العنوان حقائق في وثائق: التنصير بين المسلمين تاريخه- آثاره خططه
الكاتب أنس صديق الشيخ
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 725
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 16-يوليو-1985
الاستشراق صنيعة صليبية
للمنصرين في العالم الإسلامي
- عندما أدرك الصليبيون عقيدة المسلم هي سبب قوته شنوا حربًا ثقافية استهدفت تمزيق الإسلام كعقيدة.
- المستشرقون يشوهون الإسلام ويتهمون القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بوقاحة ليس لها مثيل.
لهذا الموضوع أهميته البالغة وارتباطه المباشر بكل ما تعرضت ولا زالت تتعرض إليه الأمة الإسلامية من تخريب وتمزيق ومؤامرات ألا وهو موضوع التنصير، والذي يطلق عليه في أحيان كثيرة التبشير وأركز هنا على استخدام كلمة التنصير والمنصرين بدلًا من التبشير والمبشرين لأني أشعر أن هذه الكلمة قد اختيرت بكل عناية ودقة وذكاء من قبل المنصرين الأوائل والذين أتقنوا اللغة العربية ودرسوا الخلفية الثقافية والاجتماعية كي توحي إلى سامعها بالبشارة السعيدة أو الخبر المفرح.
فالكلمة الأصلية في اللغة الإنجليزية وهي HISSION لا تعطي هذا المعنى إطلاقًا.
- مهمة البحث:
سوف نحاول إن شاء الله أن نلم بخلفية الحركة التنصيرية في العالم الإسلامي وبالدور التخريبي الذي لعبته هذه الحركة منذ القرن التاسع عشر. ثم نقف عند المؤتمر التنصيري الأخير والذي عقد في ولاية كولورادو الأمريكية عام ۱۹۷۸ والذي كان مخصصًا لموضوع العمل على تنصير المسلمين، ثم تتطرق إلى ظاهرة التركيز الشديد للحركة التنصيرية المعاصرة على منطقة الخليج كمنطلق للوصول إلى مكة المكرمة.
- خلفيات الحركة التنصيرية في العالم الإسلامي:
تعود جذور الحركة التنصيرية إلى بداية الحروب الصليبية، فمهما قيل عن الأسباب والمحفزات السياسية والاقتصادية والدينية لهذه الحملات فإن أحد أهم أهدافها لم يكن تحرير بيت المقدس من أيدي المسلمين كما ادعى القادة الصليبيون بل كان تنصير المسلمين والقضاء على الإسلام بصورة تامة والوصول إلى الكعبة المشرفة والمدينة المنورة وتدميرها. فقد ارتعب قادة أوروبا النصارى وخاصة رجال الكنيسة منهم وهزتهم الانتصارات الإسلامية المتلاحقة والانتشار المطرد للإسلام إلى درجة أفقدتهم صوابهم وتوازنهم فكانت الحملات الصليبية. ولكن هذه الهجمة الشرسة والتي ربما كانت تمثل في الحقيقة أول مواجهة فكرية وعسكرية بين الشرق المسلم وتمسكهم بمبادئ دينهم وبسنة نبيهم... ومنعوا بذلك الكنيسة الأوروبية من تحقيق أهدافها بالقضاء عسكريًا على الإسلام، وبعد هذه الهزيمة في حروب أعدت لها أوروبا كل ما في ترسانتها الحربية من عدة وعتاد وخبرة شبابها، وبعد أن توصلت إلى قناعة تامة أن الهزيمة العسكرية كانت أساسًا بسبب المبادئ والعقيدة قبل الرجال نقلت أوروبا النصرانية قيادة معركتها مع الدين الإسلامي من أيدي قادتها شبه الأميين إلى أيدي الطبقة المثقفة من رجالها... بقيادة رجال الكنيسة ومفكريها. فقد أدركت أوروبا النصرانية أن قوة وعزيمة وشجاعة المقاتل المسلم تكمن في إيمانه بدينه واستعداده للجهاد والشهادة في سبيل الله، وأن هذا الإيمان الراسخ هو أمضى سلاح طرحه المسلمون في معركتهم الدفاعية.
