; حقائق في وثائق: التنصير بين المسلمين تاريخه – آثاره – خططه | مجلة المجتمع

العنوان حقائق في وثائق: التنصير بين المسلمين تاريخه – آثاره – خططه

الكاتب محمد الظواهري

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1985

مشاهدات 53

نشر في العدد 727

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 30-يوليو-1985

منهج التلويث الفكري والتشكيك بالعقيدة الإسلامية

• الجهود التنصيرية حققت أمورًا خطيرة جدًا لازالت الأمة الاسلامية تعاني من نتائجها حتى هذا اليوم.

طوال فترة القرن التاسع عشر سيطر المنصرون بشكل شبه تام على كافة قنوات الأخبار التي تنشر في أنجلترا وأمريكا. وقد كان العديد منهم يعمل إضافة إلى واجباته التنصيرية مراسلًا صحفيًا لإحدى الجرائد أو المجلات الإنكليزية والأمريكية.

  • مجلات تنصيرية حاقدة

وربما كان اشهرهم المنصر الأمريكي GEORGE WASHBURN والذي كان يعمل مراسلًا لصحيفة NEW YORK TRIBUNE المشهورة الواسعة الإنتشار. ومن هذا الطريق تمكن من نشر الكثير من الأخبار المشوهة والمبالغ فيها والمسيئة للإسلام والمسلمين، كما أستطاع عن هذا الطريق التأثير على الرأي العام الأمريكي وتحديد السياسة الأمريكية في بعض المجالات. ومن خلال مراجعة شاملة لحوالي ٢٠ مجلة ودورية أمريكية صدرت في فترة القرن التاسع عشر -ومن بينها مجلات خاصة بالأطفال- تبين أنه لا يخلو عدد منها تقريبًا من مقال أو رواية أو مسرحية أو خبر يسيء إلى الإسلام من إنتاج المنصرين أو أعوانهم. ومن بين هذا الزخم الهائل عثر فقط على مقالة واحدة نشرت في مجلة أمريكية عام ١٨٧٥ هي THE GALAXY تحت عنوان «محمد محطم الأصنام» يدافع فيها الكاتب وبقوة عن الإسلام ويعرب عن إيمانه بما جاء في القرآن الكريم ويؤكد أن الذين يهاجمون الإسلام والقرآن إنما يفعلون ذلك عن جهل وعن غباء وحقد وكتب أمريكي آخر أثناء تلك الفترة وتحت أسم مستعار مشيرًا إلى الأكاذيب التي تنشر يقول:

«إن لدينا جميعًا نزعة لأن نصدق كل ما نقرأه، ولهذا فإنني كلما قرأت خبرًا أو كتابًا عن الشرق أدعو الرب أن يلهمني القابلية على عدم التصديق».

وفي خلال تلك الفترة أيضًا صدرت مئات الكتب مما كان يطلق عليه أدب الرحلات مملوءة بالأكاذيب والأفتراءات كتب قسم منها أناس لم تطأ أقدامهم المنطقة، إضافة إلى عدد كبير من المسرحيات والروايات. وفي عام ١٨٥٠ حازت مسرحية أمريكية بعنوان «محمد النبي العربي» لمؤلفها GEORGE MILES على جائزة أفضل مسرحية رغم أنها لم تكن تتمتع بأية ميزات تذكر توصلها للفوز سوى مادته عن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

• المنصرون يطالبون أمريكا بالتدخل

ولم يكتف هؤلاء المنصرون بهذا بل إنهم كتبوا يطالبون بالتدخل الأمريكي المباشر في شؤون الدولة العثمانية. ففي عام ۱۸۷۰ ألقى المنصر الأمريكي المشهور JESSUP كلمة في أمريكا تم نشرها وطبعها في حينه بين فيها مسؤولية العائلة الأمريكية-الإنجليزية في العمل على حماية النصارى في المنطقة ونشر النصرانية. وكان المنصرون يرسلون بإستمرار الرسائل إلى أعضاء الكونكرس الأمريكي يحرضون على التدخل العسكري، وربما كانت أشهر هذه الرسائل تلك التي أرسلها المنصرGYRUSHAMLIN مؤسس كلية روبرت في إسطانبول إلى عضو مجلس الشيوخ الأمريكي JPHN SHERMAN ونشرته إحدى المجلات في عام ١٨٩٦ يطالب فيه صراحة وعلانية بالتدخل لمصلحة الأمريكيين المتواجدين في المنطقة. وقد حدث فعلًا أن أرسلت إنجلترا وأمريكا خلال القرن سفنًا حربية لاستعراض العضلات عندما تعرض بعض المنصرين للضرب ليس من قبل السلطة أو المسلمين بل من قبل بعض أفراد الطوائف النصرانية الشرقية. ورغم أن المسلمين لم يكن لهم أي دور في هذه الحادثة إلا أن JESSUP  كتب في حينه يقول: «أن غوغاء المسلمين المتعصبين قد خبأوا رؤوسهم إلى حين من الزمن».

• حملات إعلامية هائجة

أستغل هؤلاء المنصرون كل حدث لتحقيق أهداف حملتهم الإعلامية في كل من أنجلترا وأمريكا. ومن هذه الأحداث الحرب التي شنتها أمریکا ضد الولايات الإسلامية في شمال أفريقيا في بداية القرن التاسع عشر بحجة أن سفنها التجارية كانت تتعرض إلى هجمات تشنها عليها سفن تنطلق من هذه الولايات. ومن الأهمية أن أذكر أن أول حرب سنتها أمريكا بعد أستقلالها كانت ضد ولاية مسلمة هي ولاية طرابلس حيث جهزت أسطولًا لهذه الحرب كان نواة الأسطول الأمريكي السادس الحالي، وخلال هذه الحرب شن المنصرون والمستشرقون وأعوانهم حملة عنيفة على الإسلام وعلى مسلمي شمال إفريقيا الذين كان يطلق عليهم «برابرة». وكانت المسارح الأمريكية في كل من فيلاديلفيا ونيويورك تعرض مسرحيات عن هذه الحرب على الأقل ۱۲ مسرحية أمريكية «كتبت ٨ عن هذه القضية» تصور معاناة الأسرى الأمريكيين في السجون الإسلامية نتيجة ما سموه «الوحشية الإسلامية» والتي أكدوا لقرائهم أنها تنبع من واقع الدين الإسلامي. ولكن أحدًا لم بشر إطلاقًا في حينه إلى المعاملة الوحشية الهمجية التي تعرض لها المسلمون الذين سقطوا أسرى بيد القوات الأمريكية وتم نقلهم إلى أمريكا. فقد حدثنا GEORGE ODELL في كتابه عن تاريخ المسرح في نيويورك والذي صدر عام ١٩٢٧ أن الأسرى المسلمين كانوا يجلبون إلى المسرح أثناء عرض مسرحية لها علاقة بالأحداث في شمال إفريقيا حيث يوضعون في أقفاص حديدية ويقوم الجمهور بالبصق عليهم وقذفهم بالنفايات قال ODELL في معرض تعليقه على ذلك ما يلي:

«إن وحشية وشناعة هذا العمل لم يكن يساويه ألا سوقية وفظاظة جمهور المتفرجين».

• مثال آخر لشحن البغضاء في نفوس النصاري

كما توضح حادثة أخرى هذا الإستغلال الواسع لكافة الوسائل والأحداث من قبل المنصرين للإساءة لكل ما هو إسلامي، فقد كان يعيش في فترة الأربعينات من القرن التاسع عشر وفي مدينة البندقية نحات أمريكي مغمور إسمه HIRAM POWERS لم يكن يتمتع بأي مقدرة فنية تذكر. وفي عام ١٨٤٥ صنع هذا النحات تمثالا لأمرأة عارية تمامًا تقيد السلاسل أرجلها وأيديها ويبدو عليها حزن شديد.. وأطلق عليه إسم «العبدة اليونانية». وقال إنه قد أستوحى الفكرة من قصة سمعها عن عذراء يونانية نصرانية أعتدى عليها الجنود الأتراك في إحدى القرى وأخذوها أسيرة. وهرع المنصرون وأعوانهم لإستغلال موضوع التمثال وخاصًة عندما عرض في لندن عام ١٨٤٦ وعندما أرسل في جولة موسعة إلى أمريكا في عامي  ١٨٤٧- ١٨٤٨، وكتبت المقالات والقصائد حوله، وغطت أخباره مساحات واسعة في الصحف والمجلات. وكتب أحد المراسلين يقول إن زوار التمثال كانوا يقفون أمامه بكل خشوع وخضوع وكأنهم أمام تمثال للمسيح. وكان هذا بالطبع نتيجة تأثير الحملة التنصيرية التي أعتبرت أن هذه المرأة هي قديسة نصرانية ذهبت ضحية الوحشية والبربرية الإسلامية. وقد كتب أحد القساوسة في حينه يؤكد أن هذا العري عري مقدس تستره الأخلاق والمبادئ النصرانية. وصاحب هذا بالطبع حملة أخرى مكثفة على الإسلام بقي أن تذكر أن كافة النقاد الفنيين أستغربوا هذا الإهتمام البالغ بالتمثال مؤكدين أنه ومن ناحية فنية -لا يستحق العرض-.

• إعتراف المنصرين بفشل منهجهم في التنصير

ورغم كل هذه التحركات والجهود التنصيرية الأمريكية والأوروبية في المنطقة فإن المنصرين يعترفون بأن التنصير المباشر ومحاولات تحويل المسلمين إلى النصرانية قد خاب. ويذكر المؤرخ النصراني STEPHEN NEILL أن أكثر الكلمات التي أثارت مشاعر الحزن في مؤتمر تامرام التنصيري الذي عقد عام ١٩٣٨ كانت كلمات الدكتور PAUL HARRISON التي أعلم فيها المؤتمر إن كافة جهود التنصير بين المسلمين والتي تمتد جذورها إلى القرن التاسع عشر قد نتج عنها خمسة منصرين فقط. وهذه المرارة والخيبة في تنصير المسلمين -إضافة إلى النقمة الحاقدة على الإسلام- تجدها تصبغ كلام وكتابات العديد من المنصرين وهم يحاولون تبرير فشلهم. ففي كتاب له بعنوان «مشكلة تنصير المحمديين» كتب المنصر JESSUP عام ۱۸۷۹ محاولًا أن يبرر هذا الفعل مدعيًا أن الإسلام دين يفتقر إلى الأخلاق والمثل والقيم العليا ولهذا فمن الصعب على المسلم أن يقبل دينًا أخلاقيًا كالنصرانية، وأعرب منصر آخر يدعى REID عن نفس مشاعر الخيبة والحقد فكتب يقول:

«إن ذلك الحاجز الذي يدعي عادة بالتعصب وهو ذلك الجدار الشاهق من الشك والأعتزاز بالذات ومن الكره قد بناه الإسلام حول أتباعه ليحميهم في داخله وليترك المنصر خارجه أنه جدار طالما أثبت مع الأسف أن تسلقه أو أختراقه مستحيل أن رجالًا من المنصرين قد عملوا سنين متوالية، وفي مدينة واحدة، ثم لم يستطيعوا أن يكتسبوا صديقًا أو صديقين من الصعب أن تحب مسلمًا لأن المسلم ليس محببًا إلى النفس، ولأنه هو عادة يشمئز من الذين يحاولون الإقتراب منه إذا نالوا ثقته».

• أتباعهم لمناهج بديلة لتلويث الأفكار:

ورغم أن هذا كان مصير الجهود التنصيرية في القرن التاسع عشر فيما يخص تحويل المسلمين الى النصرانية، إلا أن هذه الجهود حققت أمورًا خطيرة جدًا لازالت الأمة الإسلامية تعاني من نتائجها حتى هذا اليوم. فعندما فشل المنصرون في تحويل مباشر للمسلمين إلى النصرانية سعوا وبكل طاقتهم إلى إضعاف الدولة العثمانية بمشاركة أطراف أخرى مشبوهة -كما لا يخفى عليكم- لأنهم شعروا أن الخلافة وكذلك الوحدة الإسلامية تشكل أكبر عائق أمام تحقيق أهدافهم. وعملوا أيضًا من خلال التعليم والإعلام وعن طريق نشر الأفكار القومية والعلمانية على زعزعة إيمان المسلم بدينه وثقته بنفسه وبأمته وبالسلف الصالح، وتشويه وعيه الإسلامي، وبذلك أرادوا أن يجعلوه مسلوب الإرادة فاقدًا لكل المقومات الضرورية للمقاومة.

يتبع في العدد القادمالتن

الرابط المختصر :