العنوان حقيقة الأوضاع في ليبيا
الكاتب د. صالح العبيدي
تاريخ النشر الأحد 01-فبراير-2015
مشاهدات 111
نشر في العدد 2080
نشر في الصفحة 47
الأحد 01-فبراير-2015
كان التدافع بين القوى السياسية في ليبيا يتم في إطار سياسي إعلامي وقانوني حتى وقع الحدث المفصلي الأهم في المشهد السياسي؛ وهو انقلاب الجنرال المتقاعد "خليفة حفتر"، وقد أشار "حفتر" وغيره من الرموز الداعمة لما أطلق عليها اسم عملية "الكرامة" بأن السبب وراء العملية هو فشل المؤتمر الوطني في عمله، رغم أنهم في لقاءات عديدة مباشرة أكدوا أنهم كانوا يخططون لـ"عملية الكرامة" منذ أكثر من سنتين؛ مما يشير بوضوح أن العملية لم تكن مرتبطة بأداء المؤتمر أو عمله.. والغريب أن شخصيات في المؤتمر الوطني العام والحكومة وشخصيات سياسية كانت مشاركة في العمل السياسي أيدوا الانقلاب المسمى بـ"عملية الكرامة" مثل رئيس أكبر كتلة حزبية في المؤتمر، وهذا يدل بوضوح بأن تلك الشخصيات اتجهت للعنف عندما لم ترُق لهم العملية السياسية ونتائجها.. يدعي البعض أن ما يقوم به "حفتر" قام بغطاء شرعي من البرلمان المنتخب، بينما الحقيقة أنه أعلن عن انقلابه وبدأ بالقصف والعمليات العسكرية الشاملة قبل أن يتبناه برلمانيو طبرق بأربع أشهر قبل مما يطعن بوضوح في الشرعية المدعاة اليوم.
الانقلاب وعملية "فجر ليبيا"
لم يكن هناك شيء اسمه فجر ليبيا قبل الانقلاب، ولكن انطلقت هذه العملية كرد فعل ضد الانقلاب العسكري من طرف "حفتر" ومن معه الذين خرجوا على الدولة الشرعية؛ لذا فإن عملية "فجر ليبيا" جاءت بنداء من المؤسسة الشرعية الوحيدة وقتها؛ وهي المؤتمر الوطني العام لحماية العاصمة من الكتائب التي شكلت الجناح الغربي لعملية الانقلاب وخروجها المعلن في تهديد مشهور بحل المؤتمر خلال ثلاث ساعات، وتصريح العديد من قادة تلك الكتائب المتمردة باستهداف واغتيال وخطف أعضاء المؤتمر ثم تنفيذ التهديد باقتحام المؤتمر واختطاف أعضاء منه.
أثناء انتخابات 2012م، وعندما كانت هناك مجموعات في بنغازي تصنف بالراديكالية والمشككة في الديمقراطية وميلها للعنف، تمت جولات من الحوار مع هذه المجموعات، وإذا بهم يساهمون في حماية العملية الانتخابية ويحمون صناديق الاقتراع، ويشاركون في العملية الانتخابية.. غير أن مسار الانقلاب والعنف والقتل ضاعف ردود الأفعال، وجعل الناس يشككون في العملية الديمقراطية برمتها.. لذا فإن الحوار أولاً بإمكانه استيعاب أكبر عدد في العمل السياسي المدني وقوة الدولة ومؤسساتها هو صمام الأمان لا الانقلاب وممارسة العنف خارج إطار الشرعية.
المجتمع الدولي والانقلاب
عند إعلان الانقلاب – الحدث الأكبر في الانزلاق نحو العنف – خرج رئيس المؤتمر الوطني العام، ورئيس الحكومة، ورئيس الأركان ووزير الدفاع آنذاك، وأعلنوا أن ما يسمى "عملية الكرامة" هي انقلاب على الشرعية، رغم ذلك تعامل المجتمع الدولي وكأن لسان حاله بأنه يقف على مسافة متساوية من الجميع.. الشرعي والمنقلب!