ومن هنا كان قرار أوروبا النصرانية بشن حرب ثقافية تخريبية تستهدف تمزيق الإسلام كعقيدة موحدة والنظر في إيمان والتزام أبنائه والتفرقة بينهم وإضعاف مؤسساتهم الدينية وتحطيمها.
- نشاط عملي قديم:
ومن هنا جاء سعي فرانسيس الاسيزي «۱۱۸۲– ۱۲۲۹» مؤسس رهبانية الفرانسيكان في أوائل القرن الثالث عشر للعمل على تنصير المسلمين الذي كان يطلق عليهم INFIDELS أي «کفار أو ملحدين».
وقد أسس هذا العنصر جمعيته عام ١٢١٠وهي جمعية رهبانية تنصيرية لها في الشرق أديرة ومعابد ومعاهد ويعتبر رهبانها أنفسهم «حراس الأراضي المقدسة»، وقد حطوا في القدس بين عامي ١٣٩٩– ١٢٤٢م وفي دمياط عام ١٢٤٩ وفي القاهرة عام ۱۳۲۰ وفي بيروت عام ١٤٤٠ وفي حلب عام ١٥٧١ وفي طرابلس بلبنان عام ۱۹۸۲ وفي الناصرة وصيدا عام ١٦٣٢. ومن هذا المنطلق أيضًا قام القس المنصر RAYMOND lull «1235– 1315» في النصف الثاني من القرن الثالث عشر بالعمل على تدريس اللغة العربية في المعاهد النصرانية للتعليم العالي وفي عام ۱۳۱۲ أصدر المجمع الكنسي الذي عقد في فينا توصية بتدريس اللغة العربية، إضافة إلى لغات أخرى، في جامعات باريس وبولونيا وأوكسفورد، وكذلك إلى أعوان ومساعدي البابا ويذكر الكاتب RASHDALL في كتاب له عن تاريخ الجامعات الأوروبية في القرون الوسطى أن بواعث هذه التوصية لم تكون علمية أكاديمية بل كانت تنصيرية خالصة.
قرآننا واحد من الأهداف الأساسية للمستشرقين .. ولكن
﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9)
- الاستشراق صنيعة التنصير
وهنا أيها الإخوة تكمن جذور الحركة الاستشراقية، فمنها ما ذكر من أسباب اقتصادية وتجارية واستعمارية توسعية وراء دعم وتطور حركة الاستشراق، وهي كلها صحيحة طبعًا إلا أن هذه الحركة كانت بالتأكيد صنيعة الحركة التنصيرية. وعندما بدأت أوروبا النصرانية بالتقدم تحت توجيه ودعم الحركة التنصيرية. بل وبمشاركتها المباشرة، ولا بد أن نذكر هنا أن هذا التطور الذي حققته أوروبا يجد جذوره في الحضارة الإسلامية التي نقل وترجم عنها الأوروبيون وأفادوا منها إلى درجة كبيرة في عملية التطور الثقافي والعلمي والصناعي، ولو استعرضنا أسماء المستشرقين ابتداء من أوائل القرن السابع عشر وحتى اليوم لوجدنا أن معظمهم من القساوسة أو من أناس مرتبطين بالكنيسة بطريقة أو أخرى، وعلى سبيل المثال فقط لا الحصر كان المستشرق MCBRIDE من جامعة أوكسفورد والمستشرق LEE من جامعة كامبرج يعملان في جمعية التنصير الكنسية، وأكمل LEE دراسته على نفقة هذه الجمعية، فقد كانت الدراسات الشرقية، ولا زالت وسيلة مهمة للحصول على مختلف أنواع المعلومات من العالم الإسلامي واستغلالها في عملية تنصير المسلمين.
