; حقيقة الدعوة في أوروبا بين الطبائع البشرية والإمكانيات التمويلية | مجلة المجتمع

العنوان حقيقة الدعوة في أوروبا بين الطبائع البشرية والإمكانيات التمويلية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

مشاهدات 54

نشر في العدد 782

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

  • انفصام الشخصية مرض نفساني خبرته أوروبا وتعاني منه ضمن ويلات الانجراف المادي والتفسخ الأخلاقي.
  • بساطة الإدراك الفقهي لدى بعض مؤسسي الجمعيات الإسلامية في أوروبا يجعل التجمع يأخذ صبغة إقليمية بحتة.

لا يتطرق الشك إلى أن الدعوة في أوروبا تكاد تكون ممتعة أو حلمًا جميلًا مقارنة بغيرها من البيئات، ففي المهجر وبلاد الاغتراب يسهل على كل من عرف الصلاة أن يصبح داعية وأن يؤسس مركزًا وينال الشهرة ويمضي في إصدار التصريحات.. وعلى النقيض من ذلك فقد اعتاد الدعاة في عصرنا هذا مواجهة أشد المصاعب في ديارهم ما بين نظام علماني محارب للدين أو استبدادي يقمع ويضطهد وربما عملوا في مناطق استوطنتها الأوبئة وأنهكها الفقر وأقعدها التخلف أو شحت فيها الإمكانيات.. فعلى الذين انخرطوا في سلك الدعوة لأول مرة في أوروبا ولم تتوافر لهم الخبرات أن يفيقوا من أحلامهم ليقفوا على الحقائق ويصارحوا أنفسهم ويحاسبوها ثم يحكموا لها أو عليها.
المنطلق:

المعايشة الفعلية للواقع في إسكندنافيا وشمال أوروبا وتجميع خلاصة التجارب السابقة تمكننا من وضع الإطار العام لنشوء وتطور الجهود الإسلامية مفصلة في مراحل متتابعة تمر بها أو ببعضها المجموعات المسلمة حتى تصل إلى ما يسمى بتبني قضايا الدعوة وقد اختير عنوان مميز لكل مرحلة:

المرحلة الأولى: الابتزاز العاطفي:

يعاني المهاجر من ضغوط نفسية مضنية بتأثير ظروف الاغتراب ويحاول التكيف معها باحثًا عن مهرب من الضياع والذوبان فتدفعه غريزته إلى اللقاء بمواطنيه والتعاون معهم فيما يعرض لهم من شؤون حياتهم بطريقة عفوية وبلا سابق تخطيط أو دراسة.

المرحلة الثانية: المنزلق الأوروبي:

تتطور فكرة التجمع وتختمر في العقول وتتجسد في رغبة ملحة في تأسيس جمعية أو نادٍ دون تقدير للعواقب تأثرًا بالأسلوب الديمقراطي الغربي في العمل الجماعي الذي يناسب حالة أصحابه فقط، وتكون سهولة التنفيذ طبقًا للقوانين المحلية أكبر المغريات يعززها آمال بأن الجمعية أو النادي ستكون شاطئ النجاة من أمواج المحيط الأوروبي المتلاطم وقلعة الصمود وعنوان التحدي وإثبات الوجود ضد مؤثراتها المدمرة.

المرحلة الثالثة: القالب القبلي:

نظرًا لبساطة الإدراك الفقهي عند غالبية المؤسسين وعدم استيعاب الإسلام بشموليته وعمليته وطبيعة معاركه المعاصرة فإن التجمع يكون ذا صبغة إقليمية بحتة وذا تطلعات ضيقة للغاية وتتكون الجمعية من أتراك فقط أو باكستانيين أو عرب...إلخ وكل في فلكه يسبح، ولا عتب عليهم في هذا فتلك قصارى إمكانياتهم.

المرحلة الرابعة: المقاييس المضللة:

تتفاوت قدرات المؤسسين ومستويات فقههم رغم تدنيها على وجه العموم.. وتختلط أمامهم الأمور فيصعب عليهم التمييز بين المسلم بالانتماء والمسلم بالولاء، أو بين المسلم بالاسم والوراثة والمسلم بالالتزام وبالدراية، فكل من أقام الصلاة في أوروبا أو غيرها هو مسلم انتماء ولا يعني ذلك أنه مؤهل لحمل مسؤولية ما أو قادر على الالتزام بها.. وغموض المقاييس التي يوزن بها الناس عند أي مجموعة عاملة وافتقاد التجانس في نظرتهم للأمور هما السببان الرئيسيان للانخداع بمحتوى العمل الإسلامي وقابليته للإنجاز، وغني عن البيان أن المنغمسين في أي عمل يأتون على رأس المنخدعين بحقيقته.

المرحلة الخامسة: مصيدة التمويل:

تولد الجمعية ويستأجر المقر ويؤثث وتنشأ التزامات جديدة لم تكن في الحسبان أو ضاقت بها إمكانات المؤسسين أو تنتج عن تبني مشروعات إسلامية معينة من تكاليف مطبوعات أو نفقة لمؤتمرات...إلخ. ويبدأ البحث عن تمويل لتغطية المصاريف وتتجه الأنظار إلى منابع النفط وتنطلق الوفود وتعود محملة بالخيرات مشرقة الأفواه بالابتسامات ظنًا أن عقدة الدعوة سيحلها المال.. وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم: «ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تقبل عليكم الدنيا كما أقبلت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلكوا كما هلكوا».

المرحلة السادسة: الامتدادات العالمية:

ويتم تبادل الزيارات بين المصادر التمويلية والقواعد الدعوية؛ فالرحلة إلى أوروبا شيقة تمامًا والدعوة السياحية ممتعة للغاية، حيث يمضي الداعية الموفد فترة قصيرة في رحلة مبتورة لا تكفي إلا للتمتع بحفاوة الاستقبال وحرارة الترحيب والاطلاع على ظواهر الأمور دون بواطنها وعلى الادعاءات لا الحقائق..
ويكفي الموفد فخرًا بما حققه لدعوته من امتداد عالمي يزف بشائره إلى إخوانه بعد عودته.. لقد ملأنا الأرض إسلامًا ما بين القطبين ولكن واأسفاه نسينا أن نطبقه في بلادنا في زحمة الانشغال بالامتداد العالمي.

المرحلة السابعة: الحمولة الزائدة:

تنوء المجموعة المؤسسة بحملها مع مرور الأيام الذي يزداد تضخمًا ليملأ القالب الإداري الفضفاض وهو ما فرضوه على أنفسهم قبل الأوان.. ويبدأ التصدع تحت وطأة الحمولة الزائدة وفي غيبة الضوابط السلوكية الأساسية يصل التنازع والخلاف إلى أبعاد غريبة ويظهر العجز والتخبط رويدًا رويدًا حتى تدركه أبصار الناس ولكن أصحاب البصيرة قد أدركوه منذ أمد بعيد.

المرحلة الثامنة المطرقة والسندان:

يفاجأ المؤسسون على غير توقع منهم بالواقع من حولهم والذي تتسع به الهوة عما تخيلوه ضمن أهدافهم وأعلنوه في منشوراتهم.. بين أقلية مسلمة هاجرت بجهلها وأبت أن تتخلى عنه بعناد غريب يحير أقدر الدعاة.. وأكثرية أوروبية تخالفها في كل شيء وتختلف معها في العقيدة وتتفوق عليها بالتقدم المادي بينما سبل الاتصال بها مقطوعة إما شعورًا بالنقص أمام ذلك التفوق وخوفًا من المواجهة أو افتقادًا لإمكانيات واستعدادات المجابهة الثقافية والحوار الفكري وتبدو التجمعات المسلمة كالجيتو اليهودي منعزلة عن المجتمع الأوروبي متقوقعة على نفسها لا تتفاعل ولا تؤثر.. وتتجمد فاعلية الجمعيات وتتعثر انطلاقتها بين مطرقة المسلمين وسندان الأوروبيين.

المرحلة التاسعة: البحث عن إنجازات:

تستمر الضغوط النفسية ويستفحل الابتزاز العاطفي ولكن بشكل آخر.. فالمهاجر المتنعم يبحث عن مبرر للبقاء واستمرار الترف في بلاد كل ما فيها مضاد لدينه وشخصيته.. والمبعوث للدعوة يفتش عن موضوعات يشحن بها تقاريره ويحلل بها مرتبه.. ومشرفو الجمعيات والمراكز يتلمسون آثارًا لفعل الأموال التي جدوا في جمعها وتراخوا في ضبط اتفاقها.. والكل منهمك في البحث عن إنجازات ولو كانت أوهامًا من صنع خياله ولو أدى ذلك البحث إلى مزيد من الإهدار للجهود والتبديد للأموال والمسلسل مستمر.. ونظرًا لأن مجال الدعوة ضيق وطريقها شبه مسدود لافتقاد التخطيط ونقص المؤهلين يتشبث كل بموقعه كما يتشبث الطفل بلعبته ويخشى أن تنتزع منه ويقاتل كل من يظن أنه يريد مشاركته فيها.. ويصبح تعليم أمي أو مناقشة أوروبي أو.. أو.. صيدًا ثمينًا يتسابقون إليه ويتنافسون على ضمه إلى قائمة إنجازاتهم.. وقد بلغت الطرافة مداها في التزاحم على انتساب الإنجازات أن جمعيات بكاملها تعتمد على رجل واحد أو قائد ملهم حسب اصطلاحنا أما الأوروبيون فيسمونه «MANS SHOW ONE» وجمعيات أخرى قام بتأسيسها ويديرها اثنان لا ثالث لهما.

المرحلة العاشرة: العلمانية المقنعة:

الشيزوفرانيا أو انفصام الشخصية مرض نفساني خبرته أوروبا وتعاني منه ضمن ويلات الانجراف المادي والتفسخ الأخلاقي وقد انتقل إلى المسلمين المهاجرين بتأثير البيئة وإن لم يفطنوا إلى الإصابة ولم يحسوا بالأعراض.. فهم منفصمون بين جذب روابطهم ببلادهم الأصلية وتبعات وجودهم في أوروبا وهم متحيرون بين التمتع بمكتسبات الحضارة الأوروبية والتمرد عليها مجابهة بدعوة التوحيد وشريعة الإسلام.. أما الجمعيات فيتلخص أمرها باعتراف القائمين عليها بالعجز في الفقه والضيق في الوقت وبضرورة وجود شخص مؤهل لمتابعة البرامج وتستجيب مصادر التمويل للاقتراح الجديد ويأتي الإمام أو الداعية بالمواصفات المطلوبة، وهنا تظهر الشيزوفرانيا بما يسمى العلمانية المقنعة ممثلة في الانفصال بين السلطتين الدينية والدنيوية أو بين الإمام وما يحمله من علم وفقه من جهة والمجموعة المؤسسة من جهة أخرى بما تملكه من سلطة تنفيذية وبما لديهم من مال أو اتصال بمصادر التمويل، ويطفو على السطح صراع مرير تكون نهايته المحتومة هي هزيمة الداعية وانتصار المديرين، ولا غرابة في ذلك متى ضاعت المقاييس وينجح مهاجرو أوروبا المسلمين في فرض العلمانية على جمعياتهم التي أقاموها باسم الدين وبدعوى حماية مواطنيهم ونشر الإسلام بين النصارى المارقين.

المرحلة الحادية عشرة: القشة القاصمة:

التمويل العربي اشترى العقارات، والتمويل العربي ينشئ الجمعيات وينفق على المشروعات، وبالتالي يصبح عنصرًا ضاغطًا للبحث عن إنجازات، والمفترض أن ذلك عبر تراكيب مضطربة غير مؤهلة فقهيًّا وتربويًّا ويصبح أتفه الأسباب كافيًا لتقويض العمل بكامله.. اتهامات وشكوك في جمع الأموال وفي التصرف فيها وتقولات حول الارتباطات المشبوهة ومحاولات الاحتواء من هيئات التمويل، ثم معاداة بين الارتجال السابق وقواعد الدعوة التي يتبناها الداعية الجديد وفي المجتمعات المادية يكون القابض على المال هو سيد الموقف بلا منازع، ويعطي المال العربي لأدعياء الدعوة قوة يحطمون بها أي مبادرة مدروسة أو يعيقون تحركها في أحسن الأحوال وتنتهي المشاكل والتنازعات بالتصدع الكامل وينفرط العقد وتتشقق المجموعة إلى شراذم مصدومة حائرة لا تعرف كيف ومتى تحاول من جديد.

المرحلة الثانية عشرة: الكبار يأكلون الحصرم والصغار يدرسون:

هكذا قال الإنجيل، وهكذا يدفع أتباع الإنجيل الثمن مرتين.. الأولى بسبب جهلهم وتكاسلهم في معرفة الحق والثانية بسبب تعثر حملة الرسالة وسوء تمثيلهم للإسلام فهم أسوأ محام عن أنجح قضية.. أما الذي يضرس فهو الجالية المهاجرة المسلمة اسمًا التائهة في غيابات الجهل التي امتزج أبناؤها بالحياة الأوروبية لغة وثقافة وفكرًا والحائرة بين اتجاهات إسلامية لا تزال سادرة في تخبطها مستمتعة بضغائنها وتشاكسها.. ولله في خلقه شؤون! فالمسلمون بحملة الدعوة يأكلون حصرم الارتجال والتهاون والتخاصم والناس من حولهم يضرسون.
نهاية المطاف أو حساب الضمير:

ستبقى المعضلة بلا حل والمتاهة بغير مخرج ما لم نتدارس الأسئلة التالية بكل جدية ماذا يريد المسلمون من أوروبا؟ أو ما هي أهداف المهاجرين إليها أولًا؟

وما هي تطلعات الممولين لنشاطاتهم ثانيًا؟ وقبل هذا يأتي سؤال أهم.. ما هي الدعوة وما هو تعريفها وما هي حقيقتها في أوروبا؟ والسؤال الذي يفرض نفسه هو.. هل كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يبعث بالمال أم يبعث بالرجال لمن دخل في الإسلام وأراد التفقه في الدين؟ ومن كان ينتدب عليه الصلاة والسلام في مهمات الدعوة فقهاء الصحابة أم جاهلي الأعراب؟

وحتى نحصل على إجابة وهو الجزء السهل.. وإلى أن نتفق على رأي وهو الجزء الأصعب سيظل المسلمون الضائعون يدفعون الثمن وسيظل النصارى الضالون يدفعون الثمن.. ولكن الثمن الأفدح سيتولى دفعه العاملون باسم الدعوة يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 675

65

الثلاثاء 12-يونيو-1984

رسائل (675)