بالنظر لمواقف المجتمع الدولي على الانقلاب - رغم إدانته من كل مؤسسات الدولة الشرعية – وصمته عن عمليات القصف بالطائرات، وتخريب أحياء سكنية، وسكوته الغريب عن طائرات تدعم الانقلاب، وذخائر وتسليح ودعم مستمر من خارج حدود البلد، ثم استخفافه بقرار المحكمة العليا الذي كان فرصة للخروج من الحالة المرتبكة.. كل ذلك أضعف مصداقية المجتمع الدولي وجعلها في أدنى مستوياتها محلياً.
في الوقت الذي ينمو فيه شعور متزايد بالرغبة في الحوار إلا أن رعاية المجتمع الدولي ومبعوث الأمم المتحدة بالآليات التي ذكرها وعدم استخدام نفوذه لإيقاف قصف "حفتر" وإيقاف الدعم العسكري الإقليمي له؛ جعل مشروع الحوار برعايته فاقداً للمصداقية عند كثير من الأطراف، لقد كان أولى بالمجتمع الدولي أن يكون صادقاً في استخدام نفوذه لإيقاف الحرب القائمة والقصف المستمر وإدانة المجرم الذي قام بالانقلاب، لكن عدم قيامه بكل هذا وتمسكه بشكل الحوار دون توفير بيئة لحوار ناجح يثير تساؤلات عن الحرص على حوار ناجح، بل إن استمراره في رفع عنوان الحوار دون مضامين واستمرار الطرف الآخر بالقصف وعدم إدانة المجتمع الدولي بوضوح دليل على غموض الموقف الدولي.
الاستمرار في منح المقعد الدولي وهو منصة ليبيا للحديث لباقي دول العالم لطرف بعينه، والسماح له بالحديث باسم ذلك الطرف؛ ليصف المشهد بالطريقة الخادمة لاتجاهه، مشوهاً الحقائق على الأرض، وقالباً لكثير من الأحداث وتحليلاتها.. هذا الاستمرار يشير إلى عدم حيادية الموقف الدولي، وإلى إضفائه للشرعية لطرف دون آخر، منافياً بذلك ما يعلن عنه المبعوث الأممي من حيادية واتزان!
25 يناير.. الأرض المصرية تتكلم ثورة
230 فعالية اتسمت بالجرأة والصمود في ذكرى ثورة يناير
مراسلة "بي بي سي": شرطي هددنا بالقتل في عين شمس إن تابعنا التصوير
محمد محسوب لمؤسسات الدولة: الثورة ستنتصر بنَفَسها الطويل
دماء "سندس"، و"شيماء" شرارة البدء لاستكمال مسار ثورة 25 يناير في ذكراها الرابعة والتي فاقت كل التوقعات في حشدها وتنظيمها وثوارها وأهدافها, فكان مشهداً ثورياً بامتياز في وحدة الدماء ووحدة الهدف لثورة واحدة.
فقد شهدت الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير موجة عاتية من الحراك الثوري - التي كانت تطمح إلى الإطاحة بحكم المخلوع "محمد حسني مبارك"، وبناء دولة قائمة على أسس ثلاثة "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية" - وهبت انتفاضة شعبية ثورية كبيرة في أكثر من 20 محافظة مصرية، إضافةً إلى استشهاد عشرات الثوار من معارضي الانقلاب العسكري، واعتقال المئات منهم.
فاندلاع الموجة الثورية، في مختلف أنحاء مصر، يبرز أن الحملة الأمنية المشددة التي تشنها حكومة "عبدالفتاح السيسي" على الثوار، والتي استمرت 18 شهراً لم تفتّ في عضد الثوار الذين أطاحوا بالمخلوع "مبارك" قبل أربع سنوات.
اقتحام الميادين
هذا وقد أعلنت حركة طلاب ضد الانقلاب أنهم اقتحموا ميادين "لبنان، ومحمد نجيب، ورمسيس" في الموجة الرابعة لثورة يناير، وقاموا بالتظاهر فيها، كما تم تنظيم 5 فعاليات وقطع 8 طرق، وأكدت الحركة أنه منذ اللحظات الأولى، تم تجهيز غرفة عمليات مشتركة لحركتي "طلاب ضد الانقلاب" و"شباب ضد الانقلاب" لإدارة المشهد الثوري ومتابعة تطوراته، مؤكدة أنه لم يتم السماح بأي اعتداء على الفعاليات الخاصة بالحركتين، وتم مقاومة أي اعتداء بكل حزم.
أضاف البيان: ما جرى يوم 25 يناير 2015م تطبيق ثوري عملي لحظر تجول يفرضه الثوار على سلطة الانقلاب، وأن المواجهة بينهم وبين مليشيات العسكر مستمرة على الأرض، والقادم سيكون على غير المتوقع.. فاليوم لا يزال في بدايته.
230 فعالية
فيما نشر المتحدث الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين، محمد منتصر، بياناً عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وجه خلاله التحية للشهداء والثوار، وتابع: "تحية إلى الصامدين أمام المدرعات والمجنزرات في كل ميادين مصر، فبصمودكم أيها الثوار تنجح الثورة وينكسر الانقلاب".
وأضاف: "أتحدث إليكم الآن وقد زادت تظاهرات الموجة الثورية في الخامس والعشرين من يناير على 230 فعالية اتسمت بالجرأة والصمود في وجه الآلة القمعية الغاشمة، فقد تصدى الثوار لمدرعات ومجنزرات الشرطة واستكملوا تظاهراتهم لتصل رسالتهم كاملة في مشاركة شعبية واسعة".
وتابع: "ننقل اليوم رسالة جديدة إلى هذا الانقلاب الغاشم؛ أنه من اليوم هناك مرحلة جديدة من العمل الثوري، رسالة مفادها أنه على الانقلاب أن يعي أن الثورة قد دخلت منحنى جديداً يتقدم ويتنامى، بل أستطيع أن أقول: إنه لن يستطيع الانقلاب أن يكسر الثورة مهما استخدم من قوة وبطش، وإن مسألة انتصار الثورة هي بإذن الله مسألة حتمية وما هي إلا مسألة وقت".
واستطرد: "وأقول للشباب: أنتم القلب النابض، وأنتم قادة هذا الحراك، ولكم الدور البارز اليوم والذي أظهر بشكل واضح أنكم تمتلكون الروح والإبداع والأفكار في مواجهة تلك الدولة العميقة العجوزة بشكلها القبيح، فاستمروا واثبتوا واستكملوا ثورتكم كاملة، وسيكتب التاريخ أن الشباب من أبناء هذا الوطن هم من استطاعوا بفضل الله كسر هذا الانقلاب".
فيما قالت "أورلا جورين"، مراسلة شبكة "بي بي سي" بالقاهرة: إنَّ طاقم القناة تلقى تهديدات بالقتل من شرطي بملابس مدنية بضاحية عين شمس إذا واصلنا تصوير أحداث الذكرى الرابعة من ثورة 25 يناير، وكتبت "جورين" عبر حسابها الرسمي على "تويتر" يوم الأحد 25 يناير: "في عين شمس، حيث تبحث الشرطة عن متظاهري الإخوان، قال شرطي بملابس مدنية: إننا سنتعرض لإطلاق النار إذا واصلنا التصوير".
من جهته، حمل الباحث البريطاني "ديفيد ويرينج" النظام المصري مسؤولية قتل "شيماء" وغيرها من النشطاء، مطالباً بوقف الدعم الخارجي له مع ذكرى الثورة، وكتب "ويرينج" عبر حسابه الرسمي على "تويتر": "بعد أربع سنوات من ثورة 25 يناير، وبعد يوم من قتل ناشطة أخرى مناصرة للديمقراطية، ينبغي أن نساعد في وقف الدعم الخارجي لنظام السيسي"، وأضاف في تغريدة أخرى: "رغم مقتل مئات النشطاء، وحبس الآلاف، ما زالت المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي مستمرين في تسليح نظام السيسي".
وقال "كينيث روث"، مدير منظمة "هيومن رايتس ووتش": "إن القوات الأمنية المصرية قتلت شيماء الصباغ بسبب جريمة خطيرة ارتكبتها؛ ألا وهي حمل إكليل من الزهور"!
فيما طالب محمد محسوب، وزير الدولة للشؤون القانونية الأسبق، مؤسسات الدولة والعاملين بها بإدراك حقيقة أن الثورة ستنتصر بنَفَسها الطويل، وأضاف محسوب في تغريدة له بموقع التدوين المصغر "تويتر": "الثورة ستنتصر على عصابة القمع، وحراك الشعب فرصة للانحياز إليه وإثبات الولاء له".
وقال في تدوينة أخرى، "ساوِ الصفوف وانسَ التصنيف، ولا تحمل وزر أحد"، وتابع: "ولا تهتم بتهويل أو تثبيط أو تعجل، وثِقْ أن أمل الحرية والكرامة سيهزم مشروع القمع والجهل".
وقالت آية الله حسني، زوجة حسن القباني، الكاتب الصحفي ومنسق حركة "صحفيون من أجل الإصلاح": "إن زوجها تعرض للتعذيب الشديد، وتم منع الطعام والشراب عنه لمدة ثلاثة أيام".
وتابعت في تدوينة لها عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك": "عذبوه بكل الأنواع، منعوا عنه الأكل والشرب من يوم اعتقاله الخميس (22 يناير) حتى يوم العرض على النيابة السبت (24 يناير)، مع تحقيق متواصل تحت شتى صنوف الإرهاب والتعذيب"، وأضافت: "بيتعذب علشان كرامتك يا بلد.. وحرية الشعب كله.. وعلشان قيمة كل صحفي واستقلاله، وفي الآخر يتم حبسه 15 يوماً".
فيما قال الكاتب الصحفي وائل قنديل عبر "الفيسبوك"، معلقاً على الزخم الثوري الذي تمر به البلاد في الذكرى الرابعة للثورة: "اليوم فارق في مسيرة الثورة، لا أتصور أن هؤلاء الأحرار سيعودون بعد انتهاء اليوم، لم يخرجوا للاحتفال بذكرى وإنما لاستعادة الكرامة، لا تتركوهم وحدهم".
وكان متظاهرون خرجوا، يوم 25 يناير، في تواصل لفعاليات احتجاجية تنوعت بين مسيرات وسلاسل بشرية واعتصامات في عدة مدن، استجابة لدعوة أطلقها التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، المؤيد للرئيس "مرسي"، لإحياء الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير 2011م بموجة ثورية جديدة لإسقاط الانقلاب والانتصار للثورة.
الثورة أدت ما عليها.. ومسؤولية الفشل تقع على الساسة
تونس: هيثم كحيلي
صعود حزب "نداء تونس" ومؤسسه "الباجي قائد السبسي"، الرئيس الحالي للجمهورية التونسية وسليل النظام السابق، أعطى حججاً قوية للمتحدثين عن "فشل الثورة"، وعن نجاح "الثورة المضادة"، وكذلك للذين تنبؤوا طيلة السنوات الماضية بأن النهج الإصلاحي والتوافقي سيؤدي إلى فشل الثورة، وحتى لأولئك الذين اتهموا الثورة عند انطلاقتها بأنها مؤامرة خارجية تهدف إلى استغلال السخط الشعبي لأجل الإطاحة بنظام انتهى زمنه، وتمكين نظام جديد ليحكم تونس وغيرها من دول "الربيع العربي" لعقود قادمة.
وحالة الإحباط التي عمَّت المتحدثين عن الثورة لم تنتج عن فشل الثورة، وإنما عن علو سقف التأملات التي انتظرها هؤلاء المتحدثون وقصر نظرهم وضيق صدرهم، فهؤلاء المحبَطون كانوا ينتظرون نتائج آنية كخبر فرار "زين العابدين بن علي" في عام 2011م، وانتظروا أن يختتموا عام 2014م بأنباء تثلج الصدر؛ مثل فوز حركة النهضة وحزب المؤتمر لأجل الجمهورية بالأغلبية في الانتخابات التشريعية، وفوز الرئيس السابق المنصف المرزوقي في الانتخابات الرئاسية، فلما خابت تأملاتهم قالوا: "انتهت الثورة وسقطت آخر قلاعها".
والحديث عن عدم فشل الثورة لا يعني بالضرورة أننا ندعي نجاحها أو انتصار رجالها، وإنما هي تذكرة بأن الثورة التونسية كانت حدثاً وقع في الأسابيع الأولى من عام 2011م، واعترف بها الجميع، ورضخت لها كل القوى المؤثرة في البلاد من الداخل والخارج دون استثناء، فنتج عنها ما نتج من تغييرات في هرم السلطة التونسية وفي المجتمع الذي أعادت له الثورة توازنه وفي العالم العربي بأكمله؛ حتى جاء يوم 27 فبراير 2011م الذي قبل فيه معشر الثوار ومعشر "الفلول" - على حد سواء - بالاحتكام إلى عملية سياسية انتقالية، تلخصت في تولي "الباجي قائد السبسي" لرئاسة الوزراء لحين انتخاب مجلس تأسيسي يتولى إدارة الدولة وإلى حين كتابة دستور يؤسس للجمهورية التونسية الثانية وتنظيم انتخابات عامة جديدة، وهو ما حدث حرفياً وقبلت به كل الأطراف دون استثناء.
وإقرار ما ذكرنا لا يعني رسم صورة وردية للمشهد التونسي، وإنما هو تنزيه للثورة، وتبرئة للشعب من إخفاقات الساسة وعثرات الديمقراطية، فالشعب قام بواجب الثورة وكسر قيود الدكتاتورية وأخرس الطغاة والمتجبرين، ووضع الساسة أمام اختبار العملية الانتقالية، فنجحوا - أي الساسة - في استحقاقات شديدة الأهمية؛ مثل تجنب الحرب الأهلية، وكتابة الدستور، وتنظيم الانتخابات، والحفاظ على الحريات العامة، وهي استحقاقات ما كان لهم أن يتداركوها في حال فشلهم فيها، في حين فشل الساسة في تحقيق استحقاقات أخرى مثل العدالة الانتقالية وإصلاح مؤسسات الدولة، ومازالت الفرصة سانحة أمام الساسة المحسوبين على الثورة ليتداركوا إخفاقاتهم هذه.
وأمام حقيقة صعود حزب نداء تونس، المحسوب على النظام القديم، وفشل أو تراجع معظم الأحزاب المحسوبة على الثورة، تقف حركة النهضة الإسلامية بصفتها أقوى تيار سياسي وجماهيري محسوب على الثورة، أمام استحقاقين أساسيين يجب أن تؤديهما خلال السنوات الخمس القادمة، أولهما منع حزب نداء تونس ومن حوله من الانقلاب على العملية السياسية التي جاءت بها الثورة والتي وصل نداء تونس للحكم تحت شروطها وضوابطها، وثانيهما هو أن تقوم بمراجعة سياساتها في السنوات الأربع الماضية، وأن تقوم بعملية إصلاحية داخلية واسعة ربما تمكنها من العودة بقوة في الانتخابات القادمة.
منع الانقلاب على العملية السياسية
رغم كل ما يكال لحزب نداء تونس من اتهامات حول تبعيته للنظام السابق، وحول اعتماده على دعم القوى الخارجية المعادية لثورات "الربيع العربي"، يجب أن نعترف وأن يعترف حزب نداء تونس أيضاً بأنه لم يصل للحكم عبر انقلاب عسكري ولا أمني، ولا عبر انقلاب أبيض، وإنما وصل عبر صناديق الاقتراع وتحت شروط الثورة وضوابطها.
وإن كان الحزب ملتزماً حتى الآن بالدستور وبالعملية السياسية التي أقرها الثوار في يوم 27 فبراير 2011م، وأسست لها انتخابات 23 أكتوبر 2011م، ونظمها دستور 2014م، فإن تاريخ قياداته وعلاقاتهم الحالية مع رموز النظام القديم في الداخل ومع أعداء الثورة في الخارج يعتبر سبباً كافياً للحذر من إمكانية انقلابه على العملية السياسية، وهنا تقع المسؤولية على الثوار وعلى رأسهم حركة النهضة، الممثل الأقوى لتيار الثورة في المشهد السياسي، التي ستكون المُلام الأكبر في حال حصول هذا الانقلاب.
وعند الحديث عن منع حزب نداء تونس من الانقلاب على العملية السياسية، فإننا مطالبون بمعالجة الأسباب التي قد تُحمس قياداته على الانقلاب على العملية السياسية، ومن أهم هذه الأسباب استفراده بالحكومة أو تحالفه مع الأحزاب اليسارية ذات العداء الأيديولوجي للإسلاميين؛ وهو الأمر الذي جعل مجلس شورى حركة النهضة يبادر إلى إعلان استعداد النهضة للدخول ضمن الحكومة التي يعمل نداء تونس على تشكيلها.
ومن الأسباب الأخرى التي قد تدفع حزب نداء تونس إلى التخلي عن الشرعية الانتخابية واللجوء إلى الانقلاب على العملية السياسية، نجد خطر فشله في إدارة البلاد مما سيدفعه للاستعانة بالدعم الخارجي شديد الإغراء الذي سيشترط أن يتم استئصال الإسلاميين على الطريقة المصرية للحصول على دعم مادي ودبلوماسي كذلك الذي حصل عليه قادة الانقلاب في مصر، ولمنع كل هذا، يجب أن تحرص حركة النهضة على تهدئة المناخ السياسي، وعلى منع وقوع البلاد في أي أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية طيلة السنوات الخمس القادمة.
النهضة مطالبة بالمراجعة والإصلاح
أهم الأسباب التي قد تدفع حزب نداء تونس أو قوى الثورة المضادة المحيطة به إلى الانقلاب على العملية السياسية هي استشعار الضعف داخل التيار الثوري، وتحديداً داخل حركة النهضة، وهو ما ظهرت ملامحه الأولى في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة التي تراجعت فيها حصة النهضة من أصوات الناخبين من حوالي مليون ونصف مليون صوت في عام 2011م إلى حوالي مليون صوت في انتخابات عام 2014م.
وبعيداً عن التفسيرات المنطقية والتبريرات العاطفية للتراجع الذي منيت به حركة النهضة، وعوض الاعتكاف على ترضية الدائرة الضيقة من قواعد الحزب الذين دعموها في الانتخابات التشريعية الماضية، يجب على النهضة أن تعمل بجدية لتدارك هذا التراجع، ولجذب ناخبين جدد من الكتلة الأكبر من الناخبين الذين قاطعوا العملية الانتخابية الأخيرة، والذين يتساوى عددهم بعدد إجمالي من شاركوا في انتخابات عام 2014م.
وجذب الناخبين الجدد لن يكون عبر حملات دعائية تتصدرها نفس القيادات التي قادت المرحلة السابقة، ولا بنفس الخطاب التقليدي لحركة النهضة وللتيار الثوري، وإنما عبر عملية إصلاحية واسعة داخل الحركة؛ تفرز قيادات جديدة للحزب، وتنتهي إلى تطوير الخطاب الذي يتبناه الحزب في تعامله مع المجتمع التونسي الذي يختلف بشكل جذري عن المجتمع التونسي الذي عرفه مؤسسو التيار الإسلامي التونسي في ثمانينيات القرن الماضي.