وثيقة:
وتعتبر كلمات الرسالة التي وجهتها إدارة جامعة كامبرج في أيار عام ١٦٣٦ إلى الأستاذالذي احتل أول مقعد للدراسات العربية فيها عن ذلك بكل وضوح ... تقول الرسالة:
«إن مهمة هذه الدراسات حسب تصورنا ليست فقط تطوير الأعمال الأدبية عن طريق إغنائها بثروات اللغة العربية، بل لتقديم خدمة جيدة للملك وللدولة عن طريق ما تقدمه إلى تجارتنا مع الشرق وكذلك لتوسيع حدود كنيسة الرب عن طريق نشر النصرانية بين أولئك الذين لا زالوا يعيشون في الظلام».
- استهداف القرآن الكريم:
ومما يؤكد هذه العلاقة الوثيقة بين الحركة التنصيرية والاستشراق أن الأستاذ الذي شغل أول مقعد للدراسات العربية في جامعة كامبرج كان قد بدأ بإعداد كتاب قال إنه يريد أن يدحض فيه القرآن الكريم.
وأكد واحد من الذين احتلوا هذا المقعد من بعده أن القرآن يجب أن يقرأ كي يفند و يدحض وهكذا. كما يؤكد لنا أولئك الذين درسوا الموضوع بعمق، كان المنصر يصلي والمستشرق.
يتأمل!! وكلاهما يعملان معًا بكل جد من أجل هدف واحد.
- وأمريكا أيضًا:
وفي الجانب الآخر من الأطلسي، أي في الولايات المتحدة، كانت هناك اتجاهات مماثلة- ولكن بدرجة أقل- تتطور وتتبلور خلال القرنين السابع والثامن عشر. ورغم أن معرفة أمريكا في تلك الفترة بالإسلام وبالشرق كانت أقل مما كانت عليه في أوروبا، إلا أن نفس مشاعر الحقد والكراهية كانت موجودة أيضًا.
وفي وقت مبكر من القرن السابع عشر كتب أحد المقربين إلى الكنيسة واسمه INCREASE MATHER أن المسلمين لا يملكون إلا القرآن المليء بالأكاذيب. وفي عام ١٧٧٥ أوصى رئيس جامعة YALE الأمريكية المشهورة بضرورة تدريس القرآن لطلبة المراحل النهائية في الجامعة، حيث يؤكد بعض المؤرخين أن وراء القرار كانت تكمن بواعث دينية وليست أكاديمية.
- اتهام الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم:
وخلال هذين القرنين صدرت في أمريكا وأوروبا العديد من المؤلفات والكتب التي تهاجم الإسلام بعنف شديد مشيرة إلى أن الإسلام هو «عمل من أعمال الشيطان» و«إنه قائم على الخرافات». كما تهجمت بكل قذارة وحقد على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأطلقت عليه العديد من النعوت والأوصاف نأبي عن ذكرها، كما هوجم القرآن الكريم وشوه، وخاصة من خلال العديد من الترجمات غير الأمنية والتي قام بمعظمها رجال الكنيسة. وهكذا تعرض كل ما هو إسلامي للهجوم، سواء من قبل المنصرين مباشرة أو عن طريق صنائعهم من المستشرقين، ولم يستثن من هذه الهجمة الحاقدة الوحي القرآني، ولا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته الشريفة، ولا الشريعة الإسلامية الطاهرة، ولا الإسهامات الإسلامية المجيدة في كافة الميادين.
ومن الجدير بالذكر أن كتابات ومؤلفات المنصرين والمستشرقين وأعوانهم وتلامذتهم من أمريكان وأوروبيين عن الإسلام والمسلمين لا سبيل لإحصائها، بل إنه من المؤلم جدًا أن تعلم أن كثيرًا من المؤلفات المعاصرة يستند على أبحاث وجهود طلبة مسلمين.
يتبع في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل