضًا عما إذا كان هدف النازيين هو توظيف اليهود أم إبادتهم.

د– ولا تختلف علاقة المستوطنة بالسلطات النازية عن علاقة أي دولة في العالم الثالث بالقوة الإمبريالية التي تحكمها، والحريات التي كان يتمتع بها سكان المستوطنة لا تزيد كثيرًا على تلك التي تعرضها الحكومة الصهيونية على سكان الضفة الغربية باسم الحكم الذاتي وهو ما يجعلنا نذهب إلى القول بأن التجربة النازية جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية.

هـ- ومن القضايا الأخرى التي تثيرها المستوطنة، عدد اليهود الذين تمت إبادتهم عن طريق أفران الغاز، فالموسوعة اليهودية تتحدث عن أن ربع سكان هذه المستوطنة المثالية التي تتمتع بظروف خاصة ماتوا بسبب ظروف الحرب، وأنه في أبريل ١٩٤٥م وصل إلى تیریس آینشتات ١٤ ألف سجين من معسكرات الاعتقال الأخرى، فاجتاحت الأوبئة سكان المستوطنة وهلك منهم ومن المرحلين الجدد الآلاف واستمرت الأوبئة في حصدهم حتى بعد سقوط النظام النازي، فإذا كانت الأوبئة قد حصدت حياة الألوف قبل وبعد انتهاء الحرب ألا يثير هذا قضية عدد اليهود الذين أبيدوا عن طريق أفران الغاز؟

٤- جيتو وارسو

أسس النازيون جيتوات كانت تأخذ شكل مناطق قومية تتمتع بقدر كبير من الاستقلال، فكان يتم إخلاء رقعة من إحدى المدن من غير اليهود ثم ينقل إليها عشرات الآلاف من اليهود، ومن أشهر هذه المناطق جيتو وارسو ولودز وريجا في بولندا ومستوطنة تيريس آينشتات «النموذجية» في بوهيميا في المجر.

ومن أهم الجيتوات جيتو وارسو الذي بلغ عدد القاطنين فيه عام ١٩٤١م حوالي نصف مليون يهودي يعيشون في رقعة صغيرة حولها حائط ارتفاعه ثمانية أقدام، وكان له اثنان وعشرون مدخلًا يقف على كل منها ثلاثة جنود، أحدهم ألماني والثاني بولندي مسيحي والثالث بولندي يهودي، وكان التعريف الذي تبناه الألمان للهوية اليهودية هو تعريف قوانين نورمبرج وهو أن اليهودي يهودي بالمولد وليس بالعقيدة «وهو التعريف الذي تبنته دولة إسرائيل فيما بعد».

ويجب النظر إلى تجربة الجيتو هذه في ضوء المخطط النازي ذي الطابع الصهيوني الواضح الذي ينطلق من تصور استقلال اليهود كشعب عضوي منبوذ له شخصيته القومية المستقلة، ولذا كان للجيتو مؤسساته المستقلة الخاصة به «عملة خاصة – وسائل نقل خاصة – خدمة بريدية – مؤسسات الرفاه الاجتماعي»، كما سمح لجيتو وارسو بأن يكون له نظامه التعليمي وبأن يفتح المكتبات لبيع الكتب واستعارتها، وبأن يصدر جريدته اليومية بل وكان له ميليشيا ومحاكم خاصة به، أي أن الجيتو كان بمثابة دولة صغيرة منعزلة ثقافيًا واقتصاديًا عما حولها، وهو بهذا استمرار لتقاليد القهال والإدارة الذاتية والشتتل التي يمجدها الصهاينة في كتاباتهم، وهو يشبه في كثير من الوجوه الدولة الصهيونية المشتولة في الشرق الأوسط.

وكان يدير الدويلة - الجيتو «سلطة يهودية» أو «مجلس كبراء» تعين السلطات النازية أعضاء، ولكن استقلالية الدويلة – الجيتو لم تكن كاملة، إذ كان الجيتو يقوم باستيراد كل المواد الخام والطعام والملابس التي يحتاجها من سلطة الاحتلال النازية على أن يسدد ثمن الواردات بالمنتجات الصناعية «الملابس والمصنوعات الجلدية» التي كان ينتجها الجيتو، كما كان على المجلس أن يقدم عددًا من العمال يوميًا يبيعون عملهم لتسديد واردات الجيتو، وكان العامل البولندي، يهوديًا كان أم غير يهودي يتقاضى ربع ما يتقاضاه العامل الألماني.

ولا ندري هل وضع النازيون مخططًا لإبادة يهود جيتو وارسو «بالمعنى الخاص للكلمة، أي بمعنى التصفية الجسدية » من خلال فرض وضع اقتصادي غير متكافئ عليهم بحيث يمكن استنزافهم لصالح النازيين، أم أن عملية الإبادة تمت كنتيجة حتمية، ليست بالضرورة متعمدة للبنية الاستغلالية التي فرضها النازيون فقيمة السلع التي كان ينتجها الجيتو والخدمات التي يقدمها كانت دائمًا دون حد الكفاف ولا تفي بالاحتياجات المادية الأساسية للعاملين اليهود الأساسيين، الأمر الذي كان يعني سوء التغذية داخل الجيتو وتناقص عدد سكانه مع ضمان تدفق فائض القيمة بشكل مستمر إلى النازيين، وقد أدى عدم تكافؤ العلاقة بين الدولة النازية والدويلة - الجيتو اليهودية إلى أن السكان زادوا فقرًا وزادت حاجتهم إلى المواد الغذائية، فكانوا يموتون جوعًا ويهلكون بالتدريج وببطء، دون أفران غاز.

وقد قام أحد الباحثين بدراسة إحصائية دقيقة لهذه الإبادة التدريجية البطيئة عن طريق التجويع مستخدمًا جيتو وارسو أساسًا لدراسة الحالة، فأشار إلى أن الفترة من ۱۹۳۹م إلى ١٩٤٢م، أي خلال ستة وثلاثين شهرًا، شهدت زيادة عدد الوفيات بشكل ملحوظ، فحسب معدل الوفيات بين أعضاء الجماعة اليهودية قبل الحرب كان من المفروض أن يكون عدد الوفيات ١٢ ألفًا و٦٠٠ في العام، ولكن الجوع والمرض «وكذا غارات الحلفاء وأحكام الإعدام» أدت معًا إلى موت 88,568 في العام، وهو عدد يشكل ١٩٪ من مجموع سكان جيتو وارسو البالغ عددهم خمسمائة ألف، الأمر الذي يعني أنه كان من الممكن اختفاء كل سكان الجيتو خلال ثمانية أعوام دون أفران غاز، ويمكن أن نضيف أن هذه العملية كانت ستتسارع في السنوات الأخيرة بسبب زيادة ضعف وهزال سكان الجيتو، ومن ثم فإن خمس أو ست سنوات كانت كافية في تصورنا لإتمام هذه العملية.

وكانت علاقة الدولة النازية بدويلة – جيتو وارسو علاقة كولونيالية لا تختلف كثيرًا عن علاقة إنجلترا بمستعمراتها أو علاقة الدولة الصهيونية بالسلطة الفلسطينية في غزة وأريحا «كما يتخيلها الصهاينة», وربما كان الفارق الأساسي هو درجة التحكم، إذ إن جيتو وارسو كان كيانًا صغيرًا متخلفًا، ومن ثم كان بالإمكان التحكم فيه بدرجة كاملة أو شبه كاملة، على عكس الضفة الغربية وغزة؛ حيث يوجد كيان حضاري مركب يعود إلى أعماق آلاف السنين ويتسم بتجذره، كما أن سكان المناطق المحتلة لم يتوقفوا قط عن المقاومة، وكل هذا يجعل التحكم في فلسطين المحتلة بعد عام ١٩٦٧م أمرًا صعبًا إن لم يكن مستحيلًا.

ويدل سلوك الإسرائيليين تجاه السلطة الفلسطينية في غزة وأريحا على أنهم استبطنوا هذا الجانب من تجربة يهود أوروبا مع النازية، فهم يحاولون أن تكون علاقتهم مع هذه السلطة تشبه في معظم الوجوه علاقة الحكم النازي بالسلطة اليهودية في جيتو وارسو أو مستعمرة تيريس آينشتات.

٥- جماعة ستيرن

جماعة صهيونية مراجعة حاولت التعاون مع النازيين باعتبار أن ثمة فارقًا عميقًا بين ما سمته الجماعة «مضطهدي الشعب اليهودي» وأعدائه فمضطهدو الشعب اليهودي أمثال هامان وهتلر موجودون في كل زمان «فالصهاينة يؤمنون بحتمية العداء لليهود واليهودية»، ولكن الأمر جد مختلف بالنسبة لأعداء اليهود، فهؤلاء هم الأجانب الذين يهيمنون على فلسطين ويمنعون اليهود من العودة إليها لينهوا حالة المنفى ويؤسسوا وطنهم القومي فيها، وبناء على هذه الأطروحة الصهيونية الراديكالية لم يجد أعضاء ستيرن أي غضاضة في التفاوض مع النظم الشمولية بهدف التعاون الوثيق معها، فعقدوا اتفاقًا مع حكومة موسوليني تعترف بمقتضاه الحكومة الفاشية بالدولة الصهيونية على أن يقوم أعضاء ستيرن بالتنسيق مع القوات الإيطالية حين تقوم بغزو فلسطين.

ولكن التعاون مع النازيين كان هو الهدف الحقيقي، ولتحقيق هذا الغرض أرسل أعضاء ستيرن مندوبًا إلى بيروت «التي كانت تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية للنازيين» للتفاوض مع قوات المحور، وقد قابل هذا المندوب في يناير ١٩٤١م، مواطنين ألمانيين أحدهما هو أوتو فون هنتج رئيس القسم الشرقي في وزارة الخارجية الألمانية، والذي كان يشعر بالإعجاب العميق للصهيونية.

وبعد الحرب اكتشفت وثيقة «في أرشيف السفارة الألمانية في أنقرة» أرسلتها جماعة ستيرن للحكومة الألمانية تتصل بإيجاد حل للمسالة اليهودية في أوروبا واشتراك أعضاء جماعة ستيرن إلى جانب القوات النازية في الحرب ضد قوات الحلفاء، وتنص الوثيقة على أن إجلاء الجماهير اليهودية من أوروبا هو شرط مسبق لحل المسألة اليهودية، وقد عبر كاتب الوثيقة عن وجود نقط تماثل بين النازية والصهيونية، «وصف ستيرن نفسها بأنها حركة تشبه الحركات الشمولية في أوروبا في أيديولوجيتها وبنيتها»، كما تذكر الوثيقة وجود مصالح مشتركة بين النازيين والصهيونية، وتعبر عن تقدير جماعة ستيرن للرايخ الثالث لتشجيعه النشاط الصهيوني داخل ألمانيا وللهجرة الصهيونية إلى فلسطين، وتؤكد الوثيقة ضرورة التعاون بين ألمانيا الجديدة والفولك العبري في المجال السياسي والعسكري.

ولم يتلق الجانب الصهيوني ردًا، ولذا أرسلت جماعة ستيرن مندوبًا آخر في ديسمبر من نفس العام إلى تركيا «بعد احتلال البريطانيين للبنان» ولكن قبض على هذا العميل.

وكان إسحق شامير، رئيس وزراء إسرائيل السابق، عضوًا في جماعة ستيرن، ويؤكد الباحث الإسرائيلي باروخ نادل أن شامير كان يعرف بخطة ستيرن للتعاون مع النازيين، وحينما عين وزيرًا للخارجية ثار الرأي العام العالمي بسبب تعيين إرهابي مثله «قام بتدبير عملية اغتيال اللورد موين في القاهرة عام ١٩٤٢م والكونت فولك برنادوت عام ١٩٤٨م»، ولكن أحدًا لم يتطرق إلى ماضيه النازي